في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
فجّر الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون مفاجأة من العيار الثقيل بإعلانه رسميا انشقاقه عن الحزب الجمهوري، مؤكدا أن الحزب لم يعد يمثل آراءه وقناعته، وذلك في وقت يواجه فيه الجمهوريون تصدعات داخلية متزايدة على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتنامي الانتقادات لطريقة تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإدارته مع تداعياتها الاقتصادية.
وجاء الإعلان خلال حلقة من بودكاست "كانت بي سينسورد"، التي بُثت الخميس الماضي، وانتشرت بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي أمس الاثنين، إذ لفت كارلسون إلى أن "أرقام استطلاعات الرأي الآن تروي قصة واضحة بشأن هذا الأمر. لن أدعم الحزب الجمهوري، لا توجد فرصة لذلك".
ونرصد لكم في هذا التقرير أسباب انسحاب كارلسون من الحزب الجمهوري ودلالات توقيته، بعدما كان أحد أبرز الأصوات الداعمة للجمهوريين لنحو 3 عقود.
أعلن كارلسون (57 عاما) خلال الحلقة انسحابه من الحزب الجمهوري، متهما إياه بـ"خيانة" الشعب الأمريكي ووضع مصالح الشركات الممولة و إسرائيل فوق مصالح المواطنين، لا سيما فيما يتعلق بالحرب على إيران المندلعة منذ 28 فبراير/شباط الماضي.
وأوضح كارلسون أنه لطالما كان من أشد داعمي الحزب الجمهوري، إذ كان يصوت لهم على مدار 35 عاما، قائلا "عملت في شبكات فوكس نيوز، وسي إن إن، وإم إس إن بي سي. كنت مدافعا ثابتا عن الحزب الجمهوري طوال 35 عاما. لا يمكن الدفاع عن هذا الأمر لأنه غير أخلاقي، وهو عكس ما يُفترض أن يقوم به أي حزب سياسي في نظام ديمقراطي، ألا وهو تمثيل ناخبيه ومواطنيه وأمته، وهم لا يفعلون ذلك".
كما أكد أن انسحابه لا يقتضي بضرورة الأمر دعمه للحزب الديمقراطي على حساب الجمهوريين، مضيفا "لن أدعم الحزب الديمقراطي. لا أدري ماذا سأفعل".
قال كارلسون إن الحزب الجمهوري قام بـ"خيانة" ناخبيه عبر إعطاء الأولوية للأمن القومي الإسرائيلي على حساب الأمن القومي الأمريكي، مضيفا "كيف يمكن لي أو لأي ناخب أمريكي أن يدعم حزبا سياسيا غير موالٍ للولايات المتحدة، ويضع مصالح دولة أجنبية فوق مصالح مواطنيه؟ يستحيل التصويت لأشخاص كهؤلاء، ولن أفعل ذلك".
وأضاف كارلسون أن انشقاقه، إضافة إلى استطلاعات الرأي التي تُظهر أن الحرب مع إيران لا تحظى بشعبية، ينبغي أن يكون بمنزلة جرس إنذار للحزب الجمهوري.
وأظهر استطلاع للرأي صادر عن شبكة "سي بي إس" الأحد الماضي تضاؤل دعم الشارع الأمريكي للحرب على إيران، إذ يريد 78% من الأمريكيين أن تضع إدارة ترمب نهاية لحربها مع إيران، من دون العودة إلى الأعمال العدائية من الجانبين. ومع اقتراب واشنطن من التوصل إلى اتفاق مع إيران مماثل لاتفاق الرئيس الأسبق باراك أوباما في عام 2015، يرى نحو 69% أن تكلفة الحرب لم تكن تستحق الدخول في هذا الصراع منذ البداية.
وبحسب صحيفة "إندبندنت"، فهذا يعني أن سياسات ترمب الخارجية لا تحظى بتأييد الناخبين على الإطلاق، حتى مع استمرار الإدارة الأمريكية في خوض مباحثات سلام مع إيران لتثبيت وقف إطلاق النار، التي من المقرر استئنافها الأربعاء المقبل.
يأتي إعلان كارلسون بالتزامن مع استعدادات الحزب الجمهوري لخوض انتخابات تجديد نصفية مصيرية أمام الحزب الديمقراطي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وسط تصاعد الانتقادات بين الناخبين لسياسات ترمب الخارجية وإدارته للعجلة الاقتصادية الداخلية.
ورغم توصل ترمب إلى مذكرة تفاهم من طهران بشأن الحرب، فلم يتم إقرار وقف نهائي للحرب بعد. وقد يؤدي استمرار الوضع الراهن إلى تآكل دعم الكتلة الانتخابية التي ساندته، إذ إن استمرار المحادثات دون أفق نهائي قد يُترجَم لدى قاعدة ترمب الشعبية بأنه تراجع عن وعوده بإنهاء النزاعات ووضع "أمريكا أولا" في أجندة إدارته.
وفي هذا الصدد، يتوقع كارلسون أن يؤدي انشقاقه عن الجمهوريين إلى انسحاب عدد كبير من القاعدة الجماهيرية للحزب، مما قد يؤثر في الدعم الذي تتمتع به إدارة ترمب بين المحافظين في الولايات المتحدة.
لم يكن إعلان كارلسون مفاجئا، بل كان متوقعا إلى حد كبير، فقد لوحظ تحوّل موقفه تدريجيا منذ اندلاع الحرب على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي.
وفي أبريل/نيسان، وجّه الإعلامي الأمريكي انتقادات لاذعة علنا لإدارة ترمب، إذ اتهمها في بادئ الأمر بسوء إدارة شؤون الدولة والانخراط في حروب خارجية غير ضرورية. وذهب به الأمر حينئذ إلى الاعتذار حتى عن مشاركته في حملة ترمب الانتخابية في عام 2024.
وأردف أنه "يشعر بالأسى" بسبب دعمه لحملة ترمب الانتخابية، ويأسف على "تضليل الناس" في هذا الشأن.
وخلال الشهر ذاته، انتقد كارلسون تدوينة للرئيس الأمريكي على منصته تروث سوشيال، طلب فيها من إيران "فتح مضيق هرمز اللعين"، ملوّحا باللجوء إلى الخيار العسكري إذا رفضوا الامتثال لتعليماته. ورد الإعلامي على ترمب، متسائلا باستنكار شديد "من تظن نفسك؟ هل تغرد بكلمة بذيئة في صباح عيد الفصح؟"، في تعبير صريح عن رفضه القاطع لأسلوب الرئيس في التعامل مع خصومه.
في المقابل، واجه ترمب انتقادات كارلسون بنفيه من حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" ( ماغا)، قائلا إنه "ضل الطريق" ولم يعد جزءا من الحركة، وذلك ردا على انتقادات الإعلامي على قرار مهاجمة إيران، الذي وصفه بـ"المقزز" و"الشرير للغاية".
وصرّح ترمب -خلال مقابلة في مارس/آذار الماضي- بأنه كان يعرف موقف الإعلامي منذ مدة طويلة، مؤكدا أنه ليس من أنصار حركة "ماغا" التي "تنقذ بلدنا"، مضيفا أنه لا يفهم مبادئ الحركة التي تهدف إلى جعل الولايات المتحدة أقوى، حسب قوله.
لم يكن كارلسون أول من انسحب من الحزب الجمهوري بسبب سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، فقد سبقته إلى ذلك النائبة الجمهورية السابقة في الكونغرس مارجوري تايلور غرين، التي انشقت إثر خلاف مماثل مع ترمب بشأن انزلاق الولايات المتحدة في الحروب الخارجية ووضع مصلحة إسرائيل ضمن مصالح الولايات المتحدة.
وقالت خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إن الشعب الأمريكي صوّت لترمب دعما لتوجه حركة "ماغا"، التي كان من المفترض أن تعطي الأولوية في كل السياسات للشعب الأمريكي. وكان يتضمن ذلك -على حد تعبيرها- التوقف عن إرسال المساعدات الخارجية والتوقف عن التورط في الحروب الخارجية، والتركيز بدلا من ذلك على أمور مثل تكاليف المعيشة المرتفعة وإشكالات التأمين الصحي.
كما اتهمت غرين إدارة ترمب بالضلوع في دعم حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على أهالي قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتعليقا على خروج كارلسون من الحزب الجمهوري، قالت غرين على منصة إنستغرام إن "تاكر ليس الوحيد الذي سئم دعم الحزب الجمهوري. هناك كثيرون منا سئموا تماما" وضع الحزب و"لن يدعموا حزبا يخون ناخبيه وبلده".
وأكدت -كما فعل كارلسون قبلها- أن هذا لا يعني انضمامها إلى صفوف الحزب الديمقراطي، لكنه تعبير عن فقدانهم الأمل في الحزب الجمهوري، الذي بات يضع "أمريكا في المرتبة الأخيرة".
يتمتع كارلسون بقاعدة جماهيرية واسعة، ويُعَد أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في التيار المحافظ في الولايات المتحدة، إذ يمتلك القدرة على تحريك ملايين الناخبين المحافظين، الذين تابعوا برامجه على مدار سنوات في شبكة "فوكس نيوز" أولا، ومن ثَم برنامج البودكاست الخاص به.
وبحسب وصف مديرة برنامج كاهان للأمم المتحدة في قسم الشؤون العالمية بكلية أوكسيدنتال عزة كرم، فقد تحوّل كارلسون على مدار العقد الماضي من مذيع تلفزيوني محافظ تقليدي إلى أحد أكثر الأصوات تأثيرا داخل حركة "ماغا".
للاطلاع على مقال الرأي الخاص بعزة كرم عن تحوّل مواقف تاكر كارلسون
وقد يُترجَم انسحابه ونيته عدم التصويت للجمهوريين خلال الانتخابات المقبلة إلى عزوف انتخابي لدى الشريحة التي تدعم ترمب، مما قد يُضعف هوامش الفوز بالنسبة لحزبه. كما قد يؤدي إعلانه الأخير إلى تشجيع معارضي الرئيس الأمريكي من الجمهوريين على توجيه انتقادات علنية بشكل أوسع، وربما حتى أن يحذوا حذوه في الانشقاق عن صفوف الحزب.
ويمثل فقدان كارلسون خسارة ترمب أحد داعميه البارزين داخل التيار المحافظ -الذي يُفترض أنه يمثله- خاصة مع الاتهامات الموجهة إليه بتقديم مصالح دولة أجنبية على مصالح ناخبيه. وستكشف الأيام المقبلة إن كان رحيله سيشكل شرارة لمزيد من الانشقاقات داخل صفوف الحزب الجمهوري، أم أنه سيبقى حالة فردية لا تؤثر في مسار الحزب الحالي وفرصه في الفوز خلال الانتخابات النصفية المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة