آخر الأخبار

التفاوض على طريقة إيران.. لماذا بكت المفاوضة الأمريكية على الطاولة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"إيران لم تكسب حربا قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات"

بواسطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عام 2020

ما بين حياكة السجاد الفارسي وأروقة الدبلوماسية المعقدة، هناك خيط رفيع يتقن الإيرانيون حياكته بالصبر وطول البال؛ مهارة ظهرت بوضوح في كواليس الساعات الأخيرة للاتفاق النووي عام 2015، وتحديدا في اللحظة التي انهمرت فيها دموع رئيسة وفد التفاوض الأمريكي، ويندي شيرمان.

تحكي شيرمان في مذكراتها كيف باغتها نظيرها الإيراني على الطاولة، عباس عراقجي، بعد سنتين من المباحثات المرهقة. فبينما كانت المفاوضات تقترب من نهايتها، طلب عراقجي فجأة إعادة فتح النقاش حول نقطة كانت قد حُسمت بالفعل. في تلك اللحظة، رُفع الستار عن وجه إنساني غير معتاد في هذه المواقف؛ فقد نفد صبر شيرمان وانفجرت باكية من شدة اليأس والإحباط.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حاجز أوميغا.. العدو الصامت الذي يأكل أوروبا من الداخل
* list 2 of 2 الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي.. التوظيف الأمريكي الداخلي والخارجي end of list

وقالت شيرمان بانفعال: "كفى.. تجاوزنا الموعد النهائي، والكونغرس على وشك الدخول في عطلة.. أنتم تخاطرون بكل ما عملنا من أجله". وأمام هذه الدموع المفاجئة، شعر الإيرانيون بجدية الموقف وقرروا التوقف عند هذا الحد. وقد علّق عراقجي على المشهد في كتابه "قوة التفاوض" قائلا: "كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها مفاوضا يبكي على الطاولة".

هذه القصة لا تُروى لمجرد التسلية، بل لتلخص عقيدة التفاوض الإيرانية وقدرتها على اللعب بأعصاب الخصم حتى اللحظة الأخيرة. وهي ذات السمعة التي جعلت الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترمب، يقول خلال ولايته الأولى إن "إيران لم تكسب حربا قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات". بل إن عرّاب السياسة الأمريكية، هنري كيسنجر، أهدى نسخة من كتابه الشهير "الدبلوماسية" إلى وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، وكتب له عبارة تحمل الكثير من التقدير: "إلى عدوي المحترم".

"أصبح التفاوض بالنسبة لطهران امتدادا للصراع نفسه وليس وسيلة لإنهائه"

هذا النفس الطويل لم يولد فجأة؛ فمنذ ثورة عام 1979، أصبح التفاوض بالنسبة لطهران امتدادا للصراع نفسه وليس وسيلة لإنهائه. ظهر هذا بوضوح في أول اختبار حقيقي خلال أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران، والتي استمرت 444 يوما. هناك، تعلم النظام الإيراني الجديد كيف يحوّل الوقت، والضغط النفسي، والإعلام، إلى أوراق سياسية رابحة، ليتشكل لدى الغرب انطباع بأن الإيرانيين لا يفاوضون بالطرق التقليدية أبدا، وأنهم يعتبرون التفاوض عملية مستمرة وليس محطة نهائية.

إعلان

لكن "الماركة المسجلة" للمفاوض الإيراني وُلدت خلال أزمة البرنامج النووي بين عامي 2003 و2015. فعلى مدار أكثر من 12 عاما، تغيرت وجوه ورؤساء وحكومات في واشنطن وأوروبا، وتوالت العقوبات والتهديدات العسكرية، بينما بقي الوفد الإيراني يجلس على الطاولة بالنهج الهادئ و"المستفز" ذاته، ليرسخ في أذهان العالم صورة المفاوض الصبور الذي يعرف كيف يرهق خصومه حتى يملوا، بينما يواصل هو التفاوض بلا نهاية.

مصدر الصورة عباس عراقجي (وسط) بجانب هيلغا شميد ثم ويندي شيرمان خلال اجتماع حول البرنامج النووي الإيراني في فيينا عام 2015 (الأوروبية)

التفاوض في الثقافة الإيرانية

عند تفكيك "العقيدة التفاوضية" لإيران، غالبا ما يُربط سلوكها المعاصر بإرثها الإمبراطوري الفارسي؛ حيث يرى هنري كيسنجر في كتابه "النظام العالمي" أن بلاد فارس تاريخيا لم ترَ نفسها مجرد دولة، بل مركزا للإنجاز الإنساني، لدرجة أن ملكها كان يلقب بـ"شاهنشاه"، وتعني ملك الملوك في إشارة إلى أنه ليس ملكا عاديا. وقد صُبت هذه الخبرة التاريخية في قالب دبلوماسي متقن يعتمد على الصبر، وطول النفس والتلاعب النفسي بالخصوم.

لكن الفحص المتأني يكشف أن هذا الرابط الممتد لألفي عام ربما يحمل الكثير من المبالغة؛ فالواقع يشير إلى أن البلاد مرت بتحولات ثقافية عميقة ومتناقضة. ولم تتبلور القومية الإيرانية الحديثة إلا في القرن العشرين، تأثرا بصعود القوميات الأوروبية. وبناء على ذلك، فإن ما يشكّل نظرة الإيرانيين لأنفسهم وللعالم اليوم ليس مجرد الزهو بالإرث الإمبراطوري، بل الأهم من ذلك هو الوعي بالمظلوميات التاريخية وعقود التدخلات الخارجية خلال فترات ضعف الدولة.

"ما يشكل نظرة الإيرانيين لأنفسهم وللعالم اليوم ليس مجرد الزهو بالإرث الإمبراطوري، ولكنها المظلوميات التاريخية والتدخلات الخارجية"

عمليا، لم تتحول هذه العوامل إلى عقيدة تفاوضية متكاملة إلا بعد عام 1979، عندما أصبحت المفاوضات جزءا من بنية عمل النظام وصراعه من أجل البقاء. وتطور هذا النهج تدريجيا عبر محطات قاسية: من أزمة الرهائن الأمريكية، مرورا بصفقة "إيران-كونترا"، وصولا إلى مفاوضات إنهاء الحرب العراقية الإيرانية. ثم جاءت مفاوضات الملف النووي الطويلة والشاقة لتمثل ذروة هذا التطور؛ فقبل هذه الأزمة لم يكن الإعلام الغربي يتحدث عن "مزاج تفاوضي إيراني خاص"، لكن بعد إنجاز الاتفاق النووي، أصبحت أدبيات "النفس الطويل" جزءا ثابتا في الخطاب العالمي حول إيران.

تستند هذه السياسة الإيرانية، إلى ركيزة دينية وثقافية عميقة تُعلي من شأن "المقاومة والصمود" في مواجهة ما تسميه طهران "الاستكبار العالمي". وهنا تبرز استعارة ثنائية دينية تاريخية تحرك السلوك الدبلوماسي الإيراني: فعند المواجهة والصدام، تُستحضر "روح الحسين" رضي الله عنه، كرمز للتضحية وانتصار الدم على السيف، بينما تُستحضر "روح الحسن" رضي الله عنه عند الحاجة إلى المناورة السياسية وتجرع كؤوس الصلح، والتفاوض مع الخصوم.

مصدر الصورة مشهد عام للوفدين الإيراني والعراقي في جنيف خلال محادثات السلام في 26 أغسطس/آب 1988 (الفرنسية)

سمات التفاوض الإيراني

يؤكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في كتابه "قوة التفاوض" أن التفاوض بصفته إحدى أدوات السياسة الخارجية لطالما لعب دورا محوريا في سياسة إيران، شارحا أن النهج الإيراني المعروف عالميا بـ"أسلوب البازار"، إشارة إلى المساومة المستمرة الدؤوبة، هو نمط تفاوضي يتطلب صبرا ووقتا طويلا ومتابعة دقيقة. وقد أُطلق عليه أسلوب "تاجر السجاد" لأن السياح كانوا يلاحظون هذا الأسلوب عند تعاملهم مع بائعي السجاد في إيران، كما يُسمى أحيانا أسلوب "حائك السجاد"، لأن السجادة الفارسية قد تستغرق سنوات لنسجها بصبر وروية.

"يكشف عراقجي أن المبدأ الأساسي في المساومة هو التكرار، بعد ذلك يأتي العناد والثبات على الهدف"

ويكشف عراقجي أن المبدأ الأساسي في المساومة هو التكرار ثم التكرار ثم التكرار، وبعد ذلك يأتي العناد والثبات على الهدف مع تغيير الأسلوب حتى يتحقق المطلوب، مبينا أن الأمر أشبه بساحة حرب أو اجتياز حقل ألغام، حيث قد يؤدي أقل خطأ للهلاك، بخلاف الصورة التي تبدو للناس عن المفاوضات باعتبارها حوارا بين أشخاص متأنقين يلتفون حول طاولة.

إعلان

وقد نُقل عن وزير الخارجية البريطاني الأسبق، جاك سترو، قوله إن الإيرانيين أصعب المفاوضين، مشبها طريقتهم ببائع سيارة يتفاوض معك شهرا كاملا حول ثمنها، ثم حين تريد استلامها تجد فجأة أنها بلا إطارات، فيبرر لك ذلك بأنك لم تطلب الإطارات من الأساس، فتبدأ التفاوض من جديد حولها، ثم يتكرر ذلك من جديد على كل قطعة في السيارة.

مصدر الصورة عراقجي يشرح في كتابه "قوة التفاوض" أن المصالح أحيانا تفرض ضرورة التلكؤ (أسوشيتد برس)

في السياق ذاته، تحكي ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأمريكيين، ونائبة وزير الخارجية الأمريكية السابقة، في مذكراتها بعنوان "ليس لضعاف القلوب: دروس في الشجاعة والقوة والمثابرة"، أن الإيرانيين غضبوا منها حين صرحت بأن الخداع جزء من جيناتهم، وقد شبّهت شيرمان التفاوض معهم بمكعب روبيك، حيث "تعديل وجه واحد يتسبب في إفساد ترتيب بقية الوجوه، ما يفرض عليك إعادة إصلاحها جميعا من جديد".

تقول شيرمان إن هذه سمة ثابتة لأسلوب التفاوض الإيراني، فبمجرد أن يبدو التوافق وشيكا، يظهر شيء ما فجأة ليُعكّر صفو الأمور. ومن كثرة استخدامها تشبيه مكعب روبيك، صنع أحد الخبراء التقنيين في فريقها نسخته الخاصة من اللعبة، ووضع عبارات رئيسية من المحادثات على كل مربع ملون، فطلبت منه شيرمان صنع العديد منها كتذكارات لأعضاء الفريق، إحداها معروضة كقطعة تذكارية من المفاوضات النووية في مركز الدبلوماسية بوزارة الخارجية الأمريكية.

مصدر الصورة مذكرات ويندي شيرمان بعنوان "ليس لضعاف القلوب: دروس في الشجاعة والقوة والمثابرة" (الجزيرة)

وتضيف شيرمان: "ظل الاتفاق عبارة عن مجموعة متشابكة من القضايا المتداخلة: كيفية التحقق من امتثال إيران، وطريقة الحد من أعداد وأنواع أجهزة الطرد المركزي على النحو الأمثل، وكيفية إعادة فرض العقوبات الاقتصادية في حال إخفاق إيران في الوفاء بشروط الاتفاق، لم يكن من الممكن حل أي من هذه القضايا بشكل مستقل عن الأخرى. وعندما يتم تغيير أحد عناصر الاتفاق، كان لا بد من إعادة حساب كل شيء آخر، وكان لا بد من استشارة الجميع". وتستطرد قائلة: "امتدت إحدى الجلسات من وقت مبكر من المساء حتى الساعة الثالثة صباحا، حيث تصادمت مجموعتان من المحامين حول كل كلمة في فقرة واحدة.. كنتُ أقول للصحافة عندما يسألون عن القضايا العالقة: لا يُعتبر أي جزء من الاتفاق منتهيا حتى يتم الانتهاء منه بالكامل".

"يتفاوض الإيرانيون بطريقة تشبهها شيرمان بمكعب روبيك، حيث كل تفصيلة صغيرة تؤثر على مصير الاتفاق كاملا"

وقد اشتهر الإيرانيون بالقدرة على استنزاف الخصم وإغراقه في التفاصيل، والتدقيق في كل كلمة والنقاش على معناها، وربما في النهاية ينصرفون قبل الاتفاق بشكل غير متوقع. كما أنهم يتحركون ضمن إستراتيجية شاملة لا تقتصر على النقاش فقط، بل تشمل ممارسة أقصى الضغوط على الخصم كلما اقتربت نهاية المفاوضات، سواء أكان ذلك على طاولة التفاوض أو في الميدان، لحثه على الإسراع في تقديم التنازلات الممكنة، فإن كان التفاوض حول وقف التوتر في ساحة معينة مثلا فإن الهجمات تزداد ضراوة مع قرب التوصل لاتفاق.

وفي حال أحرزت المباحثات تقدما، تحضر المزايدات الداخلية والانتقادات لوفد التفاوض، مما يُصعّب تقديم أي تنازل ويوفر مبررا مقبولا للتشدد، ويوصل رسائل للخصم بأن عليه ألا يطمع في الكثير لأن هناك أطرافا داخلية مؤثرة ترفض هذه التنازلات وتحتاج جهدا كبيرا لإقناعها، بل يطلب المفاوض الإيراني من خصمه منحه بعض المكاسب ليواجه بها "المتشددين المعارضين"، وبذلك يصبح هذا النوع من الانتقادات جزءا من بنية التفاوض نفسها، وورقة ضغط في يد المفاوض، وليس ضغطا عليه.

"تعد المزايدات والانتقادات الداخلية للمفاوضين جزءا من عملية التفاوض نفسها"

وتتبنى مراكز السلطة المختلفة مواقف متباينة في طهران من الموضوع الواحد، فيهدد قائد في الحرس الثوري مثلا بالتصعيد العسكري، بينما يحاول الرئيس أو وزير الخارجية اتخاذ موقف موازن، ويُستخدم توزيع الأدوار هذا في اختبار ردود الفعل والحفاظ على هامش واسع للمناورة، عبر إدارة دقيقة للغموض وإبقاء أوراق التفاوض قيد التداول حتى اللحظة الأخيرة.

إعلان

ويشدد عراقجي في كتابه على أهمية دراسة المفاوض لعلم النفس السلوكي ليستطيع تحليل شخصيات من يتفاوض معهم وتوقع ردود فعلهم ليضبط سلوكه وخطابه بناء على ذلك، ولا يظهر الغضب ولا التوتر إلا إذا كان ذلك مقصودا ضمن تكتيك تفاوضي، وهو ما أشارت إليه شيرمان قائلة إن بعض لحظاتهم العاطفية كانت محسوبة وتكتيكية بحتة، مضيفة: "تعلمت تمييز أي من انفعالات ظريف الدرامية كانت للمبالغة، وأيها كانت تعبيرا عن غضبه الحقيقي".

مصدر الصورة

الزمن بوصفه سلاحا

في الأدبيات التقليدية، ينظر إلى الوقت باعتباره إطارا للتفاوض، أما في التجربة الإيرانية (والمدارس المماثلة لها)، فينظر إليه غالبا باعتباره أداة تفاوض بحد ذاته، فالطرف الذي يستطيع الانتظار أكثر، قد يملك فرصة أفضل لتغيير الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الانتخابية لدى خصمه، ويُعرف هذا بـ"الصبر الإستراتيجي" أي استخدام الزمن لامتصاص الضغوط وتأجيل المواجهات المباشرة لتجنب الخسائر الفورية مع بناء القدرات تدريجيا.

مثلا قد يتعمد الإيرانيون المماطلة في انتظار ظروف سياسية أكثر مواتاة في الولايات المتحدة، مثل موعد الانتخابات الذي يضع ضغوطا على السياسيين لإبرام اتفاق، أو ربما نتائج الانتخابات نفسها التي قد تأتي بمسؤولين يمكنهم قبول شروط أفضل. لذلك عادة ما تتهم الحكومات الغربية المفاوض الإيراني بالمماطلة وإطالة أمد المفاوضات بلا داع بسبب فرق السرعات الكبير بين الطرفين، إذ كان المفاوضون الأمريكيون يشتكون من اضطرارهم للسفر أحيانا لمدة عشرين ساعة إلى الجانب الآخر من العالم لتحقيق القليل جدا أو حتى دون تحقيق أي إنجاز.

ويشرح عراقجي في "قوة التفاوض" أن المصالح أحيانا تفرض ضرورة التلكؤ، مبينا أن المفاوضات النووية تناولت أدق التفاصيل لما يزيد على عامين وسط توتر بالغ وترقب عالمي، وكانت الضغوط في أعلى درجاتها للتوصل إلى نهاية سريعة، ورغم ذلك لم يشعر الإيرانيون أنهم في عجلة من أمرهم.

ويوضح تأثير هذا الفارق "الذهني" بالقول إن وزير الخارجية الإيراني مثلا ركز جهوده لإنجاز الاتفاق النووي وتجهز للبقاء في فيينا لأسابيع متواصلة لهذا الغرض، في حين نظيره الأمريكي كان مثقلاً بالمسؤوليات الدولية ولم يملك رفاهية إمضاء كل هذا الوقت في مكان واحد للتفاوض. وقد قيل إن فيينا، على الرغم من تاريخها العريق كمدينة دبلوماسية، لم تشهد مفاوضات كهذه من قبل، إذ حطمت إقامة الدبلوماسيين هناك الأرقام القياسية لأطول مداولات دولية متواصلة.

الأهم، والأكثر دلالة ربما، أن تلك المفاوضات شهدت أطول مدة يقضيها وزير خارجية أمريكي في مكان واحد خارج البلاد منذ عقود، حيث تعين على جون كيري البقاء 18 يوما متواصلة في فيينا للتأكد من الوصول لاتفاق، وهو الرقم الأكبر منذ رحلة هنري كيسنجر التي استمرت 34 يوما في الشرق الأوسط عام 1974، مع العلم أن كسينجر تنقل خلال هذه الفترة بين العديد من العواصم في المنطقة، بينما أمضى كيري كامل وقته في العاصمة النمساوية.

كتاب "خسارة عدو" للأكاديمي إيراني الأصل تريتا بارسي (الجزيرة)

في كتابه "خسارة عدو.. أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية"، يأخذنا الأكاديمي تريتا بارسي إلى ما وراء الأبواب المغلقة لمفاوضات عام 2015، ليوضح أن اللعب بالمواعيد النهائية لم يكن مجرد صدفة، بل كان جزءاً من "قواعد اللعبة" ذاتها. فمع تقدم الأيام، تراجع الطرفان تدريجياً عن مواقفهما المتشددة، ليتبين أن الشروط الأولى لم تكن سوى سقف مرتفع للمساومة. هذا التكتيك خلق حالة من الشك المتبادل؛ إذ لم يصدق أي طرف أن ما يطرحه الآخر هو عرضه الأخير، فكان كل منهما يضغط طمعا في تنازل إضافي. ونتيجة لعض الأصابع هذا، ترحّلت المساومات الحقيقية كلها إلى اللحظات الأخيرة، وكان طبيعيا أن يسقط الموعد النهائي المحدد.

هنا، عرف الإيرانيون كيف يقلبون "سلاح الوقت" لصالحهم. فبينما كان الفريق الأمريكي يرزح تحت ضغط قاسٍ لإنجاز الاتفاق قبل نهاية يونيو/حزيران؛ التزاماً بالمهلة السياسية المحددة وقانون "كوركر – كاردين" الذي يفرض مراجعة الكونغرس، كان الإيرانيون يرسلون إشارات باردة مفادها: "نحن لسنا في عجلة من أمرنا".

"اللعب بالمواعيد النهائية ليس صدفة أو اضطرارا، ولكنه جزء من قواعد اللعبة ذاتها"

هذا الهدوء الإيراني وضع الأمريكيين في مأزق حرج؛ فلو تنازلوا من أجل الالتزام بالوقت، لافترسهم صقور الكونغرس بتهمة الاستسلام. هذا المأزق لخصه وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، بذكاء قائلا: "كلا الطرفين سيتعرض للهجوم إذا تنازل فقط للحاق بالموعد النهائي، لذلك كان تجاوزه أفضل لنا جميعا". وبالفعل، انقضى الموعد وتم تمديده يوما بعد يوم، حتى تحولت الأيام إلى أسبوع ثم إلى أسبوعين.

إعلان

في تلك المرحلة، بلغت المعركة النفسية ذروتها؛ إذ وصفت برناديت ميهان، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي آنذاك، المشهد بقولها: "كانت أعيننا تنزف"، في إشارة إلى تمكن الإرهاق وقلة النوم. وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، عندما شارف الجميع على الانهيار، رمى ظريف بورقته الأخيرة وقدم عرضا بدا مقبولا للجميع. وبذلك حصلت إيران على اتفاق مناسب، فيما نال الرئيس الأمريكي باراك أوباما في النهاية ما كان يريده: صفقة تاريخية يستطيع استعراضها والاحتفاء بها أمام العالم.

عراقجي (يمين) وبجانبه جواد ظريف خلال جولة من المحادثات النووية عام 2014 (الفرنسية)

قدمت الأزمة الأخيرة مع واشنطن مثالا آخر، ففي مواجهة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يميل لعقد صفقات سريعة كما يحكي في كتابه "فن الصفقة"، سعت طهران لتحويل الزمن إلى عامل ضغط من خلال خنق الاقتصاد العالمي بغلق مضيق هرمز. وقد رد الأمريكيون لاحقا بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لعكس تأثير الوقت وإجبار إيران على تجرع نصيبها من الكأس ذاته. ورغم ذلك تمسكت طهران بالصبر وتحملت الأضرار واستمرت في المماطلة حتى تمكنت من الحصول على اتفاق يتضمن مكاسب مهمة لها بشكل ربما لا يعكس موازين القوى الحقيقية، مستغلة حقيقة أن خصمها كان في عجلة من أمره للوصول لاتفاق.

"لا تتوقف الضغوط إلا في اللحظات الأخيرة بعد التأكد من اعتصار الخصم واستنفاد أقصى قدر ممكن من التنازلات منه"

فوفقا للنمط التفاوضي الإيراني، لا تتوقف الضغوط إلا في اللحظات الأخيرة بعد التأكد من اعتصار الخصم واستنفاد أقصى قدر ممكن من التنازلات منه. فقبيل توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة مع واشنطن، واصل الإيرانيون الضغط من أجل إدخال تعديلات على الصياغة، والتحكم في وقت التوقيع الذي كان ترمب يرغب أن يتزامن مع عيد ميلاده الثمانين في 14 يونيو/حزيران. في النهاية انتظر الإيرانيون حتى الساعة الواحدة صباح اليوم التالي (15 يونيو/حزيران) بتوقيت طهران ليعلنوا الموافقة رسميا، فيما كانت الساعة لا تزال الخامسة بعد الظهر بتوقيت واشنطن، وهكذا سمح فارق التوقيت لكل طرف بادعاء تحقيق "نصره الخاص" فيما يتعلق بموعد توقيع الاتفاق.

الواقعية السياسية خلف الخطاب الثوري

ربما تكمن أكثر مفارقات السياسة الإيرانية إثارة للاهتمام في قدرتها على الجمع بين خطاب ثوري مرتفع السقف وسلوك تفاوضي شديد البراغماتية. فعلى امتداد عقود، تفاوضت طهران مع الولايات المتحدة في أكثر من ملف رغم استمرار خطاب العداء المتبادل. لا يمثل ذلك خصوصية إيرانية بالتأكيد، فالتاريخ مليء بأمثلة لدول رفعت شعارات صدامية وخاضت مفاوضات مع أعدائها في نفس الوقت، لكن الحالة الإيرانية تبدو لافتة لأن التناقض الظاهري بين الخطاب والممارسة أطول زمنا وأكثر وضوحا.

ومن أشهر هذه المفاوضات السرية قضية "إيران كونترا" حينما تلقت الجمهورية الإسلامية أسلحة من الولايات المتحدة عبر إسرائيل بهدف تدعيم موقف طهران في حربها مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، في الوقت الذي كان الخميني ودائرته المقربة يرفضون علنا كل أشكال التفاوض مع الولايات المتحدة. بالمثل، بدأت المباحثات النووية مع الأمريكيين بشكل سري في عهد الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، قبل أن تُعلن رسميا في عهد خليفته حسن روحاني عام 2013.

"تعنى ثقافة التفاوض الإيرانية بالأمور الرمزية، كرفض اللقاء المباشر مع الأمريكيين أو الامتناع عن التقاط الصور معهم، واللجوء إلى وسطاء لتمرير الرسائل"

رغم ذلك، تضطر طهران في كثير من الأحيان لفتح قنوات اتصال خلفية مع خصومها لتجنب التصعيد الموسع مع حفظ ماء الوجه، ومثال ذلك ما نقلته صحف غربية وتحدث عنه ترمب نفسه حول تنسيق مسبق لرد إيران العسكري عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في يناير/كانون الثاني 2020، عبر إطلاق صواريخ على قاعدة أمريكية في العراق دون إيقاع إصابات، بينما استمر الخطاب العلني الإيراني يهدد بانتقام واسع.

استمر النمط نفسه خلال الأزمة الحالية، فبينما دأب ترمب ونائبه جيه دي فانس وكبار المسؤولين الأمريكيين على الحديث عن تنازلات واتصالات إيرانية سرية، استمرت إيران في النفي والإنكار بل والتندر أحيانا. هذه الوقائع مجتمعة، وغيرها، تظهر الاهتمام البالغ لثقافة التفاوض الإيرانية بالأمور الرمزية، كرفض اللقاء المباشر مع الأمريكيين أو الامتناع عن التقاط الصور معهم، واللجوء إلى وسطاء لتمرير الرسائل. وتساهم هذه الإجراءات الشكلية في تقليص الهوة بين الخطاب والفعل، وإضفاء المصداقية على الصورة المهيبة التي يحرص نظام الجمهورية الإسلامية على إبرازها، لكن لا تمنعه من التصرف ببراغماتية في السر كلما دعت الحاجة لذلك.

بين السمعة والواقع

ولكن رغم السمعة العالمية التي بناها المفاوض الإيراني، فإن مسيرة الدبلوماسية الإيرانية لم تكلل بالنجاح في العديد من المحطات التفاوضية، كما تعرض المفاوضون أحيانا لقيود وإملاءات من مراكز صنع القرار. وقد تعرضت إيران لحربين مدمرتين في يونيو/حزيران 2025 وفبراير/شباط 2026 بينما كانت منخرطة في مسار تفاوضي مع واشنطن، وفي المرتين شعر الأمريكيون بإحباط من المسار الدبلوماسي أو ربما استخدموه للخديعة، وعوّلوا على الخيار العسكري رغم استبعاد طهران حدوث ذلك.

وتكشف مذكرات محمد جواد ظريف، أحد أبرز مهندسي الاتفاق النووي، عن توترات داخلية وصراع على الصلاحيات في بنية القرار الإيراني، كما تعكس شعوره أحيانا بأن العمل الدبلوماسي كان يتحرك ضمن حدود يفرضها مركز القرار الأعلى. وتظهر سيرة ظريف السياسية أنه لوّح بالاستقالة في أكثر من مناسبة، أبرزها استقالته في فبراير/شباط 2019، بعد مفاجأته بزيارة الرئيس السوري السابق بشار الأسد إلى طهران من دون علمه، قبل أن يتراجع عن الاستقالة لاحقا.

"لا تقتصر قوة المفاوض على ما يملكه من أوراق بل تشمل أيضا الصورة التي يحملها عنه خصومه"

ويكشف ظريف عن أن الحماسة الثورية للدبلوماسيين الإيرانيين في السنوات الأولى من عمر الجمهورية كانت توقعهم في أزمات بسبب غياب الخبرة المؤسسية، وكانت خطواتهم تأتي بأثر عكسي أحيانا. ولكن بغض النظر عن أوجه القصور، فإن السمعة وحدها تعد ورقة قوة، فلا تقتصر قوة المفاوض على ما يملكه من أوراق فعلية بل تشمل أيضًا الصورة التي يحملها عنه خصومه، فحين تترسخ صورة دولة ما بوصفها قادرة على إدارة الصراعات الطويلة ومفاوضة الدول الكبرى، تصبح هذه السمعة جزءا من رصيدها السياسي.

لذلك لا يكمن سر قوة المفاوض الإيراني في امتلاكه وصفة سحرية لا يعرفها غيره، بقدر ما يكمن في تعامله مع التفاوض بوصفه امتدادا للصراع لا طريقا سريعا للخروج منه. فلم تأت "أسطورة" المفاوض الإيراني من كونه يربح كل الجولات، بل لأنه نادرا ما يقبل إنهاء المعركة بسرعة قبل أن يختبر جميع الاحتمالات وكثيرا يستطيع تحمل كلفة الصراع لفترات أطول من خصومه. ومع مرور الوقت تحول الصبر من تكتيك سياسي إلى جزء من الهوية الدبلوماسية الإيرانية، حتى باتت القدرة على الاحتمال وإدارة الزمن تُقرأ أحياناً بوصفها عبقرية تفاوضية في حد ذاتها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا