آخر الأخبار

الزلازل تفتح أحضان فنزويلا لتل أبيب

شارك

بعد الزلزالين المزدوجين بقوة 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر، اللذين شهدتهما فنزويلا مؤخرا، يواجه الرئيس الأمريكي ترمب، أوضح اختبار لترجمة مدى استعداد إدارته لدعم فنزويلا، الدولة التي لم يجد حرجا في اعتبارها الولاية الأمريكية رقم 51 بعد اعتقال رئيسها السابق نيكولاس مادورو بداية السنة الجارية.

ورغم أن الحصيلة الأولية للأضرار البشرية والمادية للفاجعة، تنذر بفاتورة يصعب على الفنزويليين سدادها، تنشغل إدارة ترمب في هذه الفترة الحرجة، بالحديث عن أخبار عودة صندوق النقد الدولي لإقراض فنزويلا، والترحيب بالوفد الإسرائيلي في كاراكاس، بعد سنوات من القطيعة.

ووسط الحزن الذي يخيم على المزاج العام في فنزويلا هذه الأيام، تشتد الأزمة لدى أنصار الزعيم الراحل هوغو شافيز وتتضاعف، بسبب تهاطل الانكسارات عليهم منذ اعتقال رئيسهم مادورو في ظروف لم تتضح أسرارها بعد، والانحراف الجذري الذي اتبعته حكومة ديلسي رودريغيز المؤقتة.

وهو انحراف تقبله البعض على مضض، تحت حجج الإرغامات، وتغليب مصلحة البلاد وتجنيبها كلفة حرب، لكن البعض الآخر يرفضه ويتهم رودريغيز بالخيانة، لا سيما لحظة اقترافها خطيئة استعادة العلاقات مع الحكومة الإسرائيلية، ومغازلة رموزها في وقت يتمتع فيه الفنزويليون بالحد الأدنى من النضج السياسي للتمييز بين حبيبهم وعدوهم.

لم يبتعد موقف واشنطن من الكارثة التي حلت بفنزويلا، عن توقعات الفنزويليين، حيث إن الرئيس ترمب لم يظهر أدنى تعاطف معهم في مصابهم، وهو الذي بنى روايته في تخليصهم من "الدكتاتور مادورو"، على أنهم شعب يحتاج إلى العيش بكرامة

وصول أو وفد اسرائيلي

فقد أعلنت الرئيسة المؤقتة رودريغيز في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، عن وصول فريق رسمي إسرائيلي وصفته بـ"المحترف والمدرب للغاية" للمساعدة في الجهود الدولية لعمليات إنقاذ الضحايا، وأشارت إلى أن وصول الفريق جاء بفضل التواصل مع الحاخام الأكبر لفنزويلا إسحاق كوهين، والحكومة الإسرائيلية، ومع الجالية اليهودية، في فنزويلا، التي لا يتجاوز عددها 6 آلاف.

إعلان

وزارة الخارجية الفنزويلية أيضا، نشرت تغريدة لوزيرها، إيفان جيل، رحب فيها بوصول الفريق، ووضح أنه لجنة مكونة من خبراء في الهندسة الإنشائية والعلوم التطبيقية، متخصصة في أعمال تقييم البنية التحتية المتضررة بعد الزلازل.

على الجانب الآخر، شارك وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تغريدة على منصة " إكس" لوزارة الخارجية الإسرائيلية شكرت فيها رودريغيز "على تقديرها لجهود فريق البحث والإنقاذ الإسرائيلي". وأضاف ساعر: "يعرب هذا الوفد عن الالتزام الأخلاقي لدولة إسرائيل بتقديم المساعدة الإنسانية للشعوب التي عانت من الكوارث الطبيعية. قلوبنا مع العائلات التي فقدت أحباءها ومع الجرحى" .

هذه الرسائل وإن ظهرت بروتوكولية، فقد استفزت أنصار الزعيم الراحل شافيز، الذين تساءلوا عن التناقض الصارخ في المهمة التي تشيد بها رودريغيز للفريق الإسرائيلي، وحقيقة ما تقترفه حكومتهم ضد الفلسطينيين، متسائلين: كيف لوفد يمثل حكومة إبادة ويمنع وصول فرق الإنقاذ والإسعاف لنجدة الضحايا الفلسطينيين من التفجيرات الإسرائيلية، أن يهب لإنقاذ الضحايا الفنزويليين من تحت ركام الزلازل؟

وتأتي موجة الغضب العارم على رودريغيز وحكومتها المؤقتة، بعد موجة أقل حدة سابقة، عقبت نشر موقع بلومبيرغ أن فنزويلا أرسلت أول شحنة من النفط الخام إلى إسرائيل منذ منتصف عام 2020، في خطوة زعم الموقع أنها مؤشرات بداية تطبيع لحكومة مادورو في ذلك الوقت مع حكومة إسرائيل.

لكن في الحقيقة- وإن أنكرت الحكومة الفنزويلية وقتها الخبر- أن حكومة رودريغيز سمحت في فبراير/شباط الماضي بتصدير أول شحنة نفط خام لإسرائيل، وذلك بعد 17 عاما من قرار الرئيس السابق شافيز قطع علاقات بلاده مع إسرائيل؛ احتجاجا على عملية الرصاص المصبوب ضد الفلسطينيين.

أعلنت الرئيسة المؤقتة رودريغيز في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، عن وصول فريق رسمي إسرائيلي وصفته بـ"المحترف والمدرب للغاية" للمساعدة في الجهود الدولية لعمليات إنقاذ الضحايا، وأشارت إلى أن وصول الفريق جاء بفضل التواصل مع الحاخام الأكبر لفنزويلا إسحاق كوهين

إزاحة مادورو تكفي

على صعيد آخر، لم يبتعد موقف واشنطن من الكارثة التي حلت بفنزويلا، عن توقعات الفنزويليين، حيث إن الرئيس ترمب لم يظهر أدنى تعاطف معهم في مصابهم، وهو الذي بنى روايته في تخليصهم من "الدكتاتور مادورو"، على أنهم شعب يحتاج إلى العيش بكرامة، وبعيدا عن "الفاسدين وتجار المخدرات الذين يحكمونهم" وفق قوله.

واكتفى الرئيس ترمب غداة الزلزالين، بكلمة عن فنزويلا لم تتجاوز الدقيقتين، ألقاها في مؤتمر السياسات الذي نظمه تحالف "الإيمان والحرية"، وصف فيها الكارثة بأنها فظيعة، ومر للثناء على حكومة رودريغيز، واصفا إياها بالمتعاون الجيد، واعتبر أن فنزويلا منذ يناير/كانون الثاني أصبحت تعيش زمنا جديدا، يشعر فيه الفنزويليون بالسعادة والاطمئنان، ويرقصون فرحا، باستثناء أولئك الذين يقطنون في مناطق الزلازل.

وكعادته، لم يفوت ترمب الفرصة، للإشادة بالأرباح التي جنتها الولايات المتحدة من "انتزاع" ملايين براميل النفط من فنزويلا، مؤكدا أن ذلك كان أكثر من كافٍ لتغطية الحرب على إيران. وللتذكير فإن الرئيس ترمب كان قد صرح في وقت سابق بأن الولايات المتحدة دفعت بالفعل 28 ضعف تكلفة الحرب، من خلال استخراج ملايين البراميل من نفط فنزويلا.

إعلان

وقد حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بعد ذلك، تخفيف وقع تصريح رئيسه في وقت صعب جدا على الفنزويليين، وأعلن عن تخصيص بلاده مساعدة بقيمة 150 مليون دولار، إضافة إلى إرسال أجهزة ومعدات ولجان مختصة في الإنقاذ، ليبلغ بهذا، إجمالي المساعدات الدولية 200 مليون دولار.

في المقابل، تجاوزت قيمة الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية والمباني 37 مليار دولار، وفقا لتقديرات مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، وهذا ما يجعل إجمالي المساعدات غير كافٍ لتغطية حتى 1% من الأضرار المادية التي تم تحديدها بالفعل في المباني والبنية التحتية والخدمات.

وتتضاعف أزمة فنزويلا المالية في الوقت الحالي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن صندوق النقد الدولي كان قد استأنف العلاقات مع الحكومة الفنزويلية المؤقتة في أبريل/نيسان، بعد تعليقها في عام 2019، بهدف التركيز على قضايا مثل تبادل بيانات الاقتصاد الكلي لفنزويلا.

وقد شرعت كاراكاس رسميا في مايو/أيار في النظر جديا في عملية إعادة هيكلة للدين العام وديون شركة البترول الحكومية "PDVSA"، التي تمثل شريان حياة البلاد. وكان أخصائيون، قد قدروا قبل حدوث الزلزالين، أن إعادة هيكلة ديون فنزويلا، إن تمت، فسوف تكون أكبر من عمليات إعادة الهيكلة الكبرى في اليونان أو الأرجنتين، غير أنها ستكون أكثر تعقيدا، لأسباب تقنية مثل قاعدة حاملي السندات والدائنين المجزأة للغاية، والمقرضين الثنائيين (وخاصة الصين) والديون التجارية المرتبطة بالنفط.

ووفقا لتقرير حديث لصحيفة فايننشال تايمز، يرجح أن يتراوح حجم الدين الخارجي لفنزويلا بين 200 مليار دولار و240 مليارا. وبالتالي، فإن مستجدات كارثة الزلزالين الأخيرين وتداعياتها، سوف تجعل الوضع المالي أكثر سوءا، وهو ماينذر بتكالب الجهات المقرضة على البلد المنكوب، لتحكم قبضتها عليه إلى الأبد.

لا يخفى على أحد أن ترمب يعد أكبر المستفيدين من كارثة فنزويلا، حيث لم يخف يوما نيته في التحكم بنفطها، طوال ما تبقى من فترة ولايته الرئاسية، ويبدو أن الأقدار عجلت بالحصاد

استحواذ أمريكي

يحدث كل هذا وسط تغييب ممنهج من وسائل الإعلام الغربية لموضوع استمرار أموال فنزويلا المجمدة في الخارج (بقرار أمريكي) والتي تتراوح بين 30 مليار دولار و40 مليارا وفق تصريحات سابقة للرئيس مادورو، وتغاضٍ مريب عن استحواذ الإدارة الأمريكية على حوالي 70% من عائدات النفط الفنزويلي المنساب بغزارة في الستة أشهر الأولى من السنة الجارية، حسب تصريح لأينستن ميلان أرسيا، المدير السابق لشركة البترول الفنزويلية الحكومية.

وإذا سلمنا باستمرار حرمان فنزويلا من استعادة أموالها المجمدة أو استفادتها من عائدات النفط، وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع، فلا غرابة من أن تواجه البلاد مصير هاييتي، البلد الممزق الذي دخل في دائرة الانهيار الكبير بعد زلزال 2010 الكارثي، بمباركة القوى الانتهازية الكبرى.

ووسط كل الدمار الذي تعيشه فنزويلا هذه الأيام، ما زال أغلب الفنزويليين يشعرون بالغضب تجاه الإدارة الأمريكية التي أزاحت الرئيس مادورو وأعربت عن رضاها التام عمن تبقى من أعضاء الحكومة المؤقتة لتأمين مرور المرحلة الانتقالية الحالية، لكنها لم تقدم شيئا للفنزويليين، ولو من خلال الإفراج عن جزء من أموالهم المجمدة في الخارج، لتغطية الخسائر الهائلة التي سببها الزلزالان.

وسواء كانت هاييتي أو فنزويلا، فنحن بصدد متابعة مثال حي لما يسمى في علم الاقتصاد السياسي، بـ"عقيدة الصدمة"، وفق تعبير الكاتبة الكندية نعومي كلاين في كتابها "عقيدة الصدمة، رأسمالية الكوارث"، الذي خصصته لشرح كيف يتم استغلال الحروب والكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، لتمرير سياسات اقتصادية جذرية تسطرها قوى كبرى، لرسم حاضر ومستقبل هذه البلدان المنهارة.

إعلان

ولا يخفى على أحد أن ترمب يعد أكبر المستفيدين من كارثة فنزويلا، حيث لم يخف يوما نيته في التحكم بنفطها، طوال ما تبقى من فترة ولايته الرئاسية، ويبدو أن الأقدار عجلت بالحصاد، وفتحت أبواب كاراكاس على مصراعيها له ولصندوق النقد الدولي وإسرائيل وكل الجهات المتربصة بخيرات البلد المنكوب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا