ما الذي يتطلبه الأمر لكي تصمد البشرية، فضلا عن الولايات المتحدة، لربع ألفية آخر؟ تتعدد الإجابات عن هذا التساؤل، بيد أن الإجابة الأولى والأهم تتمثل، بلا ريب، في إبطال الأسلحة النووية والقضاء عليها.
ستضيء الألعاب النارية، الليلة، سماء الولايات المتحدة بأسرها احتفاء بمحطة تاريخية استثنائية للبلاد، ألا وهي الذكرى الخمسون بعد المئتين لانطلاق أطول تجربة للحكم الجمهوري في العصر الحديث.
مع ذلك، يزخر التاريخ الأوسع للولايات المتحدة بالتناقضات؛ إذ يتجلى التناقض الصارخ بين تأسيس البلاد باسم الحرية والحقوق الفردية والمساواة (على الأقل للرجال البيض من ذوي الأملاك) وبين ما مارسته من إبادة جماعية بحق الشعوب الأصلية قبل التأسيس، وما زالت تمارسه منذ ذلك الحين.
ما الذي يتطلبه الأمر لكي تصمد البشرية، ناهيك عن الولايات المتحدة، لربع ألفية آخر؟ تتعدد الإجابات عن هذا التساؤل، بيد أن الإجابة الأولى والأهم تتمثل، بلا ريب، في إبطال الأسلحة النووية والقضاء عليها
ويتضح التناقض الجلي أيضا بين السعي الموعود نحو "الحياة والحرية والبحث عن السعادة" وبين التنمية الاقتصادية التي تحققت على ظهور العبيد الذين جلبوا قسرا من أفريقيا، واستغلال العمال من كافة الأعراق، وحرمان النساء من حقوقهن الأساسية حتى القرن العشرين.
وظل، رغم ذلك، إعلان الاستقلال وثيقة مستنيرة وذات رؤية أضاءت طريق المستقبل، حتى وإن كان ذلك بصورة طموحة أكثر منها ملموسة. وافتخرت البلاد، بالتأكيد، لفترة طويلة بكونها منارة للحرية والديمقراطية والفرص.
لم تفِ الولايات المتحدة، للأسف، بوعودها؛ إذ لم تنعم سوى بستة عشر عاما من السلام خلال أول 242 عاما من تاريخها وفقا لما صرح به "جيمي كارتر" عام 2019، وتحولت إلى أقوى إمبراطورية في التاريخ، وأمضت قرابة ثلث عمرها وسيف "داموكليس" النووي مُصْلت بخطر فوق رؤوس أبنائها، ورؤوس قاطني كوكب الأرض أجمعين.
وتشهد الأمة الآن، في ظل المكائد المؤسفة لنظام "ترمب" في ولايته الثانية، مستوى من الحرب والفساد والانفلات الأمني والقسوة والتمييز والسلوك المتحدي للدستور، وهو ما كان ليترك الآباء المؤسسين في حالة من الذهول إزاء مدى الانحراف الذي أصاب مسار بلادهم.
نضيّق نطاق تركيزنا في هذه المناسبة التاريخية، بالنظر إلى اتساع رقعة المشاكل التي واجهتها الولايات المتحدة ولا تزال تتصدى لها، لنسلط الضوء على الوجود المهدد للعالم الذي تمثله الأسلحة النووية، وهو أمر لم يكن بوسع الآباء المؤسسين، رغم عبقريتهم، توقعه أو تخيله.
لقد شكلت هذه الأسلحة، التي سُعي لامتلاكها في بادئ الأمر تحسبا لاحتمالية امتلاك النازيين قنبلة، ثم الاستخدام غير المبرر والذي لا داعي له للقنابل الذرية في هيروشيما وناغازاكي، وما تلا ذلك من عواقب ناجمة عن اختبار الولايات المتحدة أكثر من ألف قنبلة ذرية وهيدروجينية في جزر مارشال، وكيريباتي، وجزيرة جونستون المرجانية، ونيفادا، ونيومكسيكو، وكولورادو، ومسيسيبي، وألاسكا، وغيرها من الأماكن، فضلا عن إنشاء ترسانة نووية قادرة على إبادة معظم أشكال الحياة الكبيرة على كوكبنا، شكلت ربما أكثر ويلات هذه الأمة استحقاقا للإدانة في حق البشرية.
سحرت الأسلحة النووية- التي تعد في آن واحد انتصارا للبراعة العلمية وأداة لا تقتصر على إحداث موت ومعاناة لا يمكن قياسهما بل تتعدى ذلك لتدمير الكوكب بأسره – عقول الفضوليين وأثارت قلق المفكرين، في حين يتصرف العديد ممن يضطلعون بمسؤوليتها وكأن هذه القوة الشبيهة بقوة الآلهة في جلب الموت والدمار مجرد جزء اعتيادي من الشؤون البشرية. وينطبق هذا الأمر، بكل تأكيد، على الولايات المتحدة، نظرا لدورها ومسؤوليتها الفريدة عن العصر النووي وعن العديد من أبشع جرائمه.
اقتنعت المؤسسة الأمريكية، سريعا، بوعود السلاح الجديد وأهميته، متخذة قرارات مصيرية بالشروع في مشروع "مانهاتن" عام 1941، و إلقاء القنابل على اليابان عام 1945، و تهجير سكان "بيكيني" من جزرهم لإفساح المجال أمام التجارب النووية عام 1946.
وضمت تلك المؤسسة علماء أدخل الكثيرون منهم العصر النووي بحماس وواصلوا الترويج له بوفاء، بما في ذلك عندما ظهرت القدرة على إضاءة المنازل بطاقة الذرة.
لم يتفق الجميع، مع ذلك، على هذا التوجه حتى في تلك الأيام المبكرة. فقد صرحت عالمة الفيزياء "ليز مايتنر"، التي اشتهرت بتقديم تفسير للملاحظات المختبرية للانشطار النووي ولكن تم تجاهلها في جائزة نوبل الممنوحة لهذا الاكتشاف، قائلة: " لن يكون لي أي شيء أقوم به حيال القنبلة".
ورفض على نحو مماثل، الحائز على جائزة نوبل من جامعة كولومبيا، "إيزيدور إيزاك رابي"، الانضمام إلى مشروع مانهاتن، معللا ذلك بقوله: "لا أتمنى أن يكون تتويج ثلاثة قرون من الفيزياء سلاحا للدمار الشامل".
وغادر "جوزيف روتبلات"، الذي انضم إلى مشروع مانهاتن خلافا لزميليه، مختبر "لوس ألاموس" عام 1944 عندما اتضح أن الألمان تخلوا عن مسعاهم لصنع القنبلة. واستذكر روتبلات أن الجنرال "ليزلي غروفز" أخبره في شهر مارس/آذار من عام 1944 أن "الهدف الحقيقي من صنع القنبلة هو إخضاع السوفيات".
وأمضى روتبلات بقية حياته مدافعا عن إبطال الأسلحة النووية، حيث صاغ بيان "أينشتاين-راسل" المحذر من الكارثة النووية عام 1955، وأسس مؤتمرات "بوجواش" للعلوم والشؤون الدولية عام 1957، وحاز جائزة نوبل للسلام لقاء جهوده هذه عام 1995.
لا يضع مثل هذا الخطر بقاء الولايات المتحدة وحدها على المحك، بل يهدد بقاء الحياة ذاتها، حيث تمثل نهاية الحضارة نتيجة حتمية للحرب النووية
لم يقتصر إدراك ما يمثله العصر النووي من تحدٍ وجودي للبشرية على العلماء فحسب بشكل فوري. فقد تحدث "هنري والاس"، نائب الرئيس "روزفلت" في الفترة من 1941 إلى 1945، في "ماديسون سكوير جاردن" عام 1947 عن الحاجة للسلام، قائلا: "لا أسمع جيوشا تزحف. بل أسمع عالما يصرخ طلبا للسلام".
وجادل والاس، فيما يخص الأسلحة النووية، بأن "نجاح سياستنا الخارجية أو فشلها سيعني الفارق بين الحياة والموت لأبنائنا وأحفادنا… وقد يعني الفارق بين وجود الإنسان والعالم وانقراضهما".
تغيب، اليوم، مثل هذه الانتقادات الشرسة إلى حد كبير عن الخطاب العام، حيث ينتاب عامة الناس شعور عميق بأن الأسلحة النووية سيئة، لكن مع فهم فعلي ضئيل للغاية لمدى سوئها حقا. واقتنع معظم الأشخاص العاديين بأن الأسلحة النووية تحافظ على سلامتنا، في أحسن الأحوال، أو أنها شر لا بد منه، في أسوأ الأحوال، مخفقين في إدراك الخطر الذي لا يمكن تصوره والذي تضعنا الترسانات النووية تحته.
ولا يضع مثل هذا الخطر بقاء الولايات المتحدة وحدها على المحك، بل يهدد بقاء الحياة ذاتها، حيث تمثل نهاية الحضارة نتيجة حتمية للحرب النووية. ألا ينبغي لنا، إذن، أن نفعل شيئا حيال هذا الأمر؟
نشرت مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية حينها، " تولسي غابارد"، في العاشر من يونيو/حزيران 2026، مقطع فيديو تحذر فيه من أننا "أقرب إلى الإبادة النووية من أي وقت مضى".
وقامت مجلة "نشرة علماء الذرة"، في يناير/كانون الثاني، وقبل أن تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ضد إيران، بتحريك عقارب "ساعة القيامة" الخاصة بها لتستقر عند 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهو التوقيت الأقرب إلى نهاية العالم على الإطلاق.
وتحذر النشرة مرارا وتكرارا من المخططين النوويين الذين يعتقدون بإمكانية خوض حرب نووية والانتصار فيها. ويلمح "دونالد ترمب" وأعضاء آخرون في نظامه، مرارا وتكرارا، إلى احتمالية كسرهم للمحرمات النووية في نهاية المطاف.
ما الذي يتطلبه الأمر إذن، لكي تصمد البشرية، ناهيك عن الولايات المتحدة، لربع ألفية آخر؟ تتعدد الإجابات عن هذا التساؤل، بيد أن الإجابة الأولى والأهم تتمثل، بلا ريب، في إبطال الأسلحة النووية والقضاء عليها. وإذا ما استطاع الرأي العام الأمريكي المطالبة بذلك، وتمكن المسؤولون المنتخبون من تحقيقه، فقد نجد، ببساطة، سبيلا للاحتفال، يوما ما، بالذكرى الخمسمئة ليوم الاستقلال.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة