في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
برزت خلال الساعات الماضية مؤشرات على احتمال إحراز تقدم في مسار إنهاء الحرب بغزة، بعدما أعلنت الإدارة الأمريكية التوصل إلى خارطة طريق تقضي بحصر وتخزين سلاح حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) تدريجيا مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي من القطاع، في إطار ترتيبات انتقالية تشمل نقل إدارة غزة إلى هيئة فلسطينية مدنية مدعومة بقوة دولية.
غير أن غياب الموقف الإسرائيلي الرسمي، إلى جانب استمرار التباين بين شروط الطرفين، أبقى مستقبل المبادرة رهينا باختبارات سياسية وميدانية معقدة.
الإدارة الأمريكية تؤكد أن الخطة لا تطلب من إسرائيل سوى الالتزام بما وافقت عليه سابقا ضمن اتفاق سبتمبر/أيلول 2025 الخاص بوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين
بواسطة صحيفة واشنطن بوست
وأفادت صحيفة واشنطن بوست في تقرير بأن الولايات المتحدة نجحت، عبر وساطة مصرية، في بلورة إطار تفاهم بين إسرائيل وحركة حماس يقضي بأن تتخلى الحركة عن أسلحتها على مراحل، مقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من غزة، بما يفتح الباب أمام إعادة إعمار القطاع بعد ما يقرب من 3 أعوام من الحرب.
وذكرت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصف في منشور على منصة التواصل الاجتماعي الخاصة به، تروث سوشيال، الاتفاق بأنه "تاريخي"، معتبرا أنه ينص على "النزع الكامل لسلاح حماس وجميع الجماعات المسلحة الأخرى في غزة"، وأنه يمثل "خطوة هائلة نحو سلام وأمن دائمين".
وأضاف أن الخطة التي تقوم على تزامن مراحل نزع السلاح مع الانسحاب الإسرائيلي، على أن تحل محل الجيش الإسرائيلي قوة دولية لتحقيق الاستقرار تعمل بالتنسيق مع جهاز شرطة فلسطيني معاد هيكلته.
وبحسب واشنطن بوست، فإن الإدارة الأمريكية تؤكد أن الخطة لا تطلب من إسرائيل سوى الالتزام بما وافقت عليه سابقا ضمن اتفاق سبتمبر/أيلول 2025 الخاص بوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين الذين كانت تحتجزهم حركة حماس.
ونسبت الصحيفة إلى مسؤول أمريكي -طلب عدم الكشف عن هويته- القول: "لسنا نطلب من إسرائيل سوى الموافقة على الخطة ذات الــ20 بندا التي وافقت عليها في البداية"، مضيفا أن الرئيس ترمب "سيشعر بخيبة أمل كبيرة" إذا تراجعت إسرائيل عن التزاماتها.
لكن واشنطن بوست عادت وأفادت بأن المسؤول أقر بالتحديات التي تواجه تنفيذ الخطة قائلا: "سنحاول أن نفعل شيئا مستحيلا للغاية".
ورغم التفاؤل الأمريكي، ظل الموقف الإسرائيلي الرسمي غامضا، إذ لم يصدر أي تعليق عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حتى اليوم التالي لإعلان ترمب، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشرا على استمرار العقبات السياسية، لا سيما في ظل تراجع الثقة بين الجانبين بعد سنوات من الحرب.
وركزت صحيفة غارديان في تقرير لكبير مراسليها للشؤون الدولية، جوليان بيرغر، على تفاصيل خارطة الطريق التي نشرها " مجلس السلام" المناط به الإشراف على تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي في غزة.
وأوضحت أن الوثيقة تنص على وقف العمليات العسكرية، وإنشاء لجنة دولية للتحقق من التنفيذ، ثم نقل الإدارة المدنية إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وهي هيئة من التكنوقراط الفلسطينيين، تتولى إدارة القطاع بدعم من قوة شرطة فلسطينية مدربة وقوة دولية لتحقيق الاستقرار.
وبموجب الخطة، يجري نزع الأسلحة الثقيلة، وتفكيك مواقع تصنيعها ومستودعاتها، والكشف عن شبكة الأنفاق، بصورة "تدريجية ومتسلسلة ومحددة زمنيا"، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية داخل القطاع.
ونقلت الغارديان عن الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف قوله إن التوصل إلى الاتفاق استغرق "شهورا من المفاوضات الصعبة"، مضيفا أن "ما ينص عليه الاتفاق مهم، لكن ما سيحدث بعد ذلك أهم. يجب أن يكون التنفيذ والتحقق حقيقيين، وأن يسير الانسحاب بالتوازي مع نزع السلاح".
في المقابل، أوضحت واشنطن بوست أن الخطة لا تزال تترك أسئلة جوهرية بلا إجابة، من بينها طبيعة الإدارة الفلسطينية الجديدة، والدول التي ستشارك في القوة الدولية، وموعد انتشارها، فضلا عن آليات تنفيذ المراحل المختلفة.
وأكدت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية ترى في الاتفاق خطوة نحو تشكيل حكومة فلسطينية جديدة لا تكون حماس جزءا منها، بما يسمح بإعادة إعمار القطاع ويضمن، بحسب رؤية واشنطن، عدم استخدام غزة مجددا قاعدة لشن هجمات على إسرائيل.
أما حركة حماس، فقد أعلنت موافقتها على خارطة الطريق عبر الوسطاء المصريين، لكنها شددت على أن تنفيذها مرهون أولا بالتزام إسرائيل بوقف العمليات العسكرية وإنهاء عدوانها على القطاع الفلسطيني، مع وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الاتفاق.
وأشارت الغارديان إلى أن عضو فريق التفاوض في الحركة، غازي حمد، أكد أن الحركة "لن تتخذ أي إجراء يتعلق بنزع السلاح قبل انسحاب إسرائيل من القطاع"، بينما قال لوكالة الصحافة الفرنسية إن الاتفاق يتضمن نصا واضحا يلزم إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، وأن الحركة لن تنفذ التزاماتها إذا لم تنفذ إسرائيل التزاماتها المقابلة.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن حركة حماس اعتبرت التخلي عن أسلحتها الثقيلة مشروطا أيضا بانسحاب إسرائيل من غزة، وبقيام دولة فلسطينية مستقلة، ما يعكس استمرار الفجوة بين مواقف الطرفين رغم قبولهما المبدئي بخريطة الطريق.
ويتمثل الخلاف الأساسي، وفق ما أوردته واشنطن بوست، في ترتيب الخطوات، فإسرائيل تصر منذ فترة طويلة على نزع السلاح الكامل أولا، بينما تتمسك حماس بضرورة الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية قبل أي خطوة تتعلق بالسلاح.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن إسرائيل لا تزال تطالب "بالنزع الكامل لسلاح حماس، وإخراج الأسلحة من غزة، ونزع الطابع العسكري عن القطاع بالكامل باعتباره شرطا مسبقا لأي عملية"، وهو موقف اعتبرته الخطة الجديدة تجاوزا جزئيا عبر اعتماد مبدأ التنفيذ المتزامن.
وأبرزت فايننشال تايمز، من جانبها، حجم الضغوط الداخلية التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي، إذ دعاه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى رفض المبادرة، واصفا إياها بأنها "غير مقبولة".
وكرر بن غفير موقفه بأن الحل الوحيد يتمثل في "تشجيع الهجرة وتدمير حماس"، معتبرا أن أي تفاهم مع الحركة يمثل خطأ إستراتيجيا.
وامتدت الانتقادات إلى أطراف أخرى داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، إذ اعتبر زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان -وفق فايننشال تايمز- أن أي اتفاق مع حماس يمثل عودة إلى السياسات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب إسرائيل، بينما رأى رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت أن المبادرة تكشف الفجوة بين وعود نتنياهو والواقع، وتعكس ضعفه السياسي قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل.
الغارديان: اللجنة الوطنية لإدارة غزة لا تزال ممنوعة من دخول القطاع، كما لم يبدأ بعد تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية الجديدة، وهو ما يجعل تنفيذ الخطة على الأرض أكثر تعقيدا
وأشارت واشنطن بوست، بدورها، إلى أن الحسابات الانتخابية قد تدفع نتنياهو إلى تجنب أي خطوة قد تُفسر داخليا على أنها تنازل لحماس، بينما قال مسؤول أمريكي إن تنفيذ الخطة قد يستغرق ما بين 200 و350 يوما، مع التركيز على استكمال المراحل العملية أكثر من الالتزام بمواعيد زمنية جامدة.
ورغم الإعلان عن القوة الدولية لتحقيق الاستقرار، لا تزال هناك تحديات كبيرة أمام تشكيلها، فبحسب واشنطن بوست، كانت عدة دول قد علقت تعهداتها السابقة بالمشاركة، قبل أن تؤكد الإدارة الأمريكية أنها حصلت حاليا على التزامات بأكثر من 5 آلاف جندي من دول مختلفة، دون الكشف عن أسمائها.
من جهتها، لفتت الغارديان إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لا تزال ممنوعة من دخول القطاع، كما لم يبدأ بعد تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية الجديدة، وهو ما يجعل تنفيذ الخطة على الأرض أكثر تعقيدا.
ورأى عدد من المحللين أن موافقة حماس تعكس تغيرا في الظروف المحيطة بها أكثر من كونها تحولا جذريا في مواقفها. ونقلت الغارديان عن الباحث محمد شحادة أن الحركة أصبحت أكثر استعدادا للتخلي عن عبء إدارة غزة في ظل الضغوط الشعبية والاقتصادية، وخيبة الأمل من عدم ربط إيران اتفاقها مع الولايات المتحدة بوقف الحرب في القطاع، إضافة إلى خشيتها من استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية بكامل قوتها.
أما فايننشال تايمز، فنقلت عن أمجد العراقي، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن الحركة ربما تسعى إلى كسب الوقت وإلقاء عبء تعطيل الاتفاق على إسرائيل أمام الإدارة الأمريكية، مستبعدا أن تتخلى بسهولة عن البعد المسلح الذي يشكل جزءا من هويتها السياسية.
وفي الوقت نفسه، استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل غزة، إذ أعلنت إسرائيل مقتل مسؤولين في منظومة الإمداد التابعة لحماس، بينما أشارت تقارير صحفية إلى سقوط مزيد من الضحايا الفلسطينيين بعد غارات أعقبت إعلان المبادرة، في مؤشر على أن الوقائع الميدانية لم تتغير حتى الآن.
وفي خضم هذه التطورات، لا تزال الأزمة الإنسانية في القطاع تلقي بثقلها على المشهد. فقد ذكرت واشنطن بوست، نقلا عن برنامج الأغذية العالمي، أن أوضاع المدنيين في غزة ما زالت "قاسية"، مع استمرار النقص في المياه والأدوية والخدمات الأساسية، وهو ما يزيد الضغوط الدولية للتوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ.
وبينما ترى الإدارة الأمريكية أن موافقة حماس على خارطة الطريق تمثل فرصة غير مسبوقة لتحريك الجمود السياسي، فإن صمت الحكومة الإسرائيلية، واستمرار الخلاف حول ترتيب تنفيذ الالتزامات، يجعلان الاتفاق المعلن أقرب إلى بداية مرحلة تفاوض جديدة منه إلى تسوية نهائية، في انتظار ما إذا كانت الضغوط الأمريكية ستنجح في تحويل هذا الإعلان إلى واقع على الأرض.
على أن تطبيق خارطة الطريق في أرض الواقع يتوقف، في نهاية المطاف، على مدى قدرة الأطراف الدولية على تجسير الفجوة بين مطالب إسرائيل وحركة حماس، وإلزام الأطراف بالتنفيذ المتزامن لمعالجة الوضع الإنساني والأمني في غزة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة