في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في وقت كانت فيه بريطانيا تنظر إلى موجات الحر المتلاحقة بوصفها ظاهرة موسمية عابرة، بدأت المؤشرات الرسمية ترسم صورة أكثر قتامة، إذ تحذر الحكومة وخبراء البيئة من أن البلاد قد تواجه خلال السنوات المقبلة أزمة مائية غير مسبوقة، تمتد آثارها إلى الاقتصاد والخدمات الأساسية وحتى الأمن المجتمعي، في وقت كشفت فيه حرائق الغابات المتزايدة هشاشة البنية التحتية أمام التغيرات المناخية المتسارعة.
وتجمع تقارير نشرتها صحيفة "آي بيبر" مع تغطية لصحيفة "تايمز" على أن ما يحدث هذا الصيف قد يكون مجرد مقدمة لمرحلة أكثر صعوبة إذا استمرت موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وذكرت محررة الشؤون السياسية في صحيفة "آي بيبر" جين ميريك أن أحدث نسخة من "السجل الوطني للمخاطر" البريطاني -الذي حدثته الحكومة هذا الشهر- تتضمن سيناريو يُعد الأسوأ إن تعرضت البلاد لـ3 سنوات متتالية من الجفاف الشديد.
وتضيف الصحيفة أن تداعيات هذا السيناريو لا تقتصر على المنازل، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، إذ تتوقع الحكومة خسائر كبيرة في قطاعات الصناعة والزراعة والأعمال، فضلا عن تضرر البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات وشبكات النقل والطاقة والاتصالات وخدمات الطوارئ.
كما يلفت التقرير إلى أن مراكز البيانات الحديثة، التي تعتمد بصورة كبيرة على الكهرباء والمياه لتبريد أجهزتها، ستكون من أكثر المنشآت تعرضا للخطر إن استمر نقص المياه.
وتشير محررة الشؤون السياسية جين ميريك إلى أن بريطانيا تواجه بالفعل عاما ثانيا على التوالي من الجفاف، بينما أصبحت نصف مناطق إنجلترا مصنفة رسميا ضمن المناطق المتضررة من هذه الظاهرة، الأمر الذي يجعل احتمال دخول البلاد عاما ثالثا من الجفاف أمرا غير مستبعد.
فقد مر على بعض المناطق أكثر من شهر كامل من دون أمطار، بالتزامن مع تعرض البلاد للموجة الرابعة من الحر هذا الصيف، وهو ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة في سوفولك ومناطق أخرى.
وفي هذا السياق، ركزت صحيفة "آي بيبر" في تقرير آخر للكاتب كاهال ميلمو على الحريق الضخم الذي اندلع في منطقة دونويتش هيث بمقاطعة سوفولك، على بعد 3 أميال فقط من محطة سيزويل النووية، وهو أحد أكبر الحرائق التي شهدتها المقاطعة في تاريخها.
وأكدت السلطات، وفقا لميلمو، أن الحريق ظل تحت المراقبة المستمرة، وأنه لا يشكل سوى خطر منخفض على المحطة النووية، إلا أن قربه منها أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة البنية التحتية الحيوية على الصمود أمام الكوارث المناخية المتكررة.
خبراء الحفاظ على البيئة:
الأضرار التي لحقت بالمناطق الطبيعية في سوفولك قد تحتاج إلى أكثر من 10 سنوات حتى تتعافى بالكامل، بعدما دمرت النيران موائل لأنواع نادرة من الطيور والنباتات، وهو ما يمثل خسارة بيئية كبيرة بعد سنوات طويلة من جهود الحماية وإعادة التأهيل.
وبحسب تقرير الصحيفة، أجبر الحريق السلطات على إجلاء عشرات السكان والسياح من المتنزهات ومواقع الإقامة القريبة، فيما شارك أكثر من 100 رجل إطفاء وعشرات المركبات في عمليات المكافحة التي استمرت أياما. كما أُعيد التيار الكهربائي تدريجيا إلى معظم المنازل التي انقطعت عنها الخدمة، في حين أكد مسؤولو الإطفاء أن تغير اتجاه الرياح يجعل السيطرة على مثل هذه الحرائق أكثر صعوبة وخطورة.
وتوضح صحيفة "آي بيبر" أن تزايد الحرائق لم يعد حادثا استثنائيا، إذ استجاب رجال الإطفاء في إنجلترا وويلز منذ بداية العام لمئات الحرائق البرية، بينما أصبح شهر يوليو/تموز الجاري الأكثر ازدحاما على الإطلاق بهذا النوع من الحرائق.
وتشير بيانات المرونة الوطنية إلى أن عدد الحرائق المسجلة خلال عام 2026 يعادل بالفعل إجمالي ما شهدته بعض الأعوام السابقة مجتمعة، وهو ما يعكس تسارع تأثيرات التغير المناخي على البيئة البريطانية.
كما ينقل التقرير عن خبراء الحفاظ على البيئة أن الأضرار التي لحقت بالمناطق الطبيعية في سوفولك قد تحتاج إلى أكثر من 10 سنوات حتى تتعافى بالكامل، بعدما دمرت النيران موائل لأنواع نادرة من الطيور والنباتات، وهو ما يمثل خسارة بيئية كبيرة بعد سنوات طويلة من جهود الحماية وإعادة التأهيل.
ومن جانبها، سلطت صحيفة "تايمز" الضوء على الجانب الإنساني للأزمة، من خلال متابعة قصص العائلات التي اضطرت إلى إخلاء أماكن إقامتها بسبب الحريق.
وروت الصحيفة قصة أسرة بريطانية كانت قد غادرت جنوب فرنسا هربا من حرائق الغابات هناك، لتجد نفسها بعد أيام قليلة مضطرة إلى إخلاء مكان عطلتها في سوفولك بسبب حريق جديد.
كما نقلت شهادات لسكان وسياح أكدوا أنهم لم يتخيلوا يوما أن تصبح حرائق الغابات جزءا من الحياة الصيفية في إنجلترا، بعدما كانت ترتبط تقليديا بدول جنوب أوروبا.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات وكالة الأمن الصحي البريطانية، التي أوردتها صحيفة "آي بيبر"، إلى أن موجات الحر هذا العام تسببت بالفعل في آلاف الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، وهو رقم يفوق بكثير ما سُجل خلال العام الماضي، بينما حذر مسؤولون صحيون من أن تغير المناخ بات يمثل حالة طوارئ صحية تتطلب استثمارات عاجلة في المستشفيات ودور الرعاية لتصبح أكثر قدرة على التعامل مع الحرارة الشديدة.
وتضيف الصحيفة أن وكالة البيئة البريطانية تتوقع، إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة، أن تواجه إنجلترا بحلول عام 2055 عجزا يوميا في المياه يصل إلى 5 مليارات لتر، نتيجة تداخل آثار تغير المناخ مع النمو السكاني وارتفاع الطلب على المياه، وهو ما قد يفرض ضغوطا غير مسبوقة على إنتاج الغذاء والطاقة والخدمات العامة.
وتخلص مجمل التقارير إلى أن أزمة المناخ في بريطانيا لم تعد مجرد قضية بيئية، بل تحولت إلى تحد إستراتيجي يمس الأمن القومي والاقتصاد والصحة العامة. فبين احتمالات تقنين المياه، وتصاعد حرائق الغابات، وتهديد البنية التحتية الحيوية، تبدو البلاد أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع واقع مناخي جديد، يرجح الخبراء أنه سيصبح أكثر قسوة في السنوات المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة