يرى الكاتب والمراسل المخضرم باتريك كوكبورن أن الولايات المتحدة تشهد مرحلة متسارعة من التضييق على حرية الصحافة وحرية التعبير، في ظل سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب، محذرا من أن هذه الإجراءات تفتح الباب أمام ترسيخ الحكم الاستبدادي وتضعف إحدى أهم ركائز الديمقراطية، وهي الإعلام المستقل.
وانطلق الكاتب -في مقاله بموقع آي بيبر – من إعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عن تشكيل فريق عمل مشترك بين وزارة الحرب ووزارة العدل لملاحقة من يسرّبون معلومات إلى وسائل الإعلام، معتبرا أن هذه الخطوة لا تستهدف فقط حماية الأمن القومي، بل تمثل رسالة ترهيب للصحفيين ومصادرهم.
ويشير الكاتب كذلك إلى استدعاء صحفيين من صحيفة " نيويورك تايمز " أمام هيئة محلفين كبرى بعد نشر تقرير يتعلق بالطائرة الرئاسية، في خطوة يراها مؤشرا على تصاعد الضغوط الرسمية على المؤسسات الإعلامية.
ويؤكد الكاتب أن جميع الحكومات سعت تاريخيا إلى الحد من تسريب المعلومات، إلا أن الظروف الحالية -حسب رأيه- تختلف جذريا عن الماضي، إذ كانت الصحف الكبرى عندما انفجرت فضيحة ووترغيت في عقد السبعين من القرن الماضي، تمتلك إمكانات مالية وبشرية واسعة مكنتها من مواجهة السلطة وكشف تجاوزاتها، أما اليوم فالإعلام الأمريكي يعاني من تراجع حاد في موارده ونفوذه، نتيجة الأزمة الاقتصادية التي أصابت الصحافة التقليدية وتحول الإعلانات إلى المنصات الرقمية.
ويلفت المقال إلى أن آلاف الصحف المحلية أغلقت أبوابها خلال العقدين الماضيين، كما فقد عشرات الآلاف من الصحفيين وظائفهم، مما أدى إلى تراجع الصحافة الاستقصائية، خصوصا على المستوى المحلي، وأوجد ما يسميه الكاتب "صحارى إعلامية" تغيب عنها الرقابة المستقلة على أداء السلطات.
واعتبر كوكبورن أن هذا الضعف البنيوي في الإعلام يسهل على القادة ذوي النزعة السلطوية فرض سيطرتهم على المجال العام، لأن تراجع المؤسسات الصحفية يحد من قدرتها على كشف الأخطاء والانتهاكات ومحاسبة أصحاب القرار.
ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة لا تختلف في هذا الجانب عن دول أخرى يقودها زعماء يتبنون خطابا شعبويا أو سلطويا، وإن كانت الظروف السياسية والمؤسساتية مختلفة.
وتناول الكاتب أيضا تراجع الصحافة الخارجية، موضحا أن المؤسسات الإعلامية لم تعد قادرة على تمويل مكاتب ومراسلين دائمين في الخارج، مما أدى إلى انخفاض جودة التغطية الدولية، خاصة أن وجود الصحفي الميداني لا يمكن تعويضه بالتحليلات ولا الزيارات السريعة، لأن نقل الوقائع من موقع الحدث يظل أساس العمل الصحفي المهني.
وفي الوقت نفسه، لا يدعو الكاتب إلى تمجيد الإعلام التقليدي، ويعترف بأنه كان يحمل انحيازات سياسية ويعكس في كثير من الأحيان توجهات مالكي المؤسسات الإعلامية، كما كان يضطر إلى تبسيط الأحداث المعقدة.
لكن الكاتب لا يرى أن العلاج يكون بإضعاف الصحافة، وإنما بتعامل الجمهور مع الأخبار بعقل نقدي، مع التأكيد على أن غالبية الصحفيين لا يختلقون الوقائع، خلافا لما يروجه بعض السياسيين.
ويشدد كوكبورن على أن معيار النشر يجب أن يبقى هو المصلحة العامة، لا رغبة الحكومات في حجب المعلومات تحت شعار الأمن القومي، لأن خضوع الصحفي لما تحدده الدولة مما يجوز نشره أو لا يجوز يحوله في النهاية إلى أداة للدعاية الرسمية بدلا من كونه ناقلا مستقلا للحقائق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة