آخر الأخبار

سوريا تعود إلى الإقليم.. ولبنان بوابة الدور الجديد

شارك

تبحث دراسة "الدور السوري: حاجة إقليمية واختبار لبناني"، للباحث شفيق شقير، في مركز الجزيرة للدراسات، طبيعة الدور الإقليمي الذي بدأت سوريا تؤديه في مرحلة لم تستكمل فيها بعد عملية بناء الدولة والنظام الجديد، وتنطلق من مفارقة أساسية تتمثل في أن عودة دمشق إلى الإقليم لا تأتي نتيجة استعادتها عناصر قوتها السابقة، وإنما بسبب تزايد حاجة الأطراف الإقليمية والدولية إليها أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا. وتختبر الدراسة إمكانات هذا الدور وحدوده من خلال لبنان، باعتباره الساحة التي تتداخل فيها بدرجة كبيرة المصالح السورية والإقليمية والدولية، وتتجمع فيها في الوقت نفسه مخاطر الدور الجديد وتناقضاته.

وتستدل الدراسة على التحول في موقع سوريا بالحراك السياسي والدبلوماسي الذي شهدته مطلع يوليو/تموز 2026. ففي الثاني من الشهر، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبنان، مؤكدًا أن دمشق لا تريد استعادة علاقة الوصاية السابقة، وإنما بناء علاقة بين دولتين، وإعادة وصل علاقاتها مع شيعة لبنان، والاستعداد لأداء دور في البلاد إذا كان ذلك بطلب لبناني ومن خلال مؤسسات الدولة. وأعقب ذلك زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق يومي 6 و7 يوليو/تموز على رأس وفد اقتصادي، بما أبرز عودة سوريا إلى حسابات إعادة الإعمار والطاقة والممرات الإقليمية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 البنك الأفريقي للتنمية: النينيو قد تكبد أفريقيا خسائر تصل إلى 20 مليار دولار
* list 2 of 2 المشهد الانتخابي في إسرائيل بعد حل الكنيست end of list

وفي الثامن من الشهر، التقى الرئيس أحمد الشرع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، واكتسب اللقاء دلالة إضافية من انعقاده في تركيا، بما أظهر دورها في وصل سوريا الجديدة بالترتيبات الغربية والإقليمية.

وترى الدراسة أن هذه المحطات تكشف انتقال سوريا من مرحلة إسقاط النظام السابق وتثبيت السلطة الجديدة إلى مرحلة أخرى اتسع فيها الاعتراف الإقليمي والدولي بالحكم الجديد، وبدأت دمشق تُستدعى إلى ملفات تتجاوز حدودها، بدءًا من أمن المشرق ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، مرورًا بالممرات الاقتصادية ولبنان، وصولًا إلى التسوية مع إسرائيل. لكن المفارقة أن هذه التوقعات تتزايد بينما لم تستكمل الدولة بناء مؤسساتها، ولم تبسط سلطتها بصورة مستقرة على كامل أراضيها، الأمر الذي يجعل السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سوريا استعادت قوتها السابقة، وإنما ما إذا كانت حاجة الآخرين إليها باتت كافية لمنحها وزنًا إقليميًا قبل اكتمال بنائها الداخلي.

مصدر الصورة الرئيس ترمب (يمين) والرئيس السوري أحمد الشرع (غيتي)

الدولة الجديدة… اكتمال البنية لا يعني اكتمال النظام

تفرق الدراسة بين إنجاز بناء الهياكل الدستورية الأساسية وبين اكتمال النظام الجديد واستقرار الدولة. فقد مثّل تعيين الرئيس أحمد الشرع سبعين عضوًا يشكلون الثلث الأخير من مجلس الشعب، وانضمامهم إلى 137 عضوًا اختارتهم الهيئات الانتخابية، ثم بدء المجلس عمله في يوليو/تموز 2026، تقدمًا مهمًا في استكمال مؤسسات السلطة، لكنه لا يعني أن قواعد الحكم والعلاقة بين السلطات وبيروقراطية الدولة وأجهزتها أصبحت مستقرة.

إعلان

فمؤسسات الدولة، من الوزارات والإدارات المحلية إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية، لا تزال في طور إعادة البناء، بينما تضغط الأزمات المعيشية يوميًا، من نقص الوقود والخدمات الأساسية إلى محدودية الاستثمارات ورؤوس الأموال، مع وجود غالبية السوريين تحت خط الفقر. كما يبقى الوضع الأمني معرضًا لاختبارات متكررة، بما في ذلك داخل دمشق نفسها، وهو ما يعني أن استعادة الدولة مركزها السياسي لا تزال عملية جارية، وأن الطريق إلى جهاز إداري وأمني مستقر ومؤسسي لم يكتمل.

وتتجاوز المشكلة بناء المؤسسات إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية؛ إذ لا تزال الحكومة تواجه تحديات في الجنوب، ولاسيما السويداء، إلى جانب الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

كما لم تستكمل التفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" تثبيتها السياسي والإداري والأمني، في حين يحتفظ تنظيم داعش بخلايا قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى تقدم حققته دمشق من خلال السيطرة على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا، وإغلاق مخيم الهول بعد إجلاء من بقي فيه، ونقل أكثر من 5700 من معتقلي داعش من السجون السورية إلى العراق. غير أن ذلك لا يعني انتهاء ملف داعش وغيره من "التنظيمات الجهادية"، بل سيظل التعامل مع تداعياتها تحديًا طويل الأجل.

وفوق هذه التحديات، تقف أمام الحكم الجديد قضايا موروثة من الحرب والنظام السابق، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية والأزمة الاقتصادية. ومع استقرار مؤسسات السلطة، ستظهر بصورة أكبر أسئلة هوية الدولة، وشكل المشاركة السياسية، وعلاقة المركز بالمكونات المحلية، وحدود التعددية في النظام الجديد.

ولهذا تخلص الدراسة إلى أن تغيير مركز السلطة وإقامة سلطة جديدة قد أُنجزا، لكن بناء النظام البديل واستعادة الدولة لم يكتملا، كما أن العلاقة بين السلطة والمجتمع نفسها لا تزال قيد التشكل.

ومن هنا تطرح الدراسة السؤال عن سبب عدم انتظار القوى الإقليمية والدولية اكتمال هذا البناء قبل التعويل على دمشق، وتجيب بأن بناء الدولة السورية لم يكن تاريخيًا عملية داخلية منفصلة عن موقعها في المشرق ووظيفتها الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن الخارج يعوض ضعف الداخل، وإنما أن الداخل والخارج يتداخلان في إنتاج قدرة الدولة وشرعيتها. وفي الحالة الراهنة تحديدًا، يصعب على سوريا، بعد الحرب التي استنزفت مواردها البشرية والاقتصادية، إعادة بناء مؤسساتها بمواردها الذاتية وحدها، ولذلك يصبح الدور الإقليمي نفسه أحد شروط التعافي، وليس مجرد نتيجة لاحقة له.

وتضيف الدراسة إلى ذلك أن السياسة الخارجية أصبحت موردًا اقتصاديًا أيضًا؛ فالاعتراف السياسي يفتح المجال أمام تخفيف العقوبات، والاستثمارات، وإعادة الإعمار، وتنشيط التجارة والممرات الإقليمية. ومن ثم تصبح عمليتا بناء الدولة وبناء الدور الإقليمي متلازمتين: توسع الدور يحسن فرص بناء الدولة، وتقدم مؤسسات الدولة يزيد قدرتها على تحمل متطلبات الدور وترسيخه. لكن هذه العلاقة تحمل خطرًا معاكسًا؛ فإذا توسعت سوريا خارجيًا قبل تحصين الداخل، فقد تستورد تناقضات الإقليم وأزماته وتتحول مجددًا إلى ساحة لها.

مصدر الصورة لا يزال تنظيم قسد يمثل تحديًا للنظام السوري (الفرنسية)

الحاجة إلى سوريا تصنع دورها الإقليمي

لا تنكر الدراسة أهمية الموقع الجغرافي السوري في تفسير حضور دمشق، لكنها ترى أنه لا يكفي لتفسير سرعة عودتها وزخمها، خصوصًا أن إرث الدور الإقليمي للنظام السابق وشبكة تحالفاته انهارا معه. ولذلك تقترح معيارًا آخر لفهم المرحلة الجديدة، هو مقدار حاجة الفاعلين الآخرين إلى سوريا. فكلما تراجعت قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إدارة مصالحها وملفاتها من دون دمشق، زاد وزن سوريا، حتى قبل استعادتها كامل عناصر قوتها.

إعلان

وتحدد الدراسة أربع وظائف رئيسية تتجسد فيها هذه الحاجة: الأمن وإعادة التوازن الإقليمي، والاقتصاد والممرات والطاقة، والدور السياسي في التسويات، وإدارة التنوع والتشابكات الاجتماعية والطائفية العابرة للحدود. وهذه الوظائف، رغم اختلافها، تتجمع في إعادة إدخال سوريا في عملية تشكيل النظام الإقليمي.

الأمن وإيران… احتواء من دون استنزاف

تضع الدراسة الأمن في مقدمة الوظائف التي تنتظرها الولايات المتحدة من سوريا؛ من احتواء النفوذ الإيراني في المشرق، وقطع طرق السلاح والمقاتلين، وضبط الحدود، ومنع عودة داعش، والمساهمة في معالجة ملف حزب الله. ولا تقف نتائج ذلك عند الجانب الأمني؛ لأن إخراج سوريا من شبكة النفوذ الإيراني يغير التوازنات في لبنان والعراق والمشرق، ويجعل دمشق طرفًا في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

وتلتقي هذه الوظيفة مع أولويات الولايات المتحدة وحلفائها والحكم السوري ومعظم دول المنطقة، لكنها تنطوي على خطر استنزاف سوريا إذا تحولت إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران وحلفائها، خصوصًا في لبنان والعراق، فضلًا عن احتمال أن تجد القوى المناوئة للحكم السوري الجديد دعمًا لدى شبكات إيران الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، لا ترى الدراسة أن مقاطعة إيران وحلفائها بالكامل خيار يخدم دمشق؛ فالدور السوري يحتاج إلى إدارة ما تبقى من النفوذ الإيراني في دول الجوار، وقد يحتاج إلى ترتيبات وتفاهمات وتنسيق. ومن هنا تصبح المعادلة السورية هي تحصين الدولة ضد النفوذ الإيراني من دون حرب مفتوحة معه، والتنسيق مع طهران عند الحاجة من دون السماح لها باستعادة نفوذها داخل سوريا.

وترتبط هذه المعادلة بعامل الوقت. فإذا تغير سلوك إيران أو نظامها بما يحسن علاقتها بواشنطن، فقد تنخفض حاجة الولايات المتحدة إلى سوريا بوصفها أداة لاحتواء طهران، وتنتقل المطالب الأمريكية نحو قضايا الحكم والسياسات الداخلية السورية. أما استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، فيزيد الضغوط الإيرانية على دمشق. ولهذا ترى الدراسة أن فاعلية الدور السوري ستتحدد بقدرة دمشق على احتواء إيران من دون استنزاف نفسها، مع إبقاء قنوات التنسيق الإقليمي مفتوحة؛ أما الانكفاء عن الإقليم فلا يبدو خيارًا متاحًا.

الاقتصاد… من الممرات إلى إعادة الإعمار

تربط الدراسة الوظيفة الاقتصادية لسوريا بالممرات والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، وترى أن الحرب الأمريكية-الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز زادا الحاجة إلى الأراضي السورية باعتبارها ممرًا موازيًا أو بديلًا جزئيًا بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط.

فالعراق يحتاج إلى منفذ على المتوسط يقلل اعتماده على مضيق هرمز، ومن هنا الاتجاه إلى إحياء خط كركوك-بانياس. كما تحتاج تركيا والأردن ودول الخليج إلى استعادة الطريق البري عبر سوريا، بينما يحتاج لبنان إلى الأراضي السورية للوصول إلى الأسواق العربية. وبذلك تؤدي دمشق وظيفة تتعلق بأمن الطاقة واستمرار التجارة وتنويع الممرات.

أما إعادة الإعمار، فهي في الوقت الراهن حاجة سورية إلى الخارج أكثر من كونها حاجة إقليمية إلى سوريا، لكنها قد تتحول مستقبلًا إلى جزء من الوظيفة الاقتصادية الإقليمية إذا أصبحت السوق السورية مجالًا مستدامًا للشراكات والاستثمارات. وتلفت الدراسة إلى أن أهمية الممرات نفسها ليست مضمونة إلى الأبد، فقد تنخفض بانتهاء الحرب أو ظهور بدائل؛ ولذلك ينبغي لسوريا تحويل الفرصة الظرفية إلى دور اقتصادي طويل الأجل.

مصدر الصورة جندي سوري أمام النصب التذكاري لمحافظة الرقة بعد أن بسطت النظام سيطرته عليها (غيتي)

التسويات السياسية… سوريا طرف وضامن

تنبع الحاجة السياسية إلى سوريا، بحسب الدراسة، من صعوبة تنفيذ تسوية إقليمية في المشرق من دونها؛ فموقعها، وحضورها العربي، وصلتها بلبنان، وقدرتها على ضبط الحدود ومسارات السلاح، تجعلها مرشحة لضمان جانب من الترتيبات الأمنية والسياسية. كما أن دخول دمشق في أي مسار للتسوية مع إسرائيل يمنحه شرعية عربية إضافية، وهو ما يفسر رغبة واشنطن في إدخالها في ترتيبات السلام.

إعلان

لكن المشكلة أن سوريا ستكون ضامنًا للتسوية وطرفًا فيها في الوقت نفسه؛ فإسرائيل تحتل أراضي سورية، ودمشق تفاوض على أمنها وحدودها، وما تقبله في هذا المسار ينعكس على دورها في لبنان. كما أن التسوية تحمل تكلفة داخلية على الحكم الجديد، لأنها تجري في ظل حرب إسرائيلية ممتدة في فلسطين والمنطقة، لا ضمن تسوية إقليمية شاملة.

وتشير الدراسة إلى عبء إضافي تفرضه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل؛ إذ قد تتحول التنازلات اللبنانية تحت الضغط إلى سابقة تفاوضية تستخدم لدفع دمشق إلى تنازلات أكبر. ولذلك لا ترى الدراسة مصلحة لسوريا في سلام منفرد، أو تسوية تتجاهل الفلسطينيين وتستغل ضعف دمشق الراهن لفرض تنازلات دائمة عليها. والأرجح أن دمشق تبحث عن تسوية واقعية قابلة للإدارة، تخفض التوتر وتضبط الحدود وتحفظ موقع سوريا والحاجة إليها، من دون الذهاب إلى مفاوضات نهائية تتحمل تكاليفها وحدها.

التنوع… مصدر نفوذ ومصدر خطر

تتمثل الوظيفة الرابعة في إدارة التداخل الطائفي والاجتماعي العابر للحدود، ولاسيما العشائر والأكراد والطوائف والمذاهب، ويأتي لبنان في قلب هذا الملف. فالدور السوري لا يتحدد بعلاقة دمشق بالحكومات فقط، وإنما بقدرتها على التعامل مع مجتمعات مترابطة يمكن لأزماتها أن تعبر الحدود وتهدد الدولة السورية نفسها.

وترى الدراسة أن هذا الملف يمثل اختبارًا بالغ الحساسية للحكم الجديد، لأنه يطرح دوليًا سؤال قدرة سوريا الجديدة، بوصفها "دولة الأكثرية"، على بناء نموذج يطمئن مكونات الإقليم ويراعي تنوعه، بدل إثارة المخاوف من "هيمنة الأكثرية" و"تهديد" وجود الأقليات. ولا يكفي هنا رضا الداخل السوري؛ لأن موقف القوى الدولية المؤثرة من هوية الحكم وإدارته للتنوع يدخل في تحديد قبول الدور السوري إقليميًا. فإذا نجحت دمشق، تحول التنوع إلى مورد لدورها، وإذا أخفقت فقد يصبح مصدر خوف منها وقيدًا على نفوذها.

وتبين الدراسة أن هذه الوظائف الأربع تلتقي مع مصالح قوى مختلفة. فتركيا تريد سوريا موحدة تضبط الحدود وتعالج الملف الكردي وتسمح بالعودة التدريجية للاجئين وتوسع الترابط الاقتصادي. وتريد واشنطن شريكًا ضد داعش والنفوذ الإيراني، وفي لبنان وملف حزب الله والترتيبات الأمنية مع إسرائيل، كما تسمح التجربة السورية لترمب بتقديم تحول دولة كانت معادية لواشنطن إلى شريك باعتباره نموذجًا لنجاح سياسته. وتريد دول الخليج استقرار سوريا وعودتها إلى موقع عربي في المشرق مع فرص اقتصادية جديدة. أما أوروبا فتحتاج إلى الاستقرار وضبط الهجرة ومكافحة "الإرهاب" ومعالجة آثار الظاهرة "الجهادية"، وتهيئة ظروف الإعمار وعودة اللاجئين.

وهكذا، لا ينشأ وزن سوريا من تحالف صلب مع طرف واحد، بل من تقاطع حاجات أطراف متعددة إليها. غير أن الفرصة مؤقتة وقابلة للتغير؛ فتسوية أمريكية-إيرانية قد تقلل الحاجة إليها، وتصعيد واسع قد يحولها إلى ساحة مواجهة، بينما يمكن للاعتراضات الإسرائيلية وتحفظات جماعات الضغط في الكونغرس وبعض الدول الأوروبية أن تعرقل الانفتاح عليها أو تغير شروطه. ولهذا يرتبط نجاح دمشق بقدرتها على إدارة التناقضات من دون التحول إلى ميدان لصراع الآخرين، وتحويل الحاجة الظرفية إليها إلى مصالح وشراكات ومؤسسات تضمن استمرار الدور بعد تغير الظروف.

مصدر الصورة تركيا تريد سوريا الموحدة (الرئاسة التركية)

لبنان… الاختبار الأصعب

تعتبر الدراسة لبنان المختبر الأكثر واقعية لطبيعة الدور السوري الجديد، لأن الجغرافيا والاقتصاد والمجتمع والأمن تجعل استقرار البلدين مترابطًا. فالحدود المشتركة، واللاجئون، والتهريب، والسلاح، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، والتداخل بين القوى والطوائف، تجعل استقرار لبنان جزءًا من الأمن السوري، مثلما تجعل استقرار سوريا شرطًا أساسيًا لاستقرار لبنان. وتزيد الجغرافيا هذا الارتباط وضوحًا؛ فسوريا تحيط بلبنان شرقًا وشمالًا، وإسرائيل جنوبًا، والبحر المتوسط غربًا، وبذلك تمثل سوريا طريق اتصاله البري الأساسي بمحيطه العربي.

وتستعيد الدراسة تجربة الدور السوري بعد اتفاق الطائف، حين جمعت دمشق بين وظيفة إقليمية مطلوبة وبين الهيمنة الأمنية والسياسية على الدولة اللبنانية. لكنها تؤكد أن سوريا الجديدة لا تملك أدوات ذلك الدور، وأن استعادته بشروطه السابقة غير ممكنة وغير مرغوبة لبنانيًا أو دوليًا. وفي المقابل، توجد حاجة إلى دور سوري مختلف يساعد على حماية التوازن الداخلي، ومعالجة الملفات العابرة للحدود، والتعامل مع الصراع والتفاوض مع إسرائيل، وحماية التسوية اللبنانية من الانهيار، على أن يتم ذلك بالتنسيق بين الدولتين لا عبر الوصاية.

إعلان

وترى الدراسة في زيارة أسعد الشيباني إلى بيروت خطوة مهمة لفتح هذا المسار، بما حملته من رسائل طمأنة، فضلًا عن المحطة الشعبية اللافتة في طرابلس. لكنها تشير إلى أن الزيارة لم تتحول بعد إلى جهد سوري متكامل يستند إلى تصور واضح للعلاقة الخاصة التي تفرضها الجغرافيا والمصالح، كما لم توظف دمشق حتى الآن الرصيد الذي صنعته الثورة السورية لدى بعض الأوساط اللبنانية في بناء تواصل سياسي ومجتمعي جديد.

وتحدد الدراسة أربعة مجالات للحاجة إلى سوريا في لبنان. أولها الأمن والحدود، من خلال مكافحة تهريب المخدرات والممنوعات، والتعامل مع تهريب السلاح وانتقال "المقاتلين"، خصوصًا عناصر حزب الله وحلفائه. وهنا تواجه دمشق خيارًا بين الاكتفاء بضبط جانبها من الحدود وبين الانخراط في محاصرة شبكات الحزب أو مواجهته، بما قد ينقل الصراع إلى الأراضي السورية.

وثانيها المجال السياسي، من خلال مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها وانتظام مؤسساتها، في ملفات حصر السلاح، والمخاوف الطائفية من اختلال التوازن، وحماية الحكومة والرئاسة والمؤسسات، والمفاوضات مع إسرائيل. وقد تصبح سوريا، وفق الدراسة، أحد الضامنين الإقليميين لتسوية تتعلق بهذه الملفات.

وثالثها المجال الاقتصادي؛ إذ توجد أكثر من أربعين اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين تحتاج إلى المراجعة وإعادة التنظيم، وتشمل التجارة والاستثمار والضرائب والتأشيرات، إلى جانب الحاجة إلى تطوير المعابر والنقل والطاقة. فلبنان يحتاج إلى الأراضي السورية للوصول إلى الأسواق العربية، بينما تحتاج سوريا إلى المرافئ اللبنانية والخدمات ورؤوس الأموال، ويمكن أن يصبح التكامل بينهما نواة لنشاط اقتصادي إقليمي أوسع.

أما المجال الرابع فهو اجتماعي، ويشمل اللاجئين والطوائف والعشائر والعائلات الممتدة عبر الحدود، مع ما يحمله ذلك من أبعاد سياسية. فطريقة دمشق في إدارة التنوع السوري ستؤثر في نظرة المكونات اللبنانية إليها، كما ستؤثر طريقة تعاملها مع التنوع اللبناني في الموقف الإقليمي من دورها. وبذلك يصبح نموذج الحكم السوري نفسه أداة نفوذ محتملة أو مصدرًا للخوف من سوريا.

أربعة سيناريوهات للدور السوري في لبنان

ترى الدراسة أن سوريا، أيًا يكن اتجاه الحرب الإقليمية، مرشحة لأداء دور مهم في المشرق، بوصفها المرشح العربي الأبرز، وربما الوحيد من داخله، لموازنة النفوذ الإيراني، خصوصًا في لبنان. وقد يتراوح دورها بين تفكيك آثار هذا النفوذ إذا انحسر، وإدارة ما يتبقى منه إذا انتهت المواجهة إلى تفاهم أمريكي-إيراني.

لكن هذه الأهمية السياسية لا تعني أن الحاجة اللبنانية والإقليمية تستدعي تدخلًا عسكريًا سوريًا تلقائيًا. ولهذا تطرح الدراسة أربعة سيناريوهات تتمحور حول حزب الله، و"الأقليات"، والدولة اللبنانية، ويتوقف تحققها على تطور المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وقدرة الدولة اللبنانية على حماية مؤسساتها وتوازنها، وحجم التفويض العربي والدولي الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق.

يتمثل السيناريو الأول في المواجهة المباشرة مع حزب الله، وهو الأقل ترجيحًا والأعلى كلفة. فسوريا لا تملك في وضعها الحالي المقومات العسكرية والاقتصادية والمؤسسية لخوض مواجهة مفتوحة، والجيش الجديد ليس مهيأً لمواجهة قوة لا تزال، رغم استنزافها، تتمتع بالتنظيم والتسليح والخبرة القتالية. كما أن الصدام سيستدعي إيران وشبكات حلفائها في العراق والمنطقة، وقد يحول الحدود والداخل السوري إلى ساحة استنزاف طويلة.

وتبرز هنا مفارقة أمريكية-إسرائيلية؛ فقد تطلب واشنطن من سوريا تحجيم حزب الله، لكنها قد لا تستطيع توفير التسليح الذي يمكّن دمشق من حسم المواجهة، بينما تريد إسرائيل إضعاف الحزب وقطع إمداداته، لكنها لا تريد جيشًا سوريًا قويًا أو دولة سورية تستعيد كامل قدراتها العسكرية على حدودها. وترى الدراسة أن هذا المنطق يظهر كذلك في الموقف الإسرائيلي من امتلاك الجيش اللبناني قدرات نوعية. وبذلك تصبح المهمة المفترضة لسوريا محكومة بمعادلة تريد إضعاف حزب الله وسوريا معًا، وهو ما يجعل المواجهة العسكرية المباشرة غير مرجحة إلا في حالة انهيار لبناني واسع وتغير جذري في موازين القوى والضمانات.

أما السيناريو الثاني، وهو التدخل غير المباشر، فتراه الدراسة الأقرب في المدى المنظور. يبدأ هذا الدور من الحدود ولا يتجاوز في الداخل اللبناني الضغط السياسي، من خلال منع انتقال السلاح والمقاتلين، وتبادل المعلومات، وملاحقة شبكات التهريب، والتنسيق مع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، مع ترك حصر السلاح والتسوية الداخلية للمؤسسات اللبنانية. ويستهدف هذا المسار منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، وإضعافه تدريجيًا بما يرجح ميزان القوة لمصلحة الدولة اللبنانية، من دون وضع سوريا في مواجهة عسكرية شاملة أو إثارة اتهامات باستهداف الطائفة الشيعية.

ويقوم السيناريو الثالث على استدعاء تدخل سوري سياسي أو أمني، وربما عسكري لاحقًا، لحماية الدولة والتوازن اللبناني إذا أصبح النظام اللبناني مهددًا بالانهيار. وتستعيد الدراسة هنا الدور السوري عام 1976، حين كان التدخل في إحدى مراحله عاملًا في منع هزيمة ما كان يعرف بـ"القوى المسيحية" ومنع اختلال التوازن لمصلحة خصومها. فإذا عجز الجيش اللبناني عن منع صدام داخلي أو حماية مؤسسات الدولة، فقد يظهر طلب لبناني وإقليمي لدور سوري يساند بقاء النظام وفق اتفاق الطائف، ويحمي مؤسساته وتوازنه ويضمن استمرار المفاوضات مع إسرائيل. لكن خطر هذا السيناريو يكمن في احتمال تحول سوريا من حماية التسوية إلى طرف في النزاع، فضلًا عن استمرار الذاكرة اللبنانية للوصاية السورية.

أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر تركيبًا، فيتمثل في أن تصبح سوريا أحد الضامنين لشيعة لبنان، منفردة أو ضمن آلية إقليمية. وينطلق السيناريو من مخاوف أثارها الاحتلال الإسرائيلي بإقامة مناطق عازلة ومنع السكان من العودة إلى عدد من قرى الجنوب، بما ولّد خشية من تفريغ مناطق واسعة من سكانها أو إعادة هندسة الخريطة الديمغرافية. وإذا استمر منع العودة، فقد تتحول الحرب في الوعي الشيعي من مواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى استهداف لمكون لبناني ذي امتداد إقليمي.

وهنا يمكن، بحسب الدراسة، أن تضمن سوريا بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والقوى المعنية أمن شيعة لبنان وبقاءهم وعودتهم إلى مناطقهم وتمثيلهم داخل نظام الطائف، مقابل وقف حقيقي لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي، وانتقال تدريجي من ضمانة السلاح الحزبي إلى ضمانة الدولة والتسوية الإقليمية. وتكمن أهمية الصيغة في الحيلولة دون تحول نزع سلاح حزب الله إلى مدخل لإضعاف الشيعة أو تهجيرهم، وفي الوقت نفسه منع استمرار السلاح بوصفه الضمانة الوحيدة لوجودهم.

وتمنح العلاقات التاريخية والجغرافية والاجتماعية مع لبنان، إلى جانب قدرة دمشق على التواصل مع العراق وإيران والدول العربية والولايات المتحدة، سوريا موقعًا خاصًا في مثل هذه الصيغة. لكنها لا تستطيع ضمانها منفردة؛ فهي تحتاج إلى اتفاق إقليمي ودولي واسع، وضمانة أمريكية للانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات، وقبول لبناني شيعي واضح.

وبين السيناريوهات الأربعة، ترجح الدراسة في المدى القريب مزيجًا من السيناريو الثاني والبعد السياسي من السيناريو الثالث: تنسيق سوري أمني على الحدود، بالتوازي مع دور سياسي في حماية المؤسسات والمفاوضات والتوازن اللبناني. أما دخول الجيش السوري أو تحول دمشق إلى ضامن شامل لشيعة لبنان، فيظلان احتمالين مرتبطين بانهيار أمني أكبر أو بتسوية إقليمية واسعة.

وتكشف هذه السيناريوهات أن التنوع اللبناني ليس مجرد قيد على سوريا، بل أحد أسباب الحاجة إليها. غير أن النتيجة تتوقف على طريقة استخدام دمشق لهذه الحاجة: هل توظفها لحماية الدولة والتوازن، أم لاستعادة أنماط النفوذ التقليدية، أم للمشاركة في بناء ترتيبات إقليمية جديدة؟

مصدر الصورة الرئيس الشرع والرئيس اللبناني جوزيف عون (وكالات)

الدور السوري بين الحاجة الإقليمية ومخاطر الاستنزاف

تخلص الدراسة إلى أن الوزن الإقليمي الجديد لسوريا لا يقوم أساسًا على استعادة قوتها السابقة، وإنما على تزايد حاجة الفاعلين إلى التنسيق معها. فتركيا تحتاج إليها في الحدود والأكراد واللاجئين، والولايات المتحدة في داعش وإيران ولبنان وإسرائيل، ودول الخليج في الاستقرار العربي وإعادة التوازن للمشرق والفرص الاقتصادية، وأوروبا في الاستقرار والهجرة و"الإرهاب" والإعمار واللاجئين. ومن تقاطع هذه المصالح ينشأ الدور السوري الجديد.

لكن استمراره مشروط بقدرة دمشق على تحويل الحاجة المؤقتة إلى مصالح متبادلة وترتيبات وشراكات مستقرة، ويصبح لبنان الاختبار الأدق لذلك؛ لأنه المكان الذي تتجمع فيه وظائف الدور السوري وتناقضاته. فإذا تمكنت دمشق من العمل بالتنسيق مع الدولة اللبنانية ودعم مؤسساتها وحماية توازنها، فستثبت قدرتها على التعامل مع الفراغ الذي قد ينشأ عن انحسار النفوذ الإيراني، وعلى المساهمة في حفظ التوازن اللبناني والإقليمي. أما إذا اصطدمت بالقوى الإقليمية أو انخرطت في مواجهات داخل لبنان من دون حساب قدرتها والكلفة، فقد يتحول لبنان إلى مصدر استنزاف ويعيد إنتاج المخاوف من الدور السوري، بل قد يدفع القوى الدولية التي انفتحت على دمشق إلى الابتعاد عنها.

وترى الدراسة أن سوريا الجديدة نجحت بالفعل في إعادة التموضع عربيًا وإقليميًا ودوليًا، مستفيدة من حاجة الفاعلين إليها واستعدادهم لقبول دورها، لكنها تدخل بذلك مرحلة أكثر تعقيدًا. فقد ورثت من النظام السابق خبرة الدور الإقليمي وميراثه وتناقضاته، وحصلت على قبول دولي يتيح لها العودة من بوابة التنسيق، لكنها أصبحت في الوقت نفسه نقطة التقاء لتوقعات ومصالح متباينة.

ومن هنا يصبح التحدي الأكبر أمام دمشق هو التوفيق بين حاجات الحلفاء والأصدقاء من دون التحول إلى خصم لأي منهم، ومواصلة بناء الدولة داخليًا بالتوازي مع أداء دور إقليمي محفوف بالمخاطر؛ إذ تمثل إسرائيل العقدة الأشد تعقيدًا في هذا الدور، فيما يظل محور إيران تحديه الأكبر. وفي هذه المعادلة تحديدًا يقع مستقبل الدور السوري: بين فرصة أن تتحول حاجة الإقليم إلى سوريا إلى مصدر قوة مستدامة، وخطر أن يؤدي التوسع في الاستجابة لهذه الحاجة قبل اكتمال بناء الداخل إلى إعادة سوريا نفسها إلى قلب صراعات الإقليم.

الدراسة كاملة (اضغط هنا)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا