في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين تصعيد ضمن الحلقات القديمة المتكررة منذ سنوات الهدنة الهشة، واحتمال الانزلاق إلى حرب مباشرة تعيد رسم خريطة النزاع بين جماعة أنصار الله ( الحوثيين) والسعودية والدولة اليمنية، يطل علينا سيناريو ثالث أكثر تعقيدا يضع اليمن كساحة فرعية في صراع إقليمي أشمل تديره حسابات طهران مع واشنطن وتل أبيب.
وتتوزع اليوم قراءات المشهد اليمني وهو يتجه نحو حافة مواجهة جديدة؛ فبعد نحو 4 سنوات من هدنة نسبية حافظت على وقف واسع لإطلاق النار دون أن تفضي إلى تسوية سياسية شاملة، عادت الأجواء اليمنية لتكون ساحة اختبار مباشر بين محورين متضادين، حين حطت طائرة إيرانية تابعة لشركة "ماهان" رحالها في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة جماعة الحوثي، لتتوالى بعدها الأحداث بوتيرة متسارعة تُوّجت بقصف مدرج المطار لمنع هبوط طائرة إيرانية ثانية، وتحويل مسارها في نهاية المطاف نحو مطار الحديدة.
وليست هذه المرة الأولى التي يشكل فيها مطار صنعاء بؤرة توتر منذ سيطرة الحوثيين عليه عام 2014، لكن التصعيد الحالي يحمل ملامح مختلفة عمّا سبقه؛ إذ يتقاطع فيه خلاف محلي حول السيادة على المجال الجوي اليمني، مع تداعيات حرب إقليمية أوسع اندلعت بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وامتدت شظاياها إلى مضيقي هرمز وباب المندب والدول الخليجية.
وهكذا يجد اليمن نفسه اليوم، كما كانت الحال في محطات سابقة من الحرب الممتدة منذ 12 عاما، عالقا بين حسابات محلية ضيقة ومعادلات إقليمية أكبر، فيما تتفاوت قراءات المتابعين لحدة المواجهة القادمة ومداها الزمني والجغرافي، وإن كان الإجماع ينعقد على أن ما بعد الطائرة الإيرانية لن يكون كما قبلها.
في الثالث من يوليو/تموز الجاري، اخترقت طائرة "ماهان" الإيرانية الأجواء اليمنية وحطت في مطار صنعاء، فيما وصفه المجلس الرئاسي اليمني بـ"تصعيد خطير وانتهاك صارخ لسيادة الجمهورية اليمنية". في حين تحدث المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي يحيى سريع عن رحلة إنسانية أقلّت أكثر من 200 فرد من العالقين والجرحى والمرضى، عادت في طريقها إلى طهران محمّلة بوفد حوثي للمشاركة في تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
ومع إصرار الجماعة على تكرار التجربة بطائرة ثانية، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج المطار لمنعها من الهبوط، فتحولت وجهتها إلى مطار الحديدة، في مشهد يصفه محرر الشؤون اليمنية بالجزيرة أحمد الشلفي بأنه يعكس "استماتة قوية" إيرانية حوثية لإنجاح الرحلة، مقابل تصميم حكومي مماثل على منعها.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المواجهة كلاما فحسب، بل تحولت إلى تراشق اتهامات رسمية يرسم خطوط استقطاب حادة بين الطرفين؛ فرئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي حمّل الحوثيين "المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد وعن جميع ما قد يترتب عليه من تداعيات تمس أمن اليمن واستقراره"، مطالبا بالانتقال من "مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع".
وفي الاتجاه ذاته، أعلن وزير الدفاع اليمني الفريق طاهر العقيلي أن "صبر الحكومة نفد إزاء اختراق الطائرات الإيرانية الأجواء اليمنية"، متعهدا بالتصدي لها "بجميع الوسائل المتاحة"، بينما حذّر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني من أن إصرار طهران على إنشاء "جسر جوي مباشر" مع الحوثيين يمثل انتقالا إلى "نمط أكثر خطورة" يمنحها قدرة أعلى على الإمداد السريع والمنتظم.
وفي المقابل، يقدّم نصر الدين عامر نائب رئيس الهيئة الإعلامية لجماعة الحوثي رواية مختلفة لما جرى واصفا إياه بأنه "عدوان سعودي أميركي أيضا"، مستندا إلى أن بيان التحالف العربي الأخير "يهاجم ويشنّع بإسناد اليمن لغزة ولمنع السفن الإسرائيلية"، معتبرا الرد السعودي عقابا جماعيا للشعب اليمني على هذا الموقف.
أما الرحلة نفسها فيصفها عامر -في تصريحات خاصة للجزيرة نت- بأنها "رحلة إنسانية ومبادرة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لنقل المرضى والعالقين والذين لا يستطيعون السفر" بعدما حرمهم الحصار من ذلك لسنوات، وليس عملية عسكرية كما تصورها الرواية الحكومية.
وتزامن هذا التصعيد اللفظي مع خطوات ميدانية موازية، إذ توعد يحيى سريع باستهداف "مطارات ومصالح حيوية سعودية"، وأعلنت الجماعة قبل أسابيع ما سمّته "النفير العام" تحت شعار "إنهاء الحصار والسيطرة على كامل البلاد"، مصحوبا بتحشيد مسلح في عدد من الجبهات، في مؤشر على استعداد لخيارات أبعد من الرد الرمزي على أي تصعيد جوي.
ويرجّح جزء من القراءات العسكرية أن ما يجري أقرب إلى "إدارة تصعيد" محكومة بقواعد اشتباك ضمنية، لا بداية مواجهة مفتوحة. فالخبير في الشؤون السياسية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد يرى أن التصعيد الحالي امتداد لموجات سابقة يحاول من خلالها كل من إيران والحوثيين فرض أمر واقع جديد، أبرزه إعادة تشغيل خط طيران مباشر بين طهران وصنعاء ترفضه الرياض انسجاما مع الحظر الجوي المفروض على الجماعة، وأن الضربات السعودية جاءت استباقية لوأد هذا المسار قبل ترسخه.
ويستبعد عبد الواحد -في تصريحاته للجزيرة نت- سيناريو الانفجار الشامل في المدى القريب، لقناعته بأن الطرفين يدركان أنه لا مصلحة لأي منهما في حرب واسعة في هذا التوقيت؛ فالحوثيون يحققون مكاسب عبر تفاهمات غير معلنة تتصل برواتب الموظفين وفتح جزئي للموانئ ومحادثات مع سلطنة عمان سيخسرونها في حال انزلقوا إلى مواجهة مباشرة مع الرياض.
ويتقاطع مع هذا التقدير ما يذهب إليه الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية علي الذهب، إذ يرجّح أن يبقى هذا التصعيد "مؤقتا" ويمكن التحكم فيه خلال أسبوع إلى أسبوعين على الأكثر، مراهنا على أن يظل الخيار الدبلوماسي ومسار عملية السلام "المرشح الأقوى" لاحتوائه، تفاديا لنقل الصراع فعليا إلى الداخل اليمني المنهك اقتصاديا واجتماعيا.
غير أن هذا الرهان على الاحتواء لا يلغي مؤشرات مقلقة على استعداد الطرفين لتصعيد فعلي على الأرض؛ فقد أعلن المتحدث باسم قوات التحالف العربي منذ قليل أن "الدفاعات الجوية السعودية تعاملت مع تهديد بصواريخ باليستية أطلقتها مليشيا الحوثي"، في تطور يكشف أن التصعيد اللفظي بدأ يترجم إلى استهداف مباشر يطول العمق السعودي، بعدما توعد يحيى سريع علنا باستهداف مطارات ومنشآت حيوية واقتصادية سعودية، وبعد تعهد وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي بالتصدي "بجميع الوسائل المتاحة" لأي اختراق جوي جديد.
ويحذر اللواء محمد عبد الواحد من أن هبوط طائرة ثانية كان يحمل أبعادا أخطر من البعد الإنساني المعلن، إذ يرجّح أن رحلات من هذا النوع، في حال فُتح الخط فعليا، ستكون محملة بخبراء عسكريين وقطع غيار وتسليح يمثل خط إمداد مباشر للحوثيين.
ورغم استبعاده الانفجار الفوري، لا يستبعد عبد الواحد كليا تحول المسار نحو حرب مفتوحة، مشترطا لذلك سيناريو "الحسابات الخاطئة"، أو تلقي الحوثيين تعليمات إيرانية بالتصعيد في حال تعرضت طهران لضغط متزايد في ملفات أخرى؛ وهو بالضبط الاحتمال الذي بدأت الصواريخ الباليستية الأخيرة تُنذر باقترابه.
في هذا السيناريو، يذهب الباحث علي الذهب -في تصريحاته للجزيرة نت- إلى أن هذا التصعيد لا يشكل امتدادا للصراع الداخلي اليمني بقدر ما هو امتداد طبيعي لما يجري في الخليج، إذ تسعى إيران -في قراءته- لنقل المواجهة أو تخفيف الضغوط عليها عبر فتح جبهات أخرى في مناطق حساسة كباب المندب والبحر الأحمر، مستدلا على ذلك بتفعيل طهران لحضورها في صنعاء عبر شخصيات من الحرس الثوري متخفية بصفة دبلوماسية.
ويكمّل أحمد الشلفي -في تصريحاته للجزيرة- هذه القراءة بتأكيده أن المرحلة الراهنة تمثل نقطة تحول جوهرية؛ فـ"قبل الطائرة وبعدها" -حسب تعبيره- اختلف المشهد كليا: إيران التي كانت تتجنب التدخل المباشر في الشأن اليمني باتت اليوم "تعبّر بشكل صريح عن تدخلها في الأجواء اليمنية وفي الشأن اليمني"، مستدلا بأنباء عن دخول سفير إيراني عبر إحدى الطائرتين.
ويمضي نصر الدين عامر في تعميق هذا الربط الإقليمي حين يصل بخطابه إلى حد وصف المواجهة بأنها "ابتزاز من الصهيونية العالمية" يوظّف ملفات قضائية غربية للضغط على الرياض، رابطا الرد الحوثي المرتقب بحالة شعبية غاضبة يتحدث عنها بخروج "الشعب اليمني إلى الشوارع بالملايين" في مختلف المحافظات مطالبين بـ"الرد الحازم على هذا العدوان" واستمرار "كسر الحصار".
ويختصر معادلة التصعيد بقوله "لا يمكن أن نسكت عليه أو نستمر فيه، حتى لو كان الثمن الموت؛ الموت البطيء من خلال الحصار أسوأ من الموت بالحرب". وهو خطاب يوظّف المواجهة الحالية ضمن سردية إقليمية أوسع تتجاوز الشأن اليمني المحلي.
ويقابل هذا الموقف تحذير عبر عنه وزير الإعلام معمر الإرياني بأن الجسر الجوي الذي تطالب به طهران ليس سوى غطاء لنمط دعم عسكري أخطر للحوثيين. وربما يعزز ذلك قراءة علي الذهب بأن الرياض تقف هنا في موقع "دفاعي" منسجم مع سياسة دول الخليج العامة تجاه محاولات طهران توسيع نفوذها عبر أذرعها.
وخلاصة رأي المحللين أن أزمة الطائرة الإيرانية تختصر أزمة اليمن الأشمل: بلد استنزفته 12 عاما من الحرب، حيث يصبح حدث كتحليق طائرة فوق مدرج مطار قابلا للتحول إلى اختبار إستراتيجي لموازين القوى الإقليمية.
وبين رهان على "إدارة تصعيد محسوب" و"صواريخ باليستية" و"حسابات إيرانية أوسع"؛ يبقى اليقين الوحيد أن ما بعد الطائرة الإيرانية لن يكون كما قبلها، وأن اليمن يقف مجددا عند مفترق طرق تتحكم في مساره حسابات أكبر من الداخل بكثير.
المصدر:
الجزيرة