هذا المقال بقلم بارعة الأحمر، صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.
لا يفاوض لبنان في روما على خطوط تماس، ولا على ترتيبات أمنية أو "مناطق نموذجية" في جنوبه. إنه يفاوض على ما هو أبعد من ذلك: استعادة معنى الدولة نفسها بعد عقود من الحروب والانقسامات وتعدد مراكز القوة وكسر المعادلة التي جعلت لبنان أسير احتلال إسرائيلي لا يجد نهاية، وسلاح خارج الدولة لا يجد سقفاً.
قد تبدو معضلة التحقق من خلو الجنوب من سلاح حزب الله مسألة تقنية يناقشها الخبراء العسكريون والدبلوماسيون في قاعات التفاوض. لكنها، في حقيقتها، أكبر معركة سياسية يخوضها لبنان منذ قرابة نصف قرن. فالقضية لا تتعلق بترسيم خطوط انتشار أو بإدارة وقف إطلاق النار، بل بالسؤال الذي عجزت الدولة اللبنانية عن حسمه طوال عقود: من يحتكر القوة على الأرض اللبنانية؟
لذا، تكتسب الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، برعاية أمريكية، في روما، الثلاثاء، أهمية استثنائية. فهي تمثل الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ، حيث تصبح التفاصيل هي التي تقرر نجاح المسار أو انهياره. وفي قلب هذه التفاصيل تقف معضلة واحدة تختصر كل التعقيدات: التحقق.
يريد لبنان وقف عمليات التجريف والتدمير التي يواصلها الجيش الإسرائيلي، وتوسيع نطاق المناطق التجريبية لتشمل بلدات تحت الاحتلال، وإقرار آلية تحقق مستقلة تتيح انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وعودة أهل الجنوب إلى بيوتهم، وإطلاق إعادة الإعمار. في المقابل، تربط إسرائيل أي انسحاب بالحصول على ضمانات قاطعة بألا يحتفظ حزب الله بأي وجود عسكري في تلك المناطق، وأن الجيش اللبناني يفرض سيطرته الكاملة فيها. وبين هذين الموقفين، يتوقف كل شيء عند سؤال يبدو بسيطاً، لكنه بالغ التعقيد: من يتحقق؟
هوية الجهة التي ستتولى عمليات التحقق ليست جوهر المشكلة. فالتحقق ليس أزمة كاميرات أو أقمار اصطناعية أو فرق تفتيش، بل هو أزمة ثقة صنعتها عقود من ازدواجية السلاح. ولو كان احتكار القوة بيد الدولة اللبنانية وحدها، لما احتاج لبنان إلى إثبات خلو أرضه من أي قوة مسلحة خارج مؤسساته، ولما وجدت إسرائيل الذريعة التي تتمسك بها لتأجيل انسحابها.
فإصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاح خارج الدولة جعل من نزعه شرطاً لأي ترتيبات أمنية جديدة، وحوّله مبرراً تستخدمه إسرائيل لتسويغ استمرار عملياتها العسكرية ورفضها الانسحاب.
حيث تجعل إسرائيل من هواجسها الأمنية مبرراً لاستمرار الاحتلال، وانتهاج سياسة الأرض المحروقة والتجريف، ومنع عودة المدنيين، والإبقاء على الجنوب رهينة اعتبارات عسكرية متغيرة.
المفارقة أن الطرفين، كلٌّ من موقعه، يمددان عمر الأزمة التي يقول كل منهما إنه يريد إنهاءها. فسلاح حزب الله يمنح إسرائيل ذريعة للبقاء، واستمرار الاحتلال يمنح الحزب ذريعة للاحتفاظ بالسلاح. وبين الذريعتين، يبقى لبنان الخاسر الأكبر.
لذا، فالرهان الحقيقي في مفاوضات روما لا يتعلق بنجاح المناطق النموذجية أو فشلها، ولا بالاتفاق على الجهة التي ستتولى عمليات التحقق، بل هو كسر الحلقة التي حكمت لبنان طوال سنوات: سلاح يولّد احتلالاً، واحتلال يولّد مزيداً من السلاح. فلا دولة تكتمل سيادتها في ظل ازدواجية القرار الأمني، ولا سلام يستقر في ظل الاحتلال.
ما يجري في روما ليس مفاوضات حول بضعة كيلومترات في جنوب لبنان، بل حول مستقبل الدولة اللبنانية نفسها. إذا نجح هذا المسار، سيكون الطريق العملي نحو حماية حدودها بمؤسساتها لا بتوازنات السلاح. أما إذا أخفق، فلن تكون الخسارة جولة تفاوض أخرى، بل إهداراً لفرصة بناء الدولة القوية، فيبقى لبنان مساحة انتظار بين حروب لا تنتهي وأسير معادلة قاتلة: احتلال يؤجل انسحابه، وسلاح يؤجل قيام الدولة ويجعلها ورقة ابتزاز في الصفقات الإقليمية.
المصدر:
سي ان ان