في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تغرق العاصمة الكوبية هافانا في طبقات من الظلام الدامس إثر انقطاع تام ومتكرر للتيار الكهربائي، يرافقه شلل غير مسبوق في تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
وجاء هذا التدهور الميداني الحاد عقب خروج محطة الكهرباء المركزية وأكثر من 100 محطة فرعية عن العمل في البلاد نتيجة توقف إمدادات النفط إليها، وسط اتهامات رسمية من كوبا للولايات المتحدة بتشديد العقوبات وفرض "حصار طاقة" خانق.
ويقول حسان مسعود، في تقرير أعده للجزيرة، إن هذا الواقع المأزوم حوّل شوارع العاصمة وأرصفتها المطلة على البحر الكاريبي إلى ملاجئ مفتوحة لعائلات فرّت من عتمة بيوتها الضيقة التي تحولت إلى أماكن غير قابلة للعيش.
ووفق أديلدو، وهو عضو في الحزب الشيوعي عاصر بدايات الثورة، فإن تشديد العقوبات في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قطع كل شيء عن الجزيرة وفرض حصارا يفضي إلى كارثة إنسانية حقيقية تهدف إلى القضاء عليهم.
على المستوى الميداني، يرصد الواقع اليومي في هافانا حجم المعاناة الحقيقية التي يتكبدها المواطنون جراء غياب النور. ويروي الأهالي للجزيرة قضاء أكثر من 48 ساعة متواصلة دون تيار كهربائي، بينما لا تزيد فترات التغذية في أحسن الأحوال عن ساعة إلى ساعة ونصف فقط في اليوم الواحد، وهو نمط من الانقطاع يؤكد الأهالي أنهم لم يروه طوال حياتهم.
ويعبر المواطنون بمرارة عن هذه المعادلة بالإشارة إلى أن غياب الوقود الناجم عن المقاطعة الأمريكية الموجهة ضد الحكومة يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي يتحمل العبء والمعاناة وحده.
وقد دفعت ندرة البدائل وغياب الحلول الرسمية بالسكان إلى ابتكار حلول اضطرارية لحماية مصادر رزقهم، إذ قامت المواطنة إيلين بصحبة صديقتها بتحويل مولدها الكهربائي للعمل بواسطة غاز الطهي -رغم شحه الشديد في البلاد- لتشغيل ثلاجة متجرها التي تمثل مصدر دخلها الوحيد، مخاطرة في الوقت ذاته بفساد محتويات ثلاجة منزلها التي بقيت دون طاقة.
وفي الأحياء المكتظة وسط العاصمة هافانا، يحاول الناس البقاء خارج بيوتهم الضيقة لاستنشاق بعض الهواء هربا من الاختناق الداخلي، إلا أن هذا الهروب يصطدم بتلوث حاد للأجواء في تلك الأزقة، نظرا لاضطرار السكان لحرق نفاياتهم المتراكمة نتيجة أزمة الوقود الحادة التي تشل آليات النظافة والتخلص من المخلفات، وهي مشاهد تبرز بوضوح في النهار وتزداد جلاء مع حلول الليل.
ومع غياب مصدر النور الطبيعي، يجد الكوبيون أنفسهم محاصرين بطبقات من الظلام الدامس الذي يشتت شمل العائلات، حيث يقضي المواطن بييرو لياليه وحيدا على باب مسكنه المعتم، بعدما اضطر لإرسال زوجته وابنه الرضيع إلى منزل جار يمتلك مروحة تعمل ببطارية شحن، نظرا لأن المروحة التي ابتاعها خصيصا لطفله لا تعمل بنظام الشحن الكهربائي المتوقف أصلا.
في المقابل، تحولت بعض الشوارع المرفهة نسبيا، والتي تعمل مصابيحها القليلة بنظام الطاقة المتجددة، إلى ملاجئ مفتوحة في الهواء الطلق لضحايا العتمة.
وتجسد عائلة ماريا هذا الواقع المرير، إذ اضطرت مع أبنائها وحفيدتها الأولى لافتراش رصيف مسكنها وإخراج أمتعتهم إلى الشارع لعدم قابلية بيوتهم المظلمة والداخلية للعيش أو النوم.
وأمام هذا الانسداد، بات رصيف البحر الكاريبي المتنفس الأوسع والأخير لآلاف الباحثين عن فسحة من حياة، وسط غياب تام لمعالم أي طريق واضح نحو النجاة.
ويعود المشهد المعقد في الجزيرة الكاريبية الصغيرة إلى أكثر من 6 عقود، حين اتجهت كوبا نحو الخيار اليساري والاشتراكي وأممت المصالح الأمريكية، ثائرة على إرث جارتها الرأسمالية الأكبر والأقرب.
وأدخل هذا المسار التاريخي البلاد في دائرة عقوبات ممتدة حاصرت مقدراتها على مدى سنوات، إلا أن العداء التاريخي بين الجانبين بات يأخذ اليوم منعطفا خطيرا ينعكس مباشرة في عصب الطاقة والبنية التحتية.
وقد اشتدت هذه الأزمة وتصاعدت حدتها بالتزامن مع انقلاب الواقع السياسي والميداني في فنزويلا، التي تعد أكبر الداعمين وموردي الطاقة لكوبا، إذ واجهت كاراكاس تدخلا عسكريا مباشرا وتهديدات مستمرة من الإدارة الأمريكية، شملت التلويح بأن تكون الجزيرة الكاريبية الشيوعية هي الوجهة التالية لواشنطن، مع توجيه اتهامات لحكومتها بالإرهاب.
وفي مواجهة هذا التصعيد الممنهج، جدد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز باريا رفض بلاده وتنديدها بالعدوان الأمريكي والتهديدات بتنفيذ عدوان عسكري مباشر، رافضا تواصل تشديد حصار الطاقة، ووصف ممارسات واشنطن تجاه شعبه بأنها عمل إبادة وعقاب جماعي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة