آخر الأخبار

"إذا قُتلت المرأة يقولون إنها سقطت أو انتحرت"... كيف يُخفي المجتمع الباكستاني الجرائم بحق النساء؟

شارك

أقدم عامل مصعد في مستشفى حكومي بمدينة كويته على إلقاء حمض على طبيبة تبلغ من العمر 29 عاماً، تدعى محنور نصير، حين فتحت بابها.

تشهد باكستان تصاعداً مقلقاً في جرائم العنف ضد النساء، في ظل صمت مجتمعي وتلكؤ رسمي في التصدي، وفق ما نقله تقرير موسع لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وكان مقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي، قد أثار منذ أسابيع، موجةً من الجدل والصدمة في الأوساط الباكستانية. ويظهر فيه رجل (64 عاماً)، بلحيته البيضاء، وهو يعترف ببرود باللغة الأردية بارتكابه جريمة قتل زوجته، قائلاً: "قتلت زوجتي.. بيننا اتفاق قائم على الأخذ والعطاء، فلما امتنعت عن العطاء، قلتُ سآخذ".

وكان الرجل قد بادر، قبل ساعات من تسجيل المقطع، إلى مركز شرطة في حي "أورانغي" بمدينة كراتشي، حيث اعترف بقتل زوجته أسماء بيغوم (58 عاماً)، الأم لأربعة أطفال، داخل منزلهما، بسبب رفضها المعاشرة الزوجية.

جرائم متتالية في أيام معدودة

وفي اليوم التالي، أقدم عامل مصعد في مستشفى حكومي بمدينة كويته على إلقاء حمض على طبيبة تبلغ من العمر 29 عاماً، تدعى محنور نصير، حين فتحت باب شقتها.

وقد لقي الجاني مصرعه لاحقاً أثناء محاولة الشرطة القبض عليه، بعدما حاول الفرار من المدينة. ونُقلت الطبيبة، التي أصيبت بحروق في 35% من جسدها، جواً إلى كراتشي للعلاج.

وبعد يومين، وتحديداً في 7 يونيو/حزيران، عُثر على فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً فاقدة للوعي في مستشفى بمدينة جانغ بإقليم البنجاب، بعد أن ألقاها ثلاثة رجال هناك. وتمكّنت الشرطة، بفضل كاميرات المراقبة، من التعرف على المشتبه بهم، وكشفت التحريات أن الفتاة اختُطفت وخُدّرت وتعرضت لاغتصاب جماعي، قبل أن تفارق الحياة.

وفي حادثة أخرى، خلال الشهر نفسه، وقبل وفاتها بفترة وجيزة متأثرة بمضاعفات ناجمة عن إجهاض متكرر، أدلت خادمة منزل (18 عاماً) بشهادتها للشرطة في لاهور، مفادها أنها تعرضت للاغتصاب مراراً من قبل نجل صاحب عملها وسائقه.

العنف بلغ مستويات قصوى

في هذا السياق، تنقل "الغارديان" عن الدكتورة سمية سيد طارق، كبيرة الجراحين الشرعيين في دائرة الصحة بمقاطعة السند، والتي أمضت 26 عاماً في توثيق حالات العنف في نظام الطب الشرعي بكراتشي، قولها: "بلغت شدة العنف مستويات قصوى، فأصبحنا كمجتمع أكثر تحملاً وقبولاً للعنف بشكل هائل، وهذه الحالات ليست سوى غيض من فيض".

وتصف طارق مدينة كراتشي بأنه "بيئة خصبة" للجريمة، لكونها تحتضن مختلف الشعوب والثقافات، مشيرة إلى أن المدينة تعكس أشكالاً متعددة من العنف الممارس ضد النساء الباكستانيات، وهو عنف غالباً ما يُخفى، أو يُبلّغ عنه بشكل ناقص، أو لا يُبلّغ عنه البتة.

وتضيف: "إذا قُتلت المرأة، يسارع ذووها إلى القول إنها سقطت، أو تناولت سماً، أو أحرقت نفسها، أو انتحرت. وفي الحالة الأخيرة، غالباً ما يُدبّرون المشهد بأكمله بتعليق وشاح خفيف من مروحة السقف".

وتقول طارق إنه فضلاً عن تقديم المعلومات الغامضة، يظل رفض الأسر إجراء تشريح الجثة أحد أكبر العوائق، موضحة: "يُحدثون ضجة كبرى، مع أن ذلك مخالف للقانون، لأنهم لا يريدون أن نؤكد ما نكنّه من شكوك".

ويؤكد حجم هذا العنف الخفي، بحسب المتحدثة، الحاجة الماسة إلى توثيق أفضل، قائلة: "نحتاج إلى إحصاء هؤلاء النساء من أجل وضع سياسات لحمايتهن". وهي تعمل حالياً على إنشاء "مرصد للقتل العمد للنساء" (فيميسايد)، والذي سيكون الأول من نوعه في باكستان، بل وربما في جنوب آسيا، لرصد جرائم القتل المتعمد للنساء.

العنف الجنسي لدى الأزواج

وفي حالات العنف الجنسي داخل إطار الزواج، والتي تُعد من أكثر الجرائم إخفاءً وقلّة في الإبلاغ، تكشف الدكتورة سمية سيد طارق حقيقةً مريرة، إذ تقول: "لا نعلم بهذه الحالات إلا عندما تصل المرأة إلى المستشفى وهي في حالة حرجة، فغالباً ما تظل المعاناة خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن أي تدخل". وتضيف: "حتى حين تجد المرأة الشجاعة لتتكلم، يواجهها جدار من الريبة وعدم التصديق، سواء من الأطباء أو رجال الشرطة، أو حتى القضاة، الأمر الذي يثنيها عن الاستمرار في طريقها نحو العدالة، ويجعل الإبلاغ عن هذه الجرائم نادراً جداً، فتظل الضحية تعاني في صمت حتى يصل بها الأمر إلى مرحلة قد لا يُنفع معها العلاج".

وتعرب طارق عن دهشتها وألمها مما تراه، وتتساءل بحسرة: "كيف يمكن أن يصل بنا الأمر إلى هذا الحد؟ فحين نتجرد من أدنى درجات الاحترام الإنساني، أين تبقى معاني الرفقة والصداقة التي يفترض أن تقوم عليها العلاقة الزوجية؟". وتخلص إلى أن هذه المأساة تعكس خللاً عميقاً في النظرة إلى المرأة داخل المجتمع، إذ لا يراها البعض إلا كشيء، لا كإنسان له كرامته وحقوقه.

وترى الأخيرة أن هذه المواقف ليست مجرد أعراض عابرة، بل مؤشرات لمرض مجتمعي عميق، قائلة: "يجب أن نصل إلى الجذور الحقيقية للعنف، إنه ليس تسرباً يمكن سده، بل انهيار نظامي شامل". وتشير إلى أن العدوانية لم تعد مقتصرة على الجرائم التي تحقق فيها، بل أصبحت ظاهرة في التفاعلات اليومية. وتضرب مثالاً بلطف: "شقتي تطل على حديقة، أرى فتياناً يرشقون الكلاب بالحجارة، ويضربون بعضهم بالشبشب كأنه لعب، والأرجوحات محطمة بفعل سوء استخدامهم".

وتؤكد الطبيبة أن ضحايا العنف لا ينتمون لفئة واحدة، بل يأتين من كل الطبقات والخلفيات، وتفنّد ذلك بأنها "خرافة". وتختتم قائلة: حاجة الناجيات الأكثر إلحاحاً ليست دوماً العلاج أو المحامي، بل "شخص يصدقهن".

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا