آخر الأخبار

زوطر الغربية.. عودة إلى بيوت وذكريات مدمرة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

جنوب لبنان- في حارة العباسية ببلدة زوطر الغربية بقضاء النبطية جنوبي لبنان، لم يجد عباس بيته كما تركه قبل الحرب، الباب الذي كان يفتح على مساحة خاصة بالعائلة، صار مدخلا إلى مكان يحمل آثار وجود عسكري إسرائيلي دام أسابيع. والجدران التي كانت تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، تحولت إلى شواهد على إقامة جنود اتخذوا من المنزل موقعا لهم.

داخل غرفة الجلوس، حيث كانت تجتمع العائلة، بقيت آثار الجنود واضحة، فرشٌ على الأرض للنوم، أريكة وُضعت قرب المدخل، مروحة استخدمت خلال فترة وجودهم، وأغراض تركت خلفها لتروي كيف فقد المنزل وظيفته وتحول إلى ثكنة مؤقتة.

مصدر الصورة الدمار يطغى على المشهد العام في بلدة زوطر الغربية بعد الحرب (الجزيرة)

بين الخزائن المفتوحة وبقايا الأثاث المبعثر، وجد عباس أكياس طعام ومواد تحمل كتابات بالعبرية، إلى جانب رسائل وأغراض شخصية تركها الجنود وراءهم.

أما بقية الغرف، فلم تسلم من التخريب؛ فالجدران محطمة، وأجزاء منها مكشوفة، وآثار حريق جعلت المكان أقرب إلى موقع مهجور منه إلى منزل كان يحتضن حياة كاملة.

لم يكن الدمار مقتصرا على الجدران، حتى التفاصيل الصغيرة التي تصنع ذاكرة البيت اختفت تحت آثار العبث والتخريب. الحمامات، والغرف الداخلية، والمرافق الأساسية تعرضت للأضرار، فيما بقيت العائلة تنتظر الكشف النهائي لتعرف إن كان المنزل قابلا للترميم أم أن عليها البدء من الصفر.

مصدر الصورة آثار جنود الاحتلال الإسرائيلي داخل منزل في زوطر الغربية استخدموه للإقامة والنوم (الجزيرة)

انتصار على الغياب

عاد عباس إلى البلدة قبل أيام قليلة فقط لكنه لم يعد إلى حياة مكتملة، فلا كهرباء ولا مياه ولا مقومات أساسية للعيش. يحمل السكان ما يحتاجونه من خارج البلدة، ويحاولون استعادة تفاصيل يومية انقطعت بفعل الحرب.

ورغم كل ذلك، يرى عباس في العودة انتصارا على الغياب، "هواء البلدة ورائحتها لا يعوضهما شيء"، يقول للجزيرة نت وهو يتحدث عن لحظة العودة إلى المكان الذي ينتمي إليه، مؤكدا أن الأهالي يريدون إعادة بناء منازلهم والتمسك بأرضهم، حتى لو كانت البداية بين الركام.

مصدر الصورة رسائل باللغة العبرية تركها الجيش الإسرائيلي في منزل عباس (الجزيرة)

محكومون بالخوف

لكن العودة إلى زوطر الغربية لا تزال محكومة بالخوف، فمن شرفة منزله، يستطيع عباس رؤية تحركات الجيش الإسرائيلي في الجهة المقابلة حيث زوطر الشرقية ويرصد الدبابات المنتشرة على مسافة قريبة بالعين المجردة، ويشير إلى أن الجنود وضعوا شباكا على شرفات المنازل التي تمركزوا فيها، خشية استهدافهم بالطائرات المسيّرة.

إعلان

فزوطر الغربية وزوطر الشرقية ليستا مجرد بلدتين متجاورتين على الخريطة؛ هما نسيج اجتماعي واحد، تتداخل فيه البيوت والأراضي الزراعية والعلاقات العائلية. لذلك يبقى استمرار الوجود العسكري في إحدى البلدتين مصدر قلق دائم لسكان الأخرى.

ورغم المخاوف، يرحب الأهالي بانتشار الجيش اللبناني في البلدة، معتبرين أن وجوده يشكل خطوة أساسية نحو استعادة الاستقرار، فيما تنتظر العائلات أن تتحول العودة المؤقتة إلى عودة دائمة، وأن تبدأ مرحلة إزالة آثار الحرب وإعادة الإعمار.

مصدر الصورة أبو حسين يقف فوق أنقاض منزله الذي سُوّي بالأرض في زوطر الغربية (الجزيرة)

عودة مؤلمة

وقصة عباس ليست استثناء في زوطر الغربية، فخلف الأبواب التي فُتحت بعد الانسحاب الإسرائيلي، تختبئ حكايات أخرى لسكان عادوا ليجدوا منازلهم وأراضيهم وقد فقدت ملامحها.

وسط أكوام الركام التي غطت ما كان حيا سكنيا نابضا بالحياة، يقف أبو حسين أمام المكان الذي شهد سنوات عمره، لا يرى في الخراب نهاية للحكاية بل بداية جديدة فوق أنقاض ما تهدم.

يقول للجزيرة نت: "إن من دمروا البيوت ظنوا أنهم سيتمكنون من اقتلاع الأهالي من أرضهم لكن النتيجة جاءت مختلفة". فالدمار، كما يرى، لم يضعف ارتباطهم بالمكان، بل زاد تمسكهم به؛ هنا ولد، وهنا عاش، وهنا ربّى أبناءه، وهنا يريد أن يبقى مهما كانت قسوة المشهد.

مصدر الصورة دمار في المنازل والمزارع ببلدة زوطر الغربية بسبب القصف الإسرائيلي (الجزيرة)

كانت لحظة العودة الأولى ثقيلة عليه، اختلطت الصدمة بالحزن وهو يرى تعب سنوات طويلة وقد تحول إلى حجارة متناثرة، لكنه سرعان ما عاد إلى عبارته التي يكررها كثير من العائدين: "الحمد لله على كل شيء".

خمسة أشهر من النزوح عاشها أبو حسين كأنه خارج الحياة، أما العودة إلى زوطر الغربية، حتى وسط الخراب، فأعادت إليه إحساس الانتماء الذي لم يمنحه أي مكان آخر.

لا يفكر أبو حسين في إعادة بناء منزله فقط، بل في استعادة وجوده على أرضه. وإذا تعذر تشييد البيت قريبا، فهو مستعد لوضع خيمة فوق الركام، لأن الرحيل بالنسبة إليه ليس خيارا.

وبين الحجارة المتناثرة، لا يبحث عن بقايا منزل فحسب، بل عن آثار حياة كاملة؛ صور أطفاله، وذكريات العائلة، وأشياء صغيرة تختزن سنوات طويلة، فالبيت يمكن أن يُبنى من جديد، أما ما تحمله الذاكرة فلا يمكن تعويضه.

من زوطر الغربية يمتد المشهد باتجاه زوطر الشرقية المقابلة (الجزيرة)

العودة إلى الصفر

وعلى مقربة من الركام، يقف كمال عزالدين أمام ما تبقى من سنوات عمره وحياته، ستة وسبعون عاما قضاها في البناء والزراعة ورعاية الأرض برفقة أبنائه، قبل أن تختصر الحرب كل ذلك في مشهد واحد من الدمار.

يتأمل أرضه التي فقدت أشجارها، ويشير إلى الزيتون والصنوبر والكينا والتين والسنديان التي اقتُلعت من جذورها، قائلا إن الحرب لم تهدم المنزل فقط بل ضربت مصدر رزقه وذاكرته المرتبطة بالأرض.

يقول إن أربعة منازل للعائلة دُمرت بالكامل، منزله وثلاثة منازل لأبنائه، وإنهم عادوا ليجدوا أنفسهم أمام بداية جديدة من الصفر، بلا مأوى ولا قدرة على تحمل تكاليف الحياة.

ورغم حجم الخسارة، يتمسك عزالدين بالأمل، ويناشد الدولة الإسراع في تقديم المساعدة للعائلات التي عادت ولم تجد مكانا يؤويها. فالكثيرون، كما يقول، يحتاجون اليوم إلى أبسط مقومات الحياة، ومكان يحميهم.

وحدات الجيش اللبناني تعمل على فتح الطرقات داخل البلدة (الجزيرة)

ما بعد الانسحاب

في زوطر الغربية، لا تزال آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، فبعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من أطراف البلدة، دخل الجيش اللبناني إليها ضمن المرحلة التجريبية من الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل وبدأت وحداته الانتشار في الشوارع، فيما باشرت فرق الهندسة مسح الطرق والمنازل بحثا عن ذخائر غير منفجرة ومخلفات عسكرية تهدد سلامة السكان.

إعلان

وخلال جولة للجزيرة نت في البلدة، تبدو مشاهد الدمار هي العلامة الأبرز؛ منازل سُويت بالأرض، وأخرى تضررت جزئيا، وطرق جُرفت بفعل العمليات العسكرية.

لكن عودة الأهالي لا تزال تصطدم بتحديات كبيرة، فغياب الخدمات الأساسية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة الشرقية المتاخمة، إضافة إلى تداخل الأراضي بين زوطر الغربية والشرقية تجعل الاستقرار الكامل مؤجلا.

في هذه البلدة، لم تكن العودة مجرد فتح أبواب المنازل بعد الغياب بل محاولة لاستعادة حياة توقفت خلف جدران محترقة، وانتظار أن يتحول الهدوء الهش إلى أمان يسمح للناس بأن يعيدوا بناء ما تهدم، حجرًا بعد حجر، وذكرى بعد أخرى.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا