رسم الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف صورة قاتمة لأوضاع الفقراء في الولايات المتحدة، وقال إن ملايين المواطنين يعيشون في ظروف لا يدركها كثيرون، في وقت تتفاقم فيه معاناتهم بسبب تقليص برامج الرعاية الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي مقال رأي بنيويورك تايمز استند إلى رحلة ميدانية امتدت لنحو 1600 كيلومتر في ولايات أوكلاهوما وأركنساس وتينيسي وكنتاكي، يقول كريستوف إن الفقر في أمريكا لم يعد مجرد نقص في الدخل، بل أصبح حالة متوارثة تعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال، نتيجة تراكم الصدمات النفسية وضعف شبكات الحماية الاجتماعية.
ويبدأ الكاتب بقصة ترينيتي غودمان (44 عاما) من أوكلاهوما سيتي، التي تعيش على بيع بلازما دمها مرتين أسبوعيا لتوفير احتياجاتها الأساسية. ويشير إلى أنها لم يكن لديها سوى بضعة دولارات في حسابها المصرفي، بينما تعتمد على قسائم غذائية شهرية لا يمكن استخدامها لشراء ورق المرحاض أو مستلزمات النظافة الشخصية، مما يضطرها إلى اللجوء لبنوك الطعام التي تديرها الكنائس.
وتقول غودمان، بحسب المقال، إنها لم تتمكن طوال حياتها من دفع تكلفة زيارة صالون حلاقة، كما أنها أمضت سنوات مهددة بالتشرد، واضطرت للبقاء في منزل رجل استغل حاجتها، إلى أن ساعدتها مؤسسة خيرية في الحصول على سكن منخفض التكلفة.
ويرى كريستوف أن هذه القصص تكشف اتساع الفجوة بين الأمريكيين، فبينما يحقق كثيرون مستويات غير مسبوقة من الثراء، يعيش آخرون في ظروف تجعلهم عاجزين عن تأمين أبسط الاحتياجات اليومية.
ويحمّل الكاتب إدارة الرئيس دونالد ترمب جزءا كبيرا من المسؤولية، مشيرا إلى أن تقليص برامج المساعدات الغذائية والرعاية الصحية وتمويل خدمات الصحة النفسية، إلى جانب تشديد شروط الحصول على الإعانات، أدى إلى زيادة الضغوط على الأسر الفقيرة، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والوقود.
ومن بين الحالات التي يعرضها المقال، لاتويا فوستر، وهي أم عزباء لستة أطفال تعمل في أحد مطاعم الوجبات السريعة بأجر 13.40 دولارا في الساعة. وكانت تعتمد على أكثر من ألف دولار شهريا من قسائم الغذاء قبل أن تُوقف فجأة بسبب ما تقول إنه خطأ إداري يتعلق بملفات طفليها.
وتروي فوستر أنها أصبحت عاجزة عن دفع إيجار منزلها، وأنها "تصل إلى الحضيض كل يوم"، مضيفة أن زيادة ساعات العمل لم تعد تحسّن وضعها المعيشي، بل تجعل الضغوط أكبر، قبل أن تنهار باكية أمام الكاتب.
ويشير كريستوف إلى أن نحو 1.5 مليون طفل فقدوا المساعدات الغذائية خلال العام الماضي، بينما خسر ملايين الأمريكيين أيضا تغطيتهم الصحية بعد تقليص الدعم الحكومي، وهو ما زاد هشاشة الأسر ذات الدخل المحدود.
لكنّ الكاتب لا يقصر انتقاداته على الجمهوريين، بل يرى أن الديمقراطيين أيضا أخفقوا في معالجة جذور الفقر، رغم خطابهم الداعم للعدالة الاجتماعية.
ويستشهد بارتفاع معدلات التشرد في ولايات يحكمها الديمقراطيون، وبالتفاوت الكبير في فرص التعليم والسكن، حيث أصبحت مناطق مثل بالو ألتو في كاليفورنيا توفر مدارس ممتازة، لكنّ أسعار المنازل فيها تجعلها بعيدة عن متناول معظم الأسر.
نحو 1.5 مليون طفل فقدوا المساعدات الغذائية خلال العام الماضي، بينما خسر ملايين الأمريكيين أيضا تغطيتهم الصحية بعد تقليص الدعم الحكومي، وهو ما زاد هشاشة الأسر ذات الدخل المحدود.
ويخصص كريستوف جزءا من مقاله لمدينة باين بلاف في ولاية أركنساس، حيث يرى أن الفقر والجريمة وضعف التعليم ما زالت تحد من فرص السكان، رغم مرور عقود على انتهاء قوانين الفصل العنصري. وينقل عن بعض كبار السن قولهم إن أوضاعهم الاقتصادية أصبحت أسوأ من الماضي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.
ويختم الكاتب بقصة إيمانويل لاستر، الذي التقى به قبل 10 سنوات وهو مراهق واعد، لكنه انتهى في السجن يواجه اتهامات فدرالية بحيازة سلاح معدل آليا. ويقول إن طفلي لاستر يعيشان اليوم ظروفا مشابهة لتلك التي عاشها والدهما، معتبرا أن هذه الحلقة المتكررة تجسد كيف يعيد الفقر إنتاج نفسه جيلا بعد جيل.
ويخلص كريستوف إلى أن تجاهل معاناة الفئات الأكثر هشاشة، من قِبل السياسيين في الحزبين، يهدد بتوسيع الفجوة الاجتماعية في الولايات المتحدة، ويجعل ملايين الأطفال عرضة لتكرار المأساة نفسها التي عاشها آباؤهم، ما لم تُعالج الأسباب البنيوية للفقر بدلا من الاكتفاء بتقليص برامج الدعم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة