آخر الأخبار

لمن ينتظر سقوط أمريكا.. نحن باقون لقيادة العالم

شارك

تحل الذكرى الخمسون بعد المئتين لتأسيس أمريكا في خضم حالة من عدم اليقين العالمي والتوترات الداخلية، وهو تزامن يتسق تماما مع طبيعة المرحلة. ولا تزال الولايات المتحدة بمثابة تجربة حية: تجربة تقتضي رعاية دؤوبة، وإعادة معايرة مستمرة، وتجديدا للالتزام.

وها هي هذه التجربة تثبت صمودها؛ فوسط الاضطرابات السياسية، والضغوط المؤسسية، والصخب الملازم لكل دورة انتخابية، تبقى الولايات المتحدة الديمقراطية الأكثر مرونة، والأمة الأشد تأثيرا في النظام الدولي.

ولا يمثل هذا المعلم التاريخي مجرد شاهد على طول البقاء، بل يذكرنا أيضا بما شيدته هذه البلاد، وبما أسهمت به في العالم، وبما يتحتم عليها مواصلة المضي قدما في إنجازه.

أمريكا بوصفها وعدا

تجسد أمريكا في جوهرها وعدا؛ وتطلعا نحو الحرية والمساواة والحكم الذاتي الذي لم ننجز تحقيقه بالكامل بعد.

وقد أدرك مؤسسو هذه البلاد هذا الأمر؛ فلم يدّعوا بلوغ الكمال، بل تمسكوا بفرص الإمكانية، وأرسوا دعائم نظام مصمم للتحسين المستمر، كما أنشؤوا مؤسسات قادرة على التطور، وتصحيح مسارها، وتوسيع دائرة الحقوق والمسؤوليات بمرور الزمن.

وصحيح أننا لم نرقَ دائما إلى مستوى ذلك الوعد، إذ تعثرنا، وقصرنا، وتراجعنا إلى الوراء في بعض الأحيان، بيد أن السمة الفارقة للديمقراطية الأمريكية تكمن في إصرارنا على مواصلة السعي، والمضي قدما إلى الأمام، والعمل الدؤوب لإيجاد الحلول.

فالتجربة لا تتمحور حول إدراك الكمال، بل تتجلى في الرفض القاطع للتخلي عن هذا المسعى. ولا تتوقف روح السعي هذه عند حدود الحياة المحلية، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك لتشمل دور أمريكا في العالم.

تمر الديمقراطية الأمريكية بمنعطف حرج؛ إذ ترزح بعض المؤسسات المحلية تحت وطأة الضغوط، واشتدت حدة الاستقطاب السياسي، وتآكلت ثقة الجمهور في الحكومة. وهي ضغوط حقيقية واقعة لا يمكن غض الطرف عنها

الإرث الدبلوماسي.. شبكة تحالفات عالمية لا مثيل لها

لئن كان ثمة إنجاز فريد يبلور الإرث الدبلوماسي لأمريكا، فهو تلك الشبكة العالمية من التحالفات التي شيدتها الولايات المتحدة على مدار العقود الثمانية المنصرمة. فلم يسبق لأي أمة في التاريخ، سواء أكانت إمبراطورية أم استعمارية أم حديثة، أن حشدت ما يمكن مضاهاته بها.

إعلان

وتشكل هذه الشبكة في حد ذاتها نظاما متكاملا؛ فهي نسيج متشابك من المصالح والقيم والالتزامات الأمنية المشتركة، يمتد عبر أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ، وصولا إلى الشرق الأوسط ونصف الكرة الغربي.

وتمثل هذه الشبكة العمود الفقري للاستقرار العالمي، والهيكل الذي حال دون نشوب حرب بين القوى العظمى لأجيال متعاقبة، فضلا عن كونها المنصة التي تصوغ الولايات المتحدة من خلالها معالم النظام العالمي.

والأهم من ذلك أن هذه التحالفات قد أُرسيت دعائمها على قوة الجذب لا الإكراه؛ إذ تضافرت الدول ذات الرؤى المتقاربة طواعية للالتزام المتبادل بأمنها وازدهارها وقيمها. فاليوم، يضم حلف شمال الأطلسي ( الناتو) 32 دولة، في إنجاز دبلوماسي واسع النطاق.

وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ترسي التحالفات مع اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، والفلبين دعائم الاستقرار الإقليمي. كما تظل شراكة " العيون الخمس"، المتجذرة في عمق الثقة والمعايير والمصالح المشتركة والتعاون الاستخباراتي الوثيق، شراكة فاعلة وفريدة من نوعها.

غير أن شبكة التحالفات هذه توضع اليوم على محك الاختبار. فكما حُذر من قبل منذ أمد بعيد، فقد سئم الشعب الأمريكي من تحمل التزامات متباعدة الأطراف وغير متكافئة، مما أدى إلى بروز تحول عالمي راهن في تقاسم الأعباء.

وفي غضون ذلك، يساور بعض الحلفاء والشركاء الشكوك حيال قدرة أمريكا على الصمود. وفضلا عن ذلك، لم تعد الولايات المتحدة تعزز الحكم الديمقراطي في الخارج بالزخم ذاته الذي عهدناه في الماضي.

ورغم ذلك كله، يظل المنطق الأساسي متماسكا وسليما؛ فالدول لا تنفك تسعى للتحالف مع الولايات المتحدة لما توفره من أمن وازدهار اقتصادي، وما زالت تقدم قدرا لا يستهان به من القدرة على الاستشراف والتنبؤ الإستراتيجي.

يمر النظام العالمي بمرحلة إعادة ترتيب لا تزال وجهتها غامضة؛ ففي حين تتشكل تحالفات جديدة، وتنسق القوى الاستبدادية جهودها فيما بينها، وتلجأ القوى المتوسطة إلى سياسة التحوط، تعيد التكنولوجيا صياغة مفاهيم الأمن والاقتصاد والدبلوماسية في آن واحد

ركائز السياسة الخارجية الأمريكية

لم تعتمد الولايات المتحدة يوما على عقيدة واحدة في سياستها الخارجية، بل انطلقت عوضا عن ذلك من جملة من الأسس الإستراتيجية الراسخة:


* الالتزام بإرساء نظام دولي مستقر: إذ لطالما دعمت الولايات المتحدة الأسواق المفتوحة، والقواعد التي يمكن التنبؤ بها، والحيلولة دون نشوب صراعات بين القوى العظمى.
* الإيمان بالتحالفات كعوامل مضاعفة للقوة: فالتحالفات تردع الخصوم، وتطمئن الشركاء، وتخلق غاية إستراتيجية مشتركة.
* اقتصاد يدفع بعجلة الابتكار العالمي: حيث توجه الأسواق والشركات والجامعات الأمريكية مسار التدفقات العالمية لرؤوس الأموال، والتكنولوجيا، والمواهب.
* الريادة التكنولوجية: فقد تربعت الولايات المتحدة لعقود على عرش التقنيات التي ترسم ملامح القوة العسكرية والاقتصادية.

بيد أن هذا الأساس الأخير بات يواجه منافسة محتدمة في الوقت الراهن؛ فالصين تسعى حثيثا لسد الفجوة في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد تطمح لتولي زمام المبادرة في قطاع التكنولوجيا الحيوية على سبيل المثال.

إعلان

وتتسم هذه المنافسة بكونها هيكلية، وطويلة الأمد، وذات عواقب جسيمة، فضلا عن أنها ستصوغ ملامح القرن القادم من موازين القوى العالمية.

وفي غضون ذلك، يمر النظام العالمي ذاته بمرحلة إعادة ترتيب لا تزال وجهتها غامضة؛ ففي حين تتشكل تحالفات جديدة، وتنسق القوى الاستبدادية جهودها فيما بينها، وتلجأ القوى المتوسطة إلى سياسة التحوط، تعيد التكنولوجيا صياغة مفاهيم الأمن والاقتصاد والدبلوماسية في آن واحد.

وأمام هذا المشهد، يتحتم على الولايات المتحدة السعي لمواكبة هذا التحول، والمساهمة في تشكيله حيثما أمكن، برؤية إستراتيجية تتسم بالمزيد من الوضوح.

في مشهد أضحى فيه النظام العالمي أشد تنافسية، وأكثر تعددية في أقطابه، وأسرع تقلبا من أي وقت مضى منذ عقود، يظل الدور الأمريكي محوريا؛ مستمدا ثباته من شبكة تحالفاتها، وقوتها العسكرية الراجحة، ومحركها الابتكاري، وثقلها الاقتصادي

ديمقراطية أمريكا.. مختبرة لكنها صلبة

تمر الديمقراطية الأمريكية أيضا بمنعطف حرج؛ إذ ترزح بعض المؤسسات المحلية تحت وطأة الضغوط، واشتدت حدة الاستقطاب السياسي، وتآكلت ثقة الجمهور في الحكومة. وهي ضغوط حقيقية واقعة لا يمكن غض الطرف عنها.

غير أنها تمثل، في الوقت ذاته، علامات على حيوية الديمقراطية ومحفزات للإصلاح والتجديد. فقد صمم المؤسسون نظاما قادرا على استيعاب الصراعات دون الانهيار تحت وطأتها؛ إذ افترضوا مسبقا أن المشهد السياسي سيتسم بالفوضى، وأن المواطنين سيتباينون في آرائهم، وأن الفصائل لا محالة ستتشكل.

ومن هنا تجلت عبقريتهم في إنشاء مؤسسات تمتلك القدرة ذاتيا على تصحيح مسارها بمرور الزمن.

ولا تزال هذه المؤسسات تواصل عملها وهي تبلغ عامها الخمسين بعد المئتين. فبالرغم مما يعتريها من صخب، تظل مرنة؛ وبالرغم مما تواجهه من تحديات، تثبت قدرتها المستمرة على التجديد. وهكذا، تستمر التجربة.

الشرق الأوسط ومخاض التحول

لا يزال الشرق الأوسط يمثل إحدى أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الإستراتيجية، وأشدها تعقيدا.

وتتبلور الرؤية الأمريكية تجاهه اليوم في ضوء جملة من الحقائق؛ إذ تشهد المنطقة إعادة ترتيب جذرية لشبكة تحالفاتها، حيث تسعى دول الخليج حثيثا لتنويع اقتصاداتها وإعادة ضبط بوصلة سياساتها الخارجية.

في حين تواجه إسرائيل تحديات أمنية متصاعدة منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024. ورغم أن إدارتها للحرب في غزة قد كبدتها تراجعا ملحوظا في مكانتها داخل الولايات المتحدة، فإن ذلك يتزامن مع بروز آفاق جديدة للتكامل الإقليمي.

ومن شأن ما ستسفر عنه الجهود الدبلوماسية المكثفة بين الولايات المتحدة وإيران أن يرسم مسار المنطقة لسنوات قادمة.

ورغم استمرار التحديات الأمنية المتمثلة في الإرهاب، والصراعات بالوكالة، وانتشار الصواريخ والطائرات المسيرة، واحتدام التنافس الإقليمي، فإن المنطقة تزخر في الوقت ذاته بإمكانات هائلة؛ تتجلى في التحول بمجال الطاقة، والتحول الرقمي، وبروز أنماط جديدة من التكامل الاقتصادي.

وأمام هذا المشهد المعقد، تبقى الرهانات والمخاطر المحدقة بالأمن الدولي عالية وبالغة التأثير.

الفصل التالي

تخطو الولايات المتحدة نحو ربع الألفية القادم محملة بمسؤوليات جسام وفرص عظيمة.

وفي مشهد أضحى فيه النظام العالمي أشد تنافسية، وأكثر تعددية في أقطابه، وأسرع تقلبا من أي وقت مضى منذ عقود، يظل الدور الأمريكي محوريا؛ مستمدا ثباته من شبكة تحالفاتها، وقوتها العسكرية الراجحة، ومحركها الابتكاري، وثقلها الاقتصادي، فضلا عن مرونة نظامها الديمقراطي.

ويبقى الوعد صامدا، وتستمر التجربة. ولا تزال أمريكا، في عامها الخمسين بعد المائتين، تمتلك القدرة على صياغة العالم نحو الأفضل.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا