أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، خلال زيارتها إلى يريفان يوم الخميس في إطار جولة استراتيجية في جنوب القوقاز، عن دعم واسع من الاتحاد الأوروبي لأرمينيا، كاشفة عن سلسلة من الإجراءات الاقتصادية الاستثنائية لمساعدة البلاد على الصمود أمام الضغوط الروسية المتزايدة المرتبطة بتحوّلها الحذر نحو الغرب. وأشادت بما وصفته بـ"الشراكة الأوثق مع أوروبا" وبأن "شعب أرمينيا اختار الديمقراطية (...) واختار أن يكون شريكا للاتحاد الأوروبي"، مؤكدة أن الناخبين جددوا الثقة في رئيس الوزراء نيكول باشينيان وأن "شعب أرمينيا تحدث بوضوح. لقد اختار الديمقراطية وسيادة القانون، اختار الإصلاح والسلام والمجتمع المنفتح المرحِّب الشامل، واختار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي"، مضيفة: "والآن علينا معا أن نحوّل هذه التطلعات إلى نتائج ملموسة".
وبعد زيارتها لأذربيجان الأربعاء، اعتبرت فون دير لايين أن عملية السلام بين أرمينيا وأذربيجان تمر بـ"لحظة تصنع التاريخ" وأن التقارب بين الخصمين السابقين يفتح زخما جديدا لانخراط الاتحاد الأوروبي الاستراتيجي في المنطقة، قائلة إن "أرمينيا تقترب من الاتحاد الأوروبي، وجنوب القوقاز يقترب من بعضه بعضا". وفي رسالة سياسية واضحة، أعربت عن دعم الاتحاد الأوروبي لأرمينيا في مواجهة ما وصفته بـ"الإكراه الاقتصادي" الروسي، قائلة: "أعلم أن أرمينيا لا تزال تواجه ضغوطا اقتصادية كبيرة من روسيا (...) لكن كونوا مطمئنين: عندما يشتد الضغط على شركائنا، يتدخل الاتحاد الأوروبي... يمكنكم الاعتماد علينا"، فيما شدد باشينيان، لدى سؤاله عن مستقبل العلاقات مع موسكو، على نهجه الحذر قائلا: "لم نسع أبدا ولن نسعى أبدا إلى خلق أزمة في العلاقات الأرمنية الروسية"، مضيفا: "نحن نتحرك حصرا وفق مصالح بلدنا، نحترم مصالح جميع شركائنا الدوليين، لكن لا يمكننا أن نضع مصالح أي شريك فوق مصالح أرمينيا".
ستستفيد أرمينيا بشكل استثنائي من أداة تجارية جديدة للاتحاد الأوروبي، رغم أنها ليست دولة مرشحة للانضمام ولا تربطها بالاتحاد اتفاقية تجارة كلاسيكية، ما يسمح لها بتحويل معظم صادراتها التي كانت تتجه إلى روسيا نحو أسواق الاتحاد الأوروبي مع إعفائها من الرسوم الجمركية. وأعلنت فون دير لايين عن مقترح باسم "تدابير التجارة الذاتية" سيحرر قرابة 80% من الصادرات الأرمنية إلى السوق الأوروبية الموحدة التي تضم 450 مليون مستهلك، عبر إزالة الرسوم لدعم الاقتصاد الأرمني في وقت تفرض روسيا مزيدا من القيود التجارية الواسعة عليه منذ أشهر. وقالت: "سيفتح هذا الإجراء أبواب أوروبا أمام نحو 99% من الفواكه والخضروات والنباتات الطازجة الأرمنية التي كانت تُصدَّر إلى روسيا، كما سيفتح باب السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي أمام أكثر من 90% من صادراتكم من المشروبات الروحية وغير الكحولية"، مضيفة أن تدفق المزيد من الزهور الأرمنية إلى الأسواق الأوروبية في الأسابيع الأخيرة "رمز جميل لبداية فصل جديد في شراكتنا الاقتصادية، وهو مجرد البداية".
وأعلنت أيضا إرسال 18 مليون يورو إضافية لأرمينيا لدعم التجارة، كجزء أخير من حزمة أوسع بقيمة 52 مليون يورو جرى إعدادها عشية الانتخابات المفصلية في حزيران/يونيو الماضي، والتي منحت باشينيان تفويضا واضحا مواليا للغرب، فيما كررت أمامه أن بلاده "لا تزال تواجه ضغوطا اقتصادية كبيرة من روسيا، هي في الحقيقة إكراه اقتصادي بكل ما للكلمة من معنى".
جددت رئيسة السلطة التنفيذية في الاتحاد الأوروبي تعهّد التكتل المكوّن من 27 دولة عضوا، الذي أطلقته في باكو الأربعاء، بالاستثمار في مبادرة الربط الجديدة "البوابة العالمية"، عبر تخصيص 200 مليون يورو وإمكانية تعبئة ما يصل إلى ملياري يورو لمشاريع استراتيجية في مجالات النقل والطاقة والرقمنة في أنحاء جنوب القوقاز، تستفيد منها أرمينيا بعد توصلها إلى السلام مع أذربيجان. وتأتي الربطية كأولوية أخرى لانخراط الاتحاد الأوروبي في المنطقة، مع بروز "الممر الأوسط" كمسار عبور استراتيجي بين آسيا وأوروبا وكخيار أوراسي قوي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية في الشرق الأوسط؛ فهذا الممر، المعروف أيضا باسم "طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين"، شبكة من الطرق والسكك الحديدية والمسارات البحرية التي تربط الصين وجنوب شرق آسيا عبر كازاخستان وأذربيجان وجورجيا، وصولا إلى تركيا وأوروبا. ومع اعتبار جنوب القوقاز حلقة أساسية في هذا الممر، وباسم "بناء الجسور بين الناس"، أعلنت فون دير لايين عن 20 مليون يورو لبرنامج "تعزيز السلام" مخصص لمساندة المجتمعات المقيمة على الحدود، ودعم الاقتصادات المحلية وتحسين الحياة اليومية "لكي يترسخ السلام في قلوب وعقول هذا الجيل – والجيل المقبل"، مؤكدة أن هذه الخطوات تأتي انسجاما مع تعهّد باشينيان بإغلاق الفصل المأساوي من حروب كاراباخ مع أذربيجان وفتح الطريق أمام مستقبل سلمي بين الجارين.
أعلن باشينيان خلال الزيارة أن هدف أرمينيا هو الحصول على تحرير نظام التأشيرات مع الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2029، تبعا لوتيرة الإصلاحات في البلاد، فردّت فون دير لايين بأن الاتحاد سيرسل بعثة تقييم في الخريف وأن أرمينيا هي الدولة الوحيدة المنخرطة حاليا في عملية نشطة لتحرير التأشيرات مع بروكسل. وبالنظر إلى اعتماد أرمينيا على واردات الطاقة الروسية، التي لوّحت موسكو بالفعل باستخدامها كورقة ضغط على يريفان، أوضحت رئيسة المفوضية أن خبراء من الاتحاد الأوروبي سيتوجهون إلى البلد لمساعدته على تنويع مصادر الطاقة، مؤكدة أن لدى الاتحاد "خبرة كبيرة" في ذلك، مستشهدة بأوكرانيا ومولدوفا. وأشار باشينيان إلى أن أرمينيا تعتزم إنشاء خطوط لنقل الكهرباء مع أذربيجان وتركيا لتعزيز أمنها الطاقي، إلى جانب إعادة فتح روابط النقل الإقليمية.
المصدر:
يورو نيوز