في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تشهد الحرب المشتعلة منذ ما يزيد على 4 سنوات بين أوكرانيا وروسيا، تحولا إستراتيجيا، مع انتقالها من المواجهة التقليدية إلى استهداف ركائز الاقتصاد في البلدين، في تصعيد لا يؤشر إلى تغيير في قواعد الاشتباك العسكرية فحسب، بل يهدد كذلك بإرباك أسواق الطاقة والتجارة في العالم.
وفي الأيام الأخيرة، اتسمت الحرب بالتركيز على أهداف اقتصادية وحيوية، يضربها كل طرف لزيادة الكلفة على الآخر.
ففي حين كثّفت أوكرانيا هجماتها بعيدة المدى على منشآت النفط والطاقة والخدمات اللوجستية داخل العمق الروسي، صعّدت روسيا ضرباتها على الموانئ الأوكرانية في منطقتي أوديسا وميكولايف، بالإضافة مستودعات الوقود ومرافق تخزين الحبوب والسفن التجارية المرتبطة بصادرات كييف الزراعية.
ومع استمرار الضغط على قطاع الطاقة، انتقلت الهجمات إلى البحر، إذ كثف البلدان المتحاربان هجماتهما على السفن ومرافق وتسهيلات أخرى في البحر الأسود وبحر آزوف خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وأمس الاثنين، اتهمت وزارة الخارجية الروسية أوكرانيا، بشن هجمات على ناقلات نفط أثناء تحميلها في محطة تابعة لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين في نوفوروسيسك، وقالت إن كييف تسعى لزعزعة استقرار أسواق النفط العالمية.
على وجه العموم، تسعى أوكرانيا إلى تقليص قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية، من خلال استهداف قطاع النفط وسلاسل الإمداد، بينما تسعى موسكو إلى تقويض الاقتصاد الأوكراني عبر ضرب الموانئ ومنشآت التخزين والطاقة.
ويمكن ملاحظة أن التصعيد المتمثل بضرب منشآت الطاقة، جاء عقب إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قبل أقل من شهر، إطلاق ما وصفه بـ"حملة الـ40 يوما"، وهي خطة تسعى إلى الضغط على روسيا اقتصاديا وعسكريا، وإجبارها على تغيير حساباتها في الحرب.
ووفقا لصحيفة غارديان البريطانية، فإن حملة "الـ40 يوما" لا تستهدف تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة بقدر ما تسعى إلى إنهاك الاقتصاد الروسي، وإيصال الحرب إلى الداخل الروسي عبر استهداف منشآت الطاقة ومراكز النقل والإمداد.
وكشف تحليل أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، استنادا إلى صور الأقمار الصناعية والمقاطع الميدانية، عن استمرار توجيه القوات الأوكرانية ضربات مركزة لشل الشريان التجاري والنفطي الروسي، عبر استهداف منشآت حيوية تمتد من شبه جزيرة القرم وصولا إلى مقاطعة موسكو وإقليم ستافروبول بروسيا.
وتؤكد كييف أن نحو 43% من طاقة التكرير الروسية أصبحت خارج الخدمة بسبب هذه الهجمات، في حين يقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوجود مشكلة في قطاع الطاقة، لكنه وصفها بأنها مؤقتة وغير حرجة.
وبحسب الرواية الأوكرانية، تعرضت أكثر من 100 سفينة للاستهداف خلال فترة قصيرة، في محاولة للضغط على أحد أهم مصادر الدخل الروسي.
ووفق وكالة رويترز، فقد جرى تقييد حركة الملاحة في بحر آزوف، الذي يمثل مسارا لربع صادرات الحبوب الروسية، منذ يوم الجمعة الماضي وسط الهجمات الأوكرانية.
كما استهدفت أوكرانيا ناقلات مرتبطة بما يعرف بـ" أسطول الظل" المستخدم في نقل النفط الروسي إلى الأسواق الخارجية.
وترى أوكرانيا أن استهداف البنية النفطية يمثل جبهة جديدة في الحرب، تهدف إلى تقليص قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية وإجبارها على مواجهة كلفة اقتصادية متزايدة للصراع.
ووفق محللين للجزيرة، فإن ثمة محاولة أوكرانية لتقليص الإيرادات الروسية، لا سيما أن موسكو استفادت كثيرا من ارتفاع أسعار النفط، بعد أزمة مضيق هرمز.
في المقابل، اتجه الرد الروسي بصورة متزايدة نحو استهداف البنية الاقتصادية الأوكرانية، لا سيما الموانئ ومنشآت تخزين الوقود والحبوب، في محاولة لإضعاف قدرة كييف على التصدير والحفاظ على مواردها المالية.
وتعرضت مدينة أوديسا، التي تمثل المنفذ البحري الأهم لأوكرانيا على البحر الأسود، إلى سلسلة من الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة خلال يوليو/تموز الجاري، استهدفت خزانات الوقود والبنية التحتية للميناء، كما شملت الهجمات مرافق مرتبطة بتصدير المنتجات الزراعية.
واليوم، قالت شركة نافتوغاز الحكومية الأوكرانية، إن روسيا شنت هجمات على منشآت إنتاج الغاز التابعة لها في منطقة خاركيف شمال شرق أوكرانيا لمدة 3 أيام متتالية.
وأفادت الشركة عبر تطبيق تليغرام بأن هجوما على إحدى المنشآت -الأحد الماضي- أدى إلى خسارة جزئية في حجم الإنتاج بعد أن اضطرت إلى إيقاف تشغيل معدات.
وبحسب معهد دراسات الحرب، فمن المرجح أن تهدف الضربات الروسية إلى إضعاف الاقتصاد الأوكراني وتقليص قدرة البلاد عموما على التصدير.
ووفق تقرير للمعهد الأمريكي، رأى الخبير الأوكراني في مجال الزراعة والاقتصاد، بوهدان كوستيتسكي، أن الضربات الروسية الأخيرة على الموانئ الأوكرانية قد أوقفت فعليا صادرات الحبوب عبر المياه العميقة.
ويوضح كوستيتسكي أن معظم تجار الحبوب الرئيسيين قد علّقوا مشترياتهم، وأن بعض محطات التصدير قد أوقفت عملياتها مؤقتا، مضيفا أن أسعار الحبوب في السوق الأوكرانية المحلية آخذة في الانخفاض، إذ يمتنع التجار عن دفع أسعار شراء أعلى؛ نظرا لارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية.
ويشير الخبير الأوكراني إلى أن مالكي السفن يرفضون بشكل متزايد الرسو في الموانئ الأوكرانية بعد الضربات الروسية الأخيرة، مُستندين إلى بند القوة القاهرة.
وفي محاولة لتفسير الرؤية الأوكرانية لإشعال المواجهة على الصعيد الاقتصادي، يخلص كل من الباحث في مجال أمن الطاقة بيتراس كاتيناس، وخبيرة الأمن الروسي والدولي ناتيا سيسكوريا، إلى أن كييف وجدت طريقة لتحويل العمليات العسكرية إلى تكاليف اقتصادية.
ويقول كاتيناس وسيسكوريا، في مقال لهما بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن ضربات أوكرانيا المتواصلة على البنية التحتية للطاقة الروسية، تُحوّل الحرب إلى عبء اقتصادي يومي، مما يُجبر الكرملين على الاختيار بين عائدات التصدير والاستقرار الداخلي.
ويقدّر الباحثان بأنه ومع تزايد صعوبة تجاهل تكاليف الحرب بالنسبة للروس العاديين، فإن الكرملين يجد صعوبة أكبر في إبقاء الصراع بمعزل عن الحياة اليومية.
وبشأن استهداف الشريان النفطي الروسي، رأى الباحثان أن الهجمات الأوكرانية المتواصلة على مصافي النفط الروسية لا تُلحق الضرر بالبنية التحتية فحسب، بل تُضيّق الخناق على صناعة النفط الروسية، كما أنها تُجبر الكرملين على إنفاق المزيد لضمان استمرار تدفق الوقود محليا، في حين تنخفض عائداته من الصادرات.
وانتهى الباحثان إلى أنه وفي حال استطاعت أوكرانيا الحفاظ على هذا الضغط وضرب أهداف إستراتيجية بشكل منهجي، فسيجد الرئيس الروسي بوتين نفسه أمام خيارات محدودة، مشيرين إلى أن أحدها يتمثل بالإقرار بأثر الضربات الأوكرانية على الوضع السياسي الداخلي لروسيا، مما سيدفع موسكو -في نظر الباحثيْن- إلى إعادة اللجوء للمفاوضات، لكن بـ"شروط أقل"، وقبول ضمني بعدم قدرتها على احتلال المناطق الشرقية والجنوبية من أوكرانيا.
وأمام الحرب المتواصلة على منشآت الطاقة بين البلدين المتحاربين، تراقب الدول هذا التصعيد بقلق كبير، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بشأن أسعار النفط والاقتصاد العالمي، لا سيما في وقت يعيش فيه العالم أزمة اقتصادية بسبب الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويؤكد الخبير بشؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي، أن أسواق النفط ستتلقى أخبار التصعيد بمزيد من الارتفاعات، منوها إلى أهمية الشريان النفطي في البحر الأسود، ومشيرا إلى إعلان كازاخستان إيقاف تمرير نفطها عبر البحر الأسود، وستلجأ إلى تمريره إلى الصين شرقا.
ويذكّر الشوبكي في مداخلة مع الجزيرة، بأن تعطّل الشريان النفطي في البحر الأسود، يضاف إلى شرايين نفطية أخرى تأثرت بالفعل، مثل مضيق هرمز، وكذلك باب المندب، وسط التوترات التي تدور حوله.
وقال الشوبكي إن تأثيرات استهدافات الطاقة في أوكرانيا وروسيا، سيطال أوروبا، التي ما زالت تعاني من أسعار مرتفعة للطاقة، أثرت أساسا على اقتصادها، وقدرتها الصناعية، بالإضافة إلى تنافسية بضائعها في الخارج.
واستدرك الخبير الأردني بأن التأثير سيمتد إلى العالم بأجمعه، محذرا من أنه قد ينعكس على ارتفاع أسعار الطاقة والنفط والغاز.
وقال إن الدول المستوردة ستتأثر بشكل كبير من فاتورة طاقة مرتفعة، ومن احتمال تغير سعر الصرف لعملتها المحلية، ومن تزايد العجز في الموازنات، منوها في نهاية حديثه إلى أن العالم سيكون مقبلا على "مرحلة حرجة للغاية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة