تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان في السودان، حيث المعركة الدائرة حولها لا تبدو مجرد سباق للسيطرة على مدينة استراتيجية بل مواجهة أكثر تعقيدا.
وتتداخل العمليات العسكرية حول المدينة مع حرب نفسية وإعلامية تزامنا مع تحذيرات أممية من كارثة إنسانية جديدة قد تضيف فصلا آخر إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وتكتسب الأبيض أهمية استثنائية بوصفها عقدة مواصلات تربط وسط السودان بغربه، وقاعدة لوجستية رئيسية لأي عمليات عسكرية في إقليم كردفان.
ولهذا السبب تحولت مدينة الأبيض خلال الأسابيع الأخيرة إلى محور رئيسي في الخطاب الإعلامي والسياسي للأطراف المتحاربة بالتوازي مع تصاعد التحذيرات من احتمال اتساع رقعة القتال حولها.
ومع اقتراب خطوط المواجهة من الأبيض، برزت معركة أخرى لا تقل تأثيرا عن المعارك العسكرية، تتمثل في "معركة الرواية".
فبينما تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية عن تدهور الأوضاع، تتحدث مصادر محلية وتقارير إعلامية عن فرض قيود على حركة المدنيين ومنع أعداد منهم من مغادرة المدينة، في مقابل استمرار الحشد العسكري للجيش والجماعات المتحالفة معه داخلها الأمر الذي يضاعف مخاوف السكان إذا اتسعت العمليات القتالية.
وبحسب إفادات نقلتها وسائل إعلام محلية وشهادات ميدانية، مُنع العديد من المدنيين من مغادرة الأبيض رغم إعلان قوات تحالف السودان التأسيسي عن فتح ممرات آمنة للخروج من مناطق الاشتباكات، في حين تحدثت تلك المصادر عن السماح بخروج أسر بعض المسؤولين والضباط وهي معلومات لم يصدر بشأنها تعليق رسمي يوضح أسباب هذه الإجراءات أو معاييرها.
ويقول محللون إن استمرار وجود تشكيلات عسكرية كبيرة داخل مدينة مكتظة بالسكان يجعل أي مواجهة محتملة أكثر خطورة على المدنيين، خصوصا مع اعتماد الأطراف المتحاربة بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة بعد تسجيل ارتفاع كبير في أعداد الضحايا المدنيين نتيجة الهجمات الجوية خلال الأشهر الأخيرة.
وفي المقابل، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى "ساحة حرب موازية"، حيث تنتشر بصورة متسارعة مقاطع مصورة ورسائل وتحذيرات متضاربة يصعب التحقق من الكثير منها.
ويرى مختصون أن تضخم الروايات غير الموثقة يسهم في نشر الذعر، ويدفع المدنيين إلى اتخاذ قرارات مصيرية تحت ضغط الخوف بما في ذلك النزوح المبكر أو تخزين الغذاء والدواء حتى قبل وقوع أي هجوم واسع.
هذا المشهد دفع مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إلى التحذير من أن المؤشرات الصادرة من الأبيض تنذر بإمكانية تكرار أنماط الانتهاكات التي شهدتها مدن سودانية أخرى خلال الحرب، داعيا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لمنع وقوع كارثة جديدة.
كما أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عقد جلسة خاصة واتخاذ خطوات للتحقيق في الانتهاكات المرتبطة بالأحداث الجارية حول المدينة.
ويرى مراقبون أن الأزمة في الأبيض تعكس التحول الذي شهدته الحرب السودانية منذ اندلاعها، فالمعركة لم تعد في السيطرة على الأرض فقط، بل امتدت إلى الهيمنة على السردية الإعلامية وكسب الرأي العام المحلي والدولي.
وبينما تتواصل التعبئة العسكرية والتراشق الإعلامي، يبقى المدنيون الطرف الأكثر عرضة لدفع ثمن الصراع في مدينة أصبحت تمثل اليوم أحد أخطر بؤر الأزمة السودانية وأكثرها حساسية.
وفي السياق، يفيد محللون للأوضاع في السودان بأن جذور الأزمة الحالية تعود إلى 25 أكتوبر 2021 عندما أطاح الجيش السوداني بالحكومة الانتقالية المدنية برئاسة عبد الله حمدوك وحل مؤسسات المرحلة الانتقالية التي تشكلت بعد سقوط نظام البشير وهو انقلاب اعتبرته الأمم المتحدة ودول غربية انتكاسة للمسار الديمقراطي، وأدى إلى تعميق الانقسام السياسي والأمني الذي سبق اندلاع الحرب الحالية.
كما يوضح المحللون أن الأزمة تعمقت في أبريل 2023 مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وقد دخلت عامها الرابع مع تصاعد الهجمات وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين وسط تنديد من المجتمع الدولي ومطالبات بوقفها لتجنب المزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم