شهدت جزيرة بركانية في إندونيسيا ثوراناً هذا الأسبوع، أطلق أعمدة من الرماد بلغ ارتفاعها 250 متراً، بحسب وسائل إعلام محلية.
وذكرت التقارير، نقلاً عن الهيئة الجيولوجية في البلاد، أن بركان أناك كراكاتوا ثار مرة يوم الثلاثاء ومرتين يوم الأربعاء. وقالت مجموعة تراقب النشاط البركاني في المنطقة إنه لا يشكل خطراً فورياً على التجمعات السكانية القريبة.
وقد نشأت جزيرة أناك كراكاتوا البركانية عام 1927 من داخل فوهة ضخمة تحت الماء تعرف باسم "كالديرا"، خلفها ثوران بركان كراكاتوا عام 1883، وهو ثاني أكثر الثورات البركانية فتكاً في التاريخ المسجل. ويعني اسم أناك كراكاتوا حرفياً "ابن كراكاتوا".
وأودى ثوران عام 1883 بحياة أكثر من 36 ألف شخص، وسوّى 165 قرية بالأرض، وكل ذلك في أقل من 48 ساعة.
كما أحدث ما يعد على نطاق واسع أعلى صوت سُجّل في التاريخ، إذ سمعه أشخاص على بعد آلاف الأميال. وقذف أيضاً كميات هائلة من الرماد أدت إلى انخفاض درجات الحرارة حول العالم لسنوات.
تعود بي بي سي في هذا التقرير إلى وقائع واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في التاريخ المسجل.
وفي مايو/أيار 1883، ظهرت أولى بوادر الكارثة الوشيكة، بحسب المراكز الوطنية الأمريكية للمعلومات البيئية.
فقد لمح قبطان سفينة حربية ألمانية، أثناء مروره قرب كراكاتوا، سحباً من الرماد والغبار تتصاعد منها.
وكانت الجزيرة البركانية، حتى ذلك الحين، خامدة منذ نحو 200 عام.
وخلال الأشهر التالية، سجلت سفن تجارية وسفن أخرى مشاهدات مماثلة.
ثم في 26 أغسطس/آب بدأت الثورات البركانية الكارثية.
وأدى أول ثوران هائل لبركان كراكاتوا إلى اندفاع كميات ضخمة من الحمم البركانية وحجر الخفاف والرماد إلى البحر، مما تسبب في موجة مدّ بحري (تسونامي) اتجهت شمالاً وأودت بحياة آلاف الأشخاص.
وفي غضون ساعة واحدة، وصل ارتفاع عمود الرماد إلى 30 ميلاً (48 كم) وبدأ ينتشر في جميع الاتجاهات.
وعند ذروته، امتد العمود لمسافة 50 ميلاً (80 كم) في السماء، مغطياً مساحة 300 ألف ميل مربع، ومُغرقاً المنطقة في ظلام دامس استمر لأكثر من يومين، وذلك بحسب المراكز الوطنية الأمريكية للمعلومات البيئية.
وشاهد سيدني بيكر الثوران من سفينة والده عندما كان طفلاً، وروى ما حدث في أواخر حياته.
وقال لبي بي سي عام 1946: "بدا الهواء ممتلئاً بالغبار إلى درجة أننا خشينا الاختناق".
وأضاف: "اشتد الظلام حتى إنك لم تكن تستطيع رؤية يدك أمام وجهك. وبدأ الرماد يتساقط حول السفينة وفوقها وفي الماء، وتراكمت على سطحها طبقة بلغ سمكها نحو ست أو سبع بوصات".
ووصف صوت الانفجارات بأنه "لا يصدق"، مضيفاً: "تعجز الكلمات عن وصف الضجيج والفوضى".
وقال سايمون وينشستر، مؤلف كتاب "كراكاتوا: اليوم الذي انفجر فيه العالم"، إن عدة انفجارات وقعت في 27 أغسطس/آب، قبل "انفجار هائل" عند الساعة 10:02 صباحاً.
وبحسب المراكز الوطنية الأمريكية للمعلومات البيئية، سمع دويه في أستراليا وجزيرة موريشيوس، على بعد أكثر من 2800 ميل، أي نحو 4600 كيلومتر.
وقال وينشستر في بودكاست "شهادة على التاريخ" التابع لبي بي سي عام 2010: "تبخرت الجزيرة بأكملها تقريباً، بما يعادل ستة أميال مكعبة من الصخور، في انفجار قذف حجر الخفاف والرماد إلى ارتفاع 17 أو 18 ميلاً، ثم اختفت الجزيرة".
وأضاف: "خلف الانفجار لثوان فجوة هائلة في البحر، ثم امتلأت بتريليونات الأطنان من المياه. وبسبب الحرارة الشديدة في الأعماق، تبخرت المياه فوراً وتحولت إلى بخار، ما تسبب في سلسلة من موجات تسونامي هائلة".
وكانت موجات تسونامي الجزء الأكثر فتكاً من الكارثة، إذ تسببت في مقتل 34 ألفاً من أصل 36 ألف شخص.
وتذكر سيدني بيكر أنه توجه مع والده إلى مدينة أنجر، على الساحل الغربي من مقاطعة بانتن في إندونيسيا.
وقال: "كانت المياه قد غمرت المدينة بالكامل".
وأضاف: "سمعت والدي يقول إن المياه غمرت الفندق الذي كان يقيم فيه إلى درجة أنه كان يستطيع الإبحار بالسفينة فوقه، وإنزال المرساة عبر مدخنته".
ونجا بعض الناس من موجات تسونامي بعدما فروا إلى التلال.
لكنهم ظلوا معرضين للتدفقات البركانية الفتاتية التي اجتاحت المنطقة لاحقاً، وهي كتل سريعة الحركة من الغازات البركانية الساخنة والرماد وقطع الصخور، تتحرك قرب سطح الأرض.
ولم تنته آثار ثوران كراكاتوا بعد تلك الساعات الثماني والأربعين. فقد انتشر الرماد حول العالم، وشكل هالة حول الشمس والقمر، وخفف وصول أشعة الشمس إلى سطح الأرض.
وأدى ذلك إلى انخفاض درجات الحرارة العالمية بما يصل إلى 0.5 درجة مئوية، واستغرق عودتها إلى مستوياتها الطبيعية خمس سنوات، بحسب المراكز الوطنية الأمريكية للمعلومات البيئية.
كما تسببت الجسيمات العالقة في الغلاف الجوي في ظهور شروق وغروب بلون أحمر في أنحاء العالم، لأنها شتتت الضوء بطريقة مختلفة عن المعتاد. وظهرت هذه الظاهرة في لوحات رسمت في تلك الفترة.
ويعتقد بعضهم أن السماء الحمراء في لوحة "الصرخة" للفنان إدفارت مونك ربما استلهمت من آثار ثوران كراكاتوا.
ورغم الدمار الهائل الذي سببه ثوران كراكاتوا، إلا أنه كشف لنا حقيقة أساسية عن كوكبنا.
فقبل الثوران، لم يكن أحد يعرف بوجود التيارات النفاثة، وهي تيارات هوائية غير مرئية تتحرك في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، وتؤدي دوراً مهماً في الطقس. وقد ساعد انتشار آثار كراكاتوا في الغلاف الجوي على اكتشافها.
وقال سايمون وينشستر: "كان هذا أول حدث تدرك فيه البشرية، بوعي علمي، أن كارثة واحدة يمكن أن تؤثر في العالم كله".
وأضاف: "ومن هنا بدأ إدراك أن العالم كيان مترابط. فالقضايا التي نعدها اليوم بديهية، مثل الاحتباس الحراري وارتفاع مستوى سطح البحر، تعود جذورها إلى هذا الوعي بترابط العالم. وقد ولد هذا الوعي مع ثوران كراكاتوا".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة