آخر الأخبار

6 عقبات تنتظر الحل.. مبادرة ألمانية فرنسية لحفظ الأمن في جنوب لبنان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في الثامن من يوليو/تموز الجاري، اختتم لبنان وإسرائيل الجولة السادسة من المفاوضات على مستوى السفراء، وبعد يومين فقط خرج وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول باقتراح تشكيل قوة بتفويض من الاتحاد الأوروبي، معتبرا أن قوة كهذه يمكن أن "تهيئ الظروف لانسحاب الجيش الإسرائيلي من دون عودة حزب الله".

وما يحمله هذا الطرح في ظاهره من حل لمعضلة الفراغ الأمني المرتقب مع رحيل قوات الطوارئ الأممية ( اليونيفيل) في 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل، يصطدم بسؤال يثير إشكالية: أي شرعية دولية تحملها قوة لا يسندها قرار من مجلس الأمن، كالذي أسست عليه اليونيفيل منذ سبعينيات القرن الماضي؟

وفي تصريحات للجزيرة نت، اختلف خبراء عسكريون وأكاديميون من لبنان وفرنسا بشأن المشروع الأوروبي، فمنهم من وصفه بأنه "مجرد مبادرة سياسية" بلا خطة أو آلية، ومن يحصر نجاحه في 6 شروط متشابكة، بما يكشف عن ملامح مبادرة واعدة، لكنها مثقلة بأسئلة الشرعية والتمويل والقبول الإقليمي.

ويزيد من جدلية هذا النقاش أن بيروت نفسها أبدت انفتاحا على المبادرة، إذ طلب رئيس الجمهورية جوزيف عون من ألمانيا أن تؤدي "دورا أساسيا" في أي ترتيب أمني بديل بعد مغادرة اليونيفيل.

في حين يبقى السؤال الأكبر معلقا: هل تملك باريس وبرلين، رغم علاقاتهما التاريخية المتشعبة مع بيروت وتل أبيب، مفاتيح تحويل هذه النية السياسية إلى قوة عسكرية قادرة فعليا على ضبط أكثر حدود المنطقة اضطرابا؟

مصدر الصورة قوات اليونيفيل ستنتهي مهامها في جنوب لبنان نهاية العام الحالي (الجزيرة)

سؤال الشرعية

يبدأ التفكير الجاد في مصير هذه المبادرة من نقطة قانونية حساسة، لا من الاعتبارات العسكرية أو اللوجستية، فاليونيفيل منذ يومها الأول تستمد شرعيتها من قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي حدد تشكيلها ومهامها وإطار عملها، وأي بديل لا يحمل غطاء مماثلا يجازف بالدخول إلى ميدان شديد الحساسية من دون سند قانوني كافٍ.

إعلان

ويضع الخبير العسكري والإستراتيجي اللبناني العميد حسن جوني تساؤل الشرعية في صدارة أي نقاش جاد حول المبادرة؛ ويقول إن "هذه المبادرة، التي تتحدث عنها ألمانيا وفرنسا، لا يمكن أن تعتمد فقط على نوايا هاتين الدولتين لإرسال قوات أجنبية إلى جنوب لبنان"، فالمسألة تحتاج إلى تفويض أممي يحدد وظيفة هذه القوات ومهامها وإطار عملها.

وفي تصريحاته للجزيرة نت، يتساءل جوني عمّا إذا كان سيُمنح الاتحاد الأوروبي تفويضا بتشكيل وإدارة هذه القوة الجديدة ضمن مظلة أممية؟ ولكنه يستدرك بأن ذلك الأمر لم يُحسم بعد في أي من التصريحات الأوروبية.

أما الخبير العسكري ومنسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات اليونيفيل العميد منير شحادة فيذهب إلى تفصيل هذا الشق القانوني: فبينما تستند اليونيفيل إلى قرار من مجلس الأمن يمنحها "شرعية أممية دولية"، فإن القوة الأوروبية المقترحة ستستند إلى "قرار أوروبي" فقط، وهو ما يعتبره "أقل شرعية على المستوى الدولي".

وأضاف شحادة -في تصريحاته للجزيرة نت- أن الجزء المتعلق بالشرعية قد يثير اعتراضات سياسية وقانونية من أطراف إقليمية عدة، مبينا أن الفارق الجوهري بين المنظومتين يتلخص في التالي:


* اليونيفيل تعمل بتفويض دولي وتقتصر مهمتها على المراقبة والتوثيق من دون صلاحيات قتالية لفرض تنفيذ القرارات بالقوة.
* ا لقوة الأوروبية المقترحة، إن تشكلت، ستُبنى بتفويض أوروبي حصري، وقد تُمنح صلاحيات أوسع لدعم الجيش اللبناني في مجالات التدريب والدعم اللوجستي وأمن الحدود والسواحل والموانئ.

باريس تقود وبرلين تشارك

وخلف واجهة الإعلان الألماني السابق، تكمن معادلة أكثر تعقيدا تتعلق بمن يملك زمام المبادرة فعليا. فالفكرة، حسب أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي بيير لوي ريمون، لا تزال في طورها الأولي، و"المشكلة أننا نتحدث في هذه المرحلة عن مجرد مبادرة سياسية، وليس هناك حتى الآن قرار أوروبي ولا خطة عسكرية مدروسة ولا آلية تم تبنيها". وإن كان يقر في المقابل بأن "هناك أهمية بالغة لمنع التصعيد الإقليمي وسد الفراغ الأمني في جنوب لبنان الذي قد ينتج عن انسحاب قوات اليونيفيل".

ويرصد ريمون -في تصريحاته للجزيرة نت- تدرجا لافتا في الخطاب الأوروبي حول طبيعة هذه القوة، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث في البداية عن "قوة دولية"، ثم انتقل الخطاب الفرنسي الإيطالي المشترك إلى الحديث عن "قوة متعددة الجنسيات"، قبل أن يطرح وزير الخارجية الألماني المضي قدما في دراسة "تفويض أوروبي" يحل محل اليونيفيل.

ويذهب الأكاديمي الفرنسي كذلك إلى أن "فرنسا قادرة على قيادة المبادرة، لكن وسائل التنفيذ لا يمكن أن تكون إلا مشتركة"، إذ لا يمكن لأي خطوة فرنسية منفردة أن تكتسب قابلية التنفيذ الفعلية من دون مظلة تعاون أوروبي حقيقي.

ويكتسب هذا الطرح ثقلا إضافيا من عقد المجلس الدفاعي الفرنسي الألماني، الذي ناقش -وفق ريمون- "موضوع الأمن الأوروبي والإقليمي على ضوء التعاون الفرنسي الألماني"، وإن اكتفى الملف اللبناني فيه بعرض مختصر للمبادرة.

وهذا التنسيق الثنائي جزء من مسعى أوسع يتقاطع فيه إرث فرنسا التاريخي في لبنان -بصفتها "الدولة المنتدبة" سابقا، وبحضورها القوي سياسيا في الواقع اللبناني حاليا، مع النفوذ الألماني الخاص في تل أبيب، والمستمد من ثقل العلاقة الألمانية الإسرائيلية التاريخية.

إعلان

وإذا أضفنا إلى ما سبق أن " لجنة الميكانيزم"، التي تضم ممثلين عن لبنان وإسرائيل واليونيفيل تحت رعاية أمريكية فرنسية مشتركة، تتابع تنفيذ التفاهمات الأمنية الجديدة جنوب نهر الليطاني، في ما يعد نموذجا مصغرا لما قد تحتاجه أي قوة بديلة من آليات تنسيق معقدة.

عقبة التمويل والغطاء الدفاعي

وعند الحديث عن الواقع الميداني لهذه المبادرة، والعقبات التي يمكن أن تواجهها، فإن الحديث هنا لا ينفصل عن أزمة أعمق تعيشها أوروبا نفسها في بناء منظومتها الدفاعية المستقلة.

ومن وجهة نظر أستاذ العلاقات الدولية، فإن "المعوقات الأساسية تكمن أولا في الصعوبات التي تجدها أوروبا في تأسيس مشاريع متماسكة تنطلق من الأرضية الأوروبية نفسها"، كإنشاء مجموعة دفاعية أوروبية موحدة، وهي عقبة بنيوية سيصطدم بها أي مشروع فرعي، بما في ذلك مبادرة لبنان، "طالما أن منظومة دفاعية أوروبية مستقلة لا تتشكل على مستوى القارة".

أما مسألة التمويل، فتبقى من أكثر الجوانب غموضا حتى الآن، ويشير ريمون إلى أن النقاش الأوروبي تطرق إلى إمكانية استفادة أي منظومة دفاعية مستقبلية من "صندوق الدفاع الأوروبي" و"البرنامج الأوروبي من أجل صناعة الدفاع"، ضمن ما يُعرف بـ"الإطار المالي متعدد السنوات". لكنه يستدرك على ذلك بأن "هذه النقطة تحديدا لم يتم عرضها من الأساس" في ما يخص لبنان تحديدا.

ويتقاطع هذا مع تقدير منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات اليونيفيل الذي يرى أن التمويل -حسب ما هو مطروح حتى الآن- "سيكون في الأساس من الاتحاد الأوروبي والدول المشاركة، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وربما إيطاليا وإسبانيا"، لكن دون أن تتحول هذه الفرضية إلى التزام مالي معلن.

مصدر الصورة أكثر من 50 موقعا لقوات اليونيفيل تقع بالقرب من الخط الأزرق جنوبي لبنان (الجزيرة)

6 شروط للنجاح

وقبل الحديث عن نجاح المبادرة أو إخفاقها، يثير شحادة سؤالا جوهريا في سياق تصاعد الصراع الإقليمي الحالي: "هل ستسمح أميركا بمثل هذه المبادرة؟" مذكّرا بأن "أميركا وإسرائيل ترفضان أي دور فرنسي على الساحة اللبنانية".

ويحصر المتحدث نفسه نجاح المبادرة، في حال توفرت الإرادة السياسية، في 6 عوامل متشابكة لا يكفي غياب واحد منها لضمان الفشل الكامل، لكنه يكفي لتقويض فعاليتها:


* موافقة الحكومة اللبنانية على تشكيل القوة ومهامها.
* قبول إسرائيل بوجودها ونطاق عملها.
* إجماع جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عليها.
* قبول القوى الفاعلة داخل لبنان، لا سيما حزب الله.
* استمرار الهدوء الإقليمي وعدم اندلاع حرب جديدة.
* تحديد الصلاحيات الممنوحة لها، وما إذا كان يحق لها استعمال القوة.

ويحذر شحادة من أنه "في حال غاب أحد هذه العناصر، فإن القوة الأوروبية قد تواجه المصير نفسه الذي واجهته اليونيفيل، أي محدودية القدرة على فرض الوقائع على الأرض".

وفي ما يتعلق بالموقف الرسمي في لبنان من هذه المبادرة، فإن العميد جوني يؤكد أن "رئيس الجمهورية أعلن مرارا موافقته على وجود قوات دولية، وتحديدا أوروبية، كاستمرار لعمل اليونيفيل"، معتبرا هذا الحضور الدولي "من مصلحة لبنان" لأنه يكرّس تطبيق القوانين والقرارات الدولية.

مصدر الصورة المبادرة الألمانية الفرنسية قد تتمتع بمزايا لم تتوفر لقوات الأمم المتحدة مما حسب ما قاله المحللون للجزيرة نت (غيتي)

مكاسب أوروبية من المبادرة

ورغم كل هذه العقبات، يتفق المحللون الثلاثة على أن المبادرة -إن أُتيح لها التطبيق الفعلي- قد تحمل مزايا عملياتية تفتقر إليها قوات اليونيفيل في صيغتها الحالية.

فريمون يربط نجاح أي قوة أوروبية جديدة بشرط أساسي هو "الاستقلالية الكاملة في القرار وامتلاك عتاد عسكري ودفاعي متطور بأحدث التجهيزات"، مستدركا بأن كثيرين اشتكوا من محدودية قدرة اليونيفيل على التدخل الفوري "لفقدان نوع من الانسيابية والفورية في سلاسل القيادة"، وأن القوة الأوروبية الجديدة "لن تكون فاعلة وعملية إلا إذا تميزت بسرعة التنفيذ".

إعلان

ويفصّل منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات اليونيفيل هذه المزايا المحتملة في نقاط أساسية:


* سرعة اتخاذ القرار مقارنة بآليات الأمم المتحدة.
* مرونة أكبر في تعديل قواعد العمل تبعا لتطورات الميدان.
* ارتباط مباشر بالاتحاد الأوروبي القادر على ربط الدعم الأمني بالمساعدات الاقتصادية للبنان.
* إمكانية توفير تجهيزات واستخبارات وتقنيات أوروبية متقدمة للجيش اللبناني.
* برامج تدريب وتسليح أوسع لقوى الأمن الداخلي، وهو ما يعمل عليه الاتحاد الأوروبي بالفعل عبر مقترح موازٍ لبعثة مدنية عسكرية مدتها 3 سنوات.
* هامش سياسي أكبر كونها "أقل انحيازا لإسرائيل من الولايات المتحدة الأميركية".

ومن جانبه، يرى الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني أن الإخفاقات التي مُنيت بها اليونيفيل في تنفيذ صلاحياتها بموجب القرار 1701 أسهم -حسب قوله- في عودة الحرب إلى الساحة الجنوبية، وهو ما قد يمنح القوة الأوروبية "نفسا جديدا" أكثر نجاعة في ضبط الأمور، شريطة أن تتوفر لها الشروط السياسية والقانونية المطلوبة.

والخلاصة.. أن المبادرة الألمانية الفرنسية، في صورتها الراهنة، تبقى أقرب إلى توجه سياسي ناشئ منه إلى خطة تنفيذية جاهزة؛ فلا تفويض أمميا واضحا يسندها، ولا إجماع أوروبيا أو أمريكيا وإسرائيليا يحسم شكلها النهائي، ولا تصور متكاملا لتمويلها أو صلاحياتها، حسب ما ذهب إليه المحللون في تصريحاتهم للجزيرة نت.

وما يحدد مصيرها ليس العامل العسكري أو المالي بقدر ما هو استحقاق سياسي مركب يتطلب توافق 6 أطراف رئيسية في آن واحد، هي: بيروت وتل أبيب وبروكسل وواشنطن وحزب الله والهدوء الإقليمي نفسه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا