أعلنت بكين أن إحدى غواصاتها أجرت أمس (الاثنين السادس من يوليو/ تموز 2026) تجربة لإطلاق صاروخ "استراتيجي" يحمل رأسا حربيا وهميا في المحيط الهادئ، الأمر الذي سارعت دول المنطقة إلى إدانته. ونفّذت الصين هذا العرض النادر لقوتها العسكرية في اليوم نفسه الذي وقّعت فيه أستراليا وفيجي اتفاقا دفاعيا مهما يعزز تعاونهما، في وقت تسعى كانبيرا لمواجهة طموحات الصين الى توسيع نفوذها في منطقة جنوب المحيط الهادئ ذات الموقع الاستراتيجي.
وجاءت تجربة الاثنين بعد عامين من إطلاق "قوة الصواريخ" الصينية النخبوية رأسا حربيا وهميا في البحر بالقرب من بولينيزيا الفرنسية في أيلول/ سبتمبر 2024، في أول عملية إطلاق لصاروخ بعيد المدى فوق المياه الدولية منذ أكثر من 40 عاما. وقال الناطق باسم البحرية الصينية وانغ شيويه منغ إن "غواصة نووية استراتيجية تابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي الصيني أطلقت بنجاح في الساعة 12.01 من ظهر السادس من تموز/ يوليو... صاروخا استراتيجيا يحمل رأسا حربيا تدريبيا نحو أعالي البحار بالمحيط الهادئ"، موضحا أنه "سقط بدقة في المنطقة البحرية المحددة".
أعربت الولايات المتحدة عن "قلقها البالغ" إزاء تجربة الصاروخ الصيني. وجاء في بيان لوزارة الخارجية الأميركية "في وقت تبذل الولايات المتحدة جهودا حثيثة أكثر من أي وقت مضى لمنع الانتشار النووي، تقوم الصين بالعكس تماما. إن التوسع السريع والمبهم لترسانة بكين النووية يشكل مصدرا لقلق بالغ للمنطقة وللعالم". ودعت ودعت واشنطن الصين إلى "الانخراط في مناقشات جوهرية حول الحد من التسلح".
وكانت الولايات المتحدة دعت في شباط / فبراير الماضي إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف للحد من الأسلحة النووية تشمل بكين، بعد انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين واشنطن وموسكو والذي أثار مخاوف من حدوث سباق انتشار نووي. وكانت معاهدة "نيو ستارت" آخر معاهدة للحد من الأسلحة بين القوتين النوويتين الرئيستين، الولايات المتحدة وروسيا. وتتّهم واشنطن روسيا والصين بإجراء تجارب سرية. وفي تشرين الأول / أكتوبر 2025، أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف تجاربها النووية الأولى منذ العام 1992، وذلك بحسبه، ردا على تجارب أجرتها دول أخرى.
رجّح المحلل البحري المتخصص في تحديث الجيش الصيني أليكس لاك في تصريح لوكالة فرانس برس أن تكون التجربة الجديدة لصاروخ بالستي متطور يُطلق من الغواصات "جي إل-3"، وهو نسخة بعيدة المدى من صاروخ "جي إل-2" الصيني. وظهر صاروخ "جي إل-3" ضمن عرض عسكري في بكين في أيلول / سبتمبر الفائت. إلا أن لاك رأى أن "من المحتمل بالقدر نفسه" أن تكون التجربة أُجريت لصاروخ "جي إل-2".
وأشار الناطق باسم البحرية الصينية في بيانه الذي نُشر على حساب البحرية عبر تطبيق "ويتشات" إلى أن "عملية إطلاق الصاروخ التجريبية هذه تُعد إجراء روتينيا ضمن التدريبات العسكرية السنوية للصين، وقد جرى إخطار الدول المعنية مسبقا". وقال وزير الخارجية النيوزيلندي وينستون بيترز إن عملية الإطلاق نُفِّذت "في غضون ساعات" من إبلاغ بلاده بها. واضاف في بيان "إن المحيط الهادئ هو محيط السلام، ونشعر بقلق بالغ إزاء اختبار الصين أسلحة قادرة على حمل رؤوس نووية في جنوب المحيط الهادئ"، مضيفًا أن هذا الإطلاق "لا يتماشى مع الاستقرار الإقليمي".
وتخوفت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ من أن تؤدي التجربة الصينية إلى "زعزعة استقرار" المنطقة، فيما أعربت اليابان عن "قلق بالغ إزاء تصاعد الأنشطة العسكرية الصينية".
واعتبرت تايوان أن الصين "تستعرض قوتها العسكرية عمدا، وتُصعِّد التوترات في المنطقة". أما روسيا ، حليفة الصين، فدافعت عن التجربة الصاروخية الصينية مشدِّدَةً على أن "من حق الصين السيادي اختبار صواريخها"، ورأت أن "الصين لا تهدد أحدا في العالم". وردا على سؤال عن ردود الفعل، أكّدت وزارة الخارجية الصينية أن التجربة "لا تستهدف أي دولة أو أي هدف بعينه". وقالت الناطقة باسم الوزارة ماو نينغ لوسائل الإعلام "نأمل في ألا تبالغ الدول المعنية في تفسير هذا الأمر".
كثفت بكين جهودها في مجال التطوير النووي وزادت من إنفاقها الدفاعي في السنوات الأخيرة. وبحسب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، كانت الصين تمتلك أكثر من 500 رأس نووي جاهز للعمليات حتى أيار/ مايو 2023، ومن المرجح أن تمتلك أكثر من 1000 رأس نووي بحلول عام 2030. وجاءت عملية الإطلاق في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الصين وروسيا مناوراتهما البحرية المشتركة السنوية قبالة سواحل تشينغداو، وهو ميناء عسكري رئيسي ومنتجع ساحلي في شرق الصين.
وذكرت وكالة "شينخوا" الصينية للأنباء أن السفن المشاركة في مناورات "البحر المشترك-2026" ستُجري في البحر قرب ميناء تشينغداو بشرق الصين تدريبات على الاستطلاع والدفاع الجوي والصاروخي والرماية بالذخيرة الحية. وأشار محللون لدى اختبار الصاروخ البالستي العابر للقارات عام 2024 إلى أن الصاروخ بدا من طراز "دونغ فنغ-31" (Dong Feng-31) الصيني المتطور، وهو سلاح قادر على حمل رأس حربي نووي حراري.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW