آخر الأخبار

هذه هي الاحتمالات الثلاثة لمصير اتفاق غزة

شارك

في تطور لافت للمفاوضات بشأن سلاح المقاومة في قطاع غزة والتي جرت في مدينة العلَمَين المصرية، فإنه يتم الحديث حاليا عن "مسودة اتفاق"- يسميه البعض "خريطة طريق" لترجمة خطة الرئيس دونالد ترمب ذات النقاط العشرين، والتي ستتحول بعيد صدورها، إلى قرار عن مجلس الأمن الدولي يحمل الرقم (2803)- رحب به الوسطاء، واحتفى به ترمب بوصفه "اتفاقا تاريخيا"، وقبلته فصائل المقاومة، مشفوعا بقراءتها الخاصة، التي تستبطن كثيرا من الشك في نوايا تل أبيب، وخشية واجبة من مغبة المراوغة والمناورة، والنكوص والانتكاس، وتلكم معالم بارزة في مسيرة التفاوض الفلسطيني، المديدة والمريرة، مع عدو لطالما تعامل مع الاتفاقات والمعاهدات، بوصفها فواصل زمنية قصيرة، بين حربين.

هو "اتفاق الضرورة"، كما نسميه نحن، حيث لا نحتفي بكثير من بنوده وتفاصيله، وإن كنا نتجرعها، من منطلقات ثلاثة:


* أن "الأولوية" هي لوقف حرب الإبادة والتطهير التي تكاد تكمل عامها الثالث.
* رفع المعاناة الإنسانية اليومية عن 2.3 مليون فلسطيني في القطاع لطالما تعرضوا للترويع والتجويع ونقص الماء والدواء.
* ولأنه، حال نفاذه، يقطع الطريق على الأهداف الإسرائيلية السوداء في إدامة الاحتلال وعودة الاستيطان، وفرض التهجير.

على أننا ونحن نتابع نبض الناس المكلومين والمنكوبين في القطاع، على بث الفضائيات مباشرة، نشاطر أهل غزة، رجالها ونساءها، شيوخها وأطفالها، توقهم الشديد لفسحة من أمل وفرج، كأن تضع الحرب أوزارها، على الأرض لا على الورق فحسب.

كما أننا نشاطرهم التحسب والتحوط من قادمات الأيام، وما قد تأتي به من سعار إسرائيلي معتاد، لتسعير الاعتداءات وعمليات التقتيل والتدمير، نشاطرهم قلقهم المفهوم والمبرر، من سلوك معادٍ، اعتاد المراوغة والتملص من تنفيذ التعهدات والوفاء بالالتزامات.

إسرائيل الرسمية ما زالت تلوذ بصمت القبور حيال ما أعلن في واشنطن وعواصم الوساطة. يمينها الأشد تطرفا يرفع عقيرته بالرفض والتهديد والوعيد، ورئيس حكومتها يبتلع لسانه على غير عادته، فيما جيشها الأكثر انحطاطا، وليس الأكثر أخلاقية، في التاريخ، ما زال يقتل ويدمر ويوسع حدود خطوطه الصفراء والبرتقالية.

صحيح أن نتنياهو، يدرك أكثر من أي وقت مضى، أن "الحبل الأمريكي الممدود له بات قصيرا"، بيد أنه لم يرفع راية بيضاء بعد، ولن يسلم بالاتفاق الجديد كما ورد نصا

مربط الفرس

إعلان

القول الفصل في تقرير وجهة الموقف الإسرائيلي سيخرج عن لسان واحد أوحد، الرئيس ترمب، فهو رئيس مجلس السلام، وهو صاحب المبادرة، وهو الأكثر احتفاء بها وتهليلا لها. وحده بمقدوره أن يلقي عصاه على صخرة التعنت الإسرائيلي فيشقها إلى شطرين، هنا مربط الفرس، فهل سيفعلها ترمب، ويلقي بثقله خلف "مبادرته"؟ أم إن جماعات الضغط و"اللوبيات" المعروفة، سيكون لها رأي آخر، قد يمنعه عن المضي حتى نهاية الشوط، ووأد الاتفاق في مهده؟

نتنياهو، مثلنا، وربما أكثر منا، يدرك حاجة ترمب لإنجاز هنا ونجاح هناك، يخفف عنه وطأة "إحباطه" على جبهة المضيق وإيران وحروب الطاقة والملاحة. نتنياهو التزم "آداب الضيافة" في زيارته الأخيرة لواشنطن، وفي البيت الأبيض الذي دخله من باب خلفي، لم يجرؤ على طرح "خطة لكسب الحرب على زعيمة معسكر الشر".

هذه المرة لن يستمع إليه أحد، لقد استمعوا له من قبل، ورأوا كيف كانت النتيجة. هو يكتفي بالإيماءة والتلميح، ويسعد لأن ترمب لم يمارس عليه مزيدا من الضغوط على جبهات غزة ولبنان وسوريا، لكنه يعرف في قرارة نفسه، أنه تلقى ما يكفي من الضغوط لكبح شهيته المفتوحة للحرب على إيران، وأن أي ضغوط أخرى، على جبهات أخرى، ستكون فوق طاقة الرجل على الاحتمال والبقاء، فهل تسللت إليه قناعة بأنه بات حملا ثقيلا على سيد البيت الأبيض، وأن ترمب قد يكون ينتظر بفارغ الصبر، لحظة إنزال هذا الحمل عن كاهله، وعند أول انتخابات قادمة؟

صحيح أن نتنياهو، يدرك أكثر من أي وقت مضى، أن "الحبل الأمريكي الممدود له بات قصيرا"، بيد أنه لم يرفع راية بيضاء بعد، ولن يسلم بالاتفاق الجديد كما ورد نصا. لن يقول "لا" استفزازية لترمب، فتزيد غضبه وإحباطه منه، زيادة على ما يختزن من غضب وإحباط، ولكنه لن يقول "نعم" صريحة كذلك.

سيستلهم مواقف أسلافه من قادة الليكود في حكومات سابقة، زمن أرييل شارون، فيقبل بـ"خريطة الطرق" مفخخة بعدد من الملاحظات والتحفظات، التي ستزيد -ربما- عن بنودها الأربعة عشر، وتكفي كل واحدة منها، لنسف الاتفاق تماما.

سيلجأ إلى تفسير كل بند من هذه البنود، بالطريقة التي تخدم أهداف حرب التطهير والإبادة والتهجير، سيضع السلاح في مقدمة أولويات خريطة الطريق، ونقطة البدء بتنفيذها، وسيحيل حياة من سيقومون بالمراقبة والتحقق من حسن تنفيذ الالتزامات، جحيما لا يطاق، وسيعطل حتى الرمق الأخير، فكرة الانسحاب، حتى وإن جاء تدريجيا، ومحكوما بقاعدة "خطوة مقابل خطوة"، ذلكم هو نتنياهو، وذلك هو اليمين المتطرف في إسرائيل، ولدينا من التجارب مع هذا الكيان، ما يكفي لكيلا نلدغ من الجحر ذاته، مرات ومرات.

ما سيتحفظ نتنياهو عن قوله في العلن خشية انفراط عقده مع إدارة ترمب، سيقوله بالممارسات على الأرض، أما الحجج والذرائع، فدائما هناك الكثير منها "غب الطلب" على حد تعبير إخوتنا اللبنانيين

بين اتفاقين

احتاج تنفيذ اتفاق أكتوبر/تشرين الأول الماضي عشرة أشهر من "الحرب الخفيضة" ولكن المدمرة للبشر والشجر والحجر في قطاع غزة، دفع خلالها الفلسطينيون من أهل القطاع، أكثر من 1220 شهيدا و3380 جريحا، وتوسع الاحتلال بقضم 17% من هذا الشريط الضيق، المحتشد بسكانه، ولم يسمح خلالها الإسرائيليون بدخول سوى ثلث أو أقل قليلا، من المساعدات المقررة، والمتفق عليها إلى القطاع، فيما جهود التعافي والإيواء وإعادة الإعمار، ما زالت تراوح في النقطة صفر، ومستشفيات القطاع تشكو نقصا فادحا في الدواء والتجهيزات، والماء شحيح والغذاء نادر والأمراض تتفشى في القطاع وتفتك بأهله.

إعلان

ما سيتحفظ نتنياهو عن قوله في العلن خشية انفراط عقده مع إدارة ترمب، سيقوله بالممارسات على الأرض، أما الحجج والذرائع، فدائما هناك الكثير منها "غب الطلب" على حد تعبير إخوتنا اللبنانيين.

ولعل وعي أهل غزة لهذه الحقيقة المرة، التي تعلموها بأصعب الطرق، هو ما يفسر فرحتهم المشوبة بالقلق والتحفظ، ولعله أيضا يفسر التحوط والاحتراز الذي يحيط بمواقف الفصائل الفلسطينية وتوضيحات حماس وشروحاتها للاتفاق الجديد.

هل سيجد الاتفاق هذه المرة، طريقا سالكا وآمنا نحو التنفيذ، وفي الاتجاهين معا؟

في ظني أن الطرف الفلسطيني في هذا الاتفاق، يبدو مخلصا له، وهو ما كان ليتجرع كأس السم قبل توقيعه، لولا شعوره العميق بحجم الألم والمعاناة التي تكابدها بيئته الاجتماعية الحاضنة، وهو ما كان ليقبل بالمر إلا لتفادي الأمرّ منه.

فمخطط التصفية المعد للقضية الفلسطينية، بأهدافه المعلنة، التي لم يعد أحد في إسرائيل يجهد لإخفائها أو التمويه عليها، يملي بحثا مستميتا عن "لحظة لالتقاط الأنفاس"، بعد حرب غير متكافئة، وغير مسبوقة في التاريخ، انجلت عن أبشع صفحات التخلي والخذلان والتواطؤ من بني جلدتهم في الوطن والقومية والدين.

ولكن ماذا عن الطرف الآخر في الاتفاق، الذي لم يقل كلمته بعد؟ إسرائيل، التي يداهمها استحقاق السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول القادم، هل سيسمح نتنياهو وحزبه وائتلافه وحكومته، بتقديم "الهدايا المجانية" لمعسكر الخصوم المتربص؟ وفي توقيت تتأرجح فيه كفة نتنياهو والائتلاف، بين السقوط والسقوط المدوي في انتخابات لم يعد يفصلنا عنها سوى شهرين أو أزيد قليلا؟

بعد الانتخابات، ستكون إسرائيل بحاجة لبضعة أشهر لتشكيل حكومة جديدة، يتولى خلالها نتنياهو وحكومته مهام "تصريف الأعمال"، مع حجة وذريعة صلبة: حكومة انتقالية لا تستطيع اتخاذ قرارات حاسمة كبيرة؟

لعل وعي أهل غزة لهذه الحقيقة المرة، التي تعلموها بأصعب الطرق، هو ما يفسر فرحتهم المشوبة بالقلق والتحفظ، ولعله أيضا يفسر التحوط والاحتراز الذي يحيط بمواقف الفصائل الفلسطينية وتوضيحات حماس وشروحاتها للاتفاق الجديد

وفي ضوء توازن دقيق للقوى الداخلية، قد تعجز معه كتلة المعارضة، المرجح فوزها بعدد أكبر من المقاعد في الكنسيت الـ25، لكنه من غير المرجح أن يكون كافيا لتشكيل حكومة جديدة، أو حكومة مستقرة، وقد تعود إسرائيل للدخول في دوامة "الانتخابات المبكرة"، وهي التي أجرت عددا قياسيا منها في غضون سنوات قلائل مضت.

يعني ذلك من ضمن ما يعني، أن إسرائيل غير الراغبة في تنفيذ اتفاق من هذا النوع، لا الحكومة الحالية، ولا المعارضة الحالية بالمناسبة، قد تجد نفسها غير قادرة على فعل ذلك. غياب الرغبة والقدرة معا، يضعان علامة استفهام كبرى في طريق ترجمة الاتفاق، دع عنك ما قد يستجد من تطورات على ساحة الأزمات المفتوحة وحرب أمريكا على إيران، والصراع المحتدم على البحار والمضائق والممرات البحرية.

لا يعني ذلك إطلاقا، أن الاتفاق ولد ميتا بالضرورة، وأن طرق ترجمته قد باتت مسدودة تماما، حتى قبل أن تفتح بعد، لكنها مقاربة واقعية- عقلانية، يراد بها التحذير من رفع سقف التوقعات، والإمعان في بث الوهم والتبشير بقطف الثمر قبل أوانه.

ثلاثة سيناريوهات

تبقينا قراءة الاتفاق والظروف التي لابسته وأحاطت به، مع سيناريوهات ثلاثة للمستقبل القريب:


* أولها؛ وهو الأكثر مواءمة للفلسطينيين والأقل انسجاما مع رغبات الإسرائيليين، ويتمثل في نقل الاتفاق إلى حيز التنفيذ، كأن تضع إدارة ترمب ثقلا كافيا خلف الاتفاق، والحث على تنفيذه، والحض على إزالة العراقيل في طريقه، ترمب لديه مصلحة في تحقيق منجز على هذا المسار، فهل يبذل ما يكفي من الجهد والضغط، من أجل الحصول عليه؟
إعلان

وفيما يخص الوسطاء، ومن خلفهم "مجموعة الثماني" التي كانت "القابلة القانونية" التي استخرجت القرار (2803) من رحم مبادرة النقاط العشرين، ومن خلفهم مجلس سلام عالمي، قال ترمب في وصفه بأنه الأهم والأرفع مستوى في التاريخ، هل لدى كل هؤلاء جميعا، القدرة على فرض احترام الاتفاق ونقله إلى حيز التنفيذ؟

أحسب أن فرص سيناريو كهذا موجودة، ولكنها ليست مرتفعة.


* ثانيها؛ أن تعمل تل أبيب، على الإطاحة بالاتفاق من داخله، بـ"الموت البطيء"، وتفريغه من مضمونه، وتفخيخه بالتحفظات وإجراءات التحقق، والمماطلة والتسويف في تنفيذ كل بند من بنوده، أو تنفيذه بالحد الأدنى، تماما مثلما فعلت في الاتفاق السابق قبل عشرة أشهر، عندها سيظل حال غزة على حاله، مع تقدم طفيف هنا، وانفراجه محدودة هناك، دون أن يغير ذلك في جوهر المشهد.

وأحسب أن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالا.

ثالثها؛ سيناريو الانفجار والعودة إلى حرب واسعة، على قاعدة أن ليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه سوى جوعهم وعطشهم، وربما بما يشبع شهية القتل والتدمير عند الطرف الآخر، وارتباطا بما قد يطرأ من تطورات وتحولات في الإقليم، تغري بفكرة الحسم على جبهات عدة… هذا سيناريو سيئ للغاية، ولكنه قد لا يصبح الأكثر سوءا، إن استمر حال غزة كما هو.

وفي ظني أن فرص هذا السيناريو أقل من فرص سابقَيْه لأسباب عديدة، لا يتسع المقام ولا المقال، للغوص فيها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا