آخر الأخبار

رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي.. لماذا تخلّت إسرائيل عن عقيدة الحروب الخاطفة؟

شارك

نشر مركز "ألما" الإسرائيلي للأبحاث تحليلاً تناول القتال الدائر في منطقة يعتبرها ذات أهمية استراتيجية جنوب لبنان، رابطاً بين مجريات الحرب الحالية والتحولات التي طرأت على أسلوب إدارة العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب التقرير، ينفذ الجيش الإسرائيلي حالياً عمليات برية على تلة علي الطاهر ضد ما وصفها بالبنية التحتية الرئيسية تحت الأرض التابعة لوحدة بدر (وحدة عمليات خاصة مسؤولة عن إدارة جبهات القتال في حزب الله)، والتي تقع على بعد نحو 10 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية قرب المطلة.

ويقول إن الموقع يُستخدم مقراً رئيسياً للوحدة، ومن المرجح أنه يمتلك القدرة على إطلاق أسلحة وتنفيذ هجمات داخل الأراضي الإسرائيلية، فضلاً عن احتوائه على عدة مجمعات تحت الأرض، يمتد أكبرها لأكثر من كيلومتر واحد.

لكن أهمية الموقع لا تقتصر على دوره العسكري، بحسب التقرير، إذ ترسم تقارير إسرائيلية أخرى صورة مقلقة عن هذه المنطقة المرتفعة، ما يثير تساؤلات حول أسباب انتظار إسرائيل نحو 900 يوم للسيطرة على قلعة الشقيف ثم استهداف هذه المنطقة، في حين تمكن الجيش الإسرائيلي من السيطرة على القلعة خلال يومين فقط عند انطلاق عملياته في لبنان عام 1982.

ويطرح التحليل سؤالاً مركزياً: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت هذه المرة؟

ويعزو ذلك إلى ما يصفه بعقيدة عسكرية جديدة تبلورت بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فبدلاً من اعتماد مبدأ حرب المناورة الذي يجمع بين الحركة السريعة والقوة النارية، كما نصت عليه خطة "الزخم" التي تدرب عليها الجيش الإسرائيلي لسنوات، فضّل الجيش اتباع نهج التقدم البطيء والتدريجي، بحسب التحليل.

ويشير إلى أن وتيرة العمليات الحالية باتت تشبه، من حيث البطء، بعض مشاهد ساحات الحرب العالمية الأولى ، وإن كانت من دون مستويات الخسائر البشرية نفسها. ويؤكد أن أي حرب لا تخلو من الخسائر، لكنه يتساءل عن جدوى خوض حرب تمتد لنحو 900 يوم بدلاً من ستة أيام فقط كما حدث في حرب الأيام الستة، إذا كانت الحصيلة النهائية للخسائر قد تكون متقاربة.

داخل هذا النقاش، يرى التحليل أن الحروب القصيرة تخدم مصالح إسرائيل بصورة أفضل، لافتاً إلى أن القادة الإسرائيليين في العقود الأولى من تأسيس الدولة العبرية كانوا يدركون هذه الحقيقة، ولذلك فضّلوا التقدم السريع ونقل المعركة إلى أراضي الخصم، إدراكاً منهم أن أي حرب طويلة تتحول مع مرور الوقت إلى سباق مع الزمن.

عقيدة "المناطق العازلة"

يشير التحليل إلى أن إسرائيل أقامت خلال الحرب الحالية مناطق أمنية في غزة وسوريا ولبنان، معتبراً أن هذا التوجه يمثل جوهر العقيدة الجديدة التي تقوم على إنشاء مناطق عازلة، وتدمير المنازل داخلها، ثم البقاء فيها لفترات طويلة.

وبحسب القراءة نفسها، فإن هذه السياسة تفرض على الجيش الإسرائيلي أعباء مستدامة تتمثل في التمركز داخل مواقع ثابتة وتسيير دوريات مستمرة لحمايتها، بدلاً من تنفيذ عمليات سريعة وحاسمة تنتهي بانسحاب القوات.

ورغم تقديم الحرب على لبنان داخل إسرائيل بوصفها نجاحاً عسكرياً، يرى التحليل أنها تثير سلسلة من التساؤلات، فحزب الله منظمة مسلحة لم يكن ينبغي أن تصل قدراتها إلى امتلاك نحو 150 ألف صاروخ أو تطوير قوة عسكرية تقليدية تتيح لها التفكير في اجتياح إسرائيل، بحسب النص.

ويضيف أن إسرائيل لم تواجه في تاريخها قوة متمركزة في لبنان قادرة على اجتياحها.

مقارنة مع حروب الماضي

يستعرض التحليل تجارب الحروب السابقة، مشيراً إلى أن قادة إسرائيل كانوا يتفاخرون بقدرتهم على منع أي اجتياح لأراضيهم ونقل المعركة سريعاً إلى أرض الخصم، كما حدث في حروب أعوام 1956 و1967 و1973 و1982.

ويشير إلى أنه رغم الانتكاسة التي تعرضت لها إسرائيل في بداية حرب عام 1973، فإن الجيش الإسرائيلي تمكن خلال أسبوعين فقط من عبور قناة السويس ونقل المعركة إلى الضفة الأخرى، مقارنة بما تشهده الساحة اللبنانية من قتال مستمر منذ نحو 900 يوم.

ويرى أن هذه المقاربة كانت تمثل العقيدة العسكرية التي تبناها قادة مثل موشيه ديان وأريئيل شارون وإسحاق رابين وغيرهم.

كما يلفت إلى أنه حتى خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ورغم تحولها لاحقاً إلى حرب استنزاف طويلة، فإن التقدم الأولي الذي تحقق خلال يومين فقط تجاوز، وفق التحليل، ما أُنجز خلال الحرب الحالية في لبنان بعد 988 يوماً من القتال.

ويضيف أن المشكلات الكبرى بدأت عندما قررت إسرائيل البقاء في لبنان لمدة 18 عاماً، معتبراً أن السياسة التي تُطبق اليوم تعيد إنتاج بعض عناصر تلك التجربة، ومتسائلاً عما إذا كانت النتائج ستكون مشابهة.

وفي السياق نفسه، يشير التحليل إلى أن ما يُعرف بـ"عملية الليطاني" عام 1978 حققت تقدماً أكبر داخل الأراضي اللبنانية خلال أيام معدودة مقارنة بما تحقق خلال الحرب الحالية.

مصدر الصورة جندية إسرائيلية خلال احتجاج لليهود المتشددين ضد التجنيد العسكري، 28 أغسطس 2024. AP Photo

قوة حزب الله العسكرية

يتناول التحليل أيضاً أحد التفسيرات الشائعة لطول أمد الحرب، والمتمثل في قوة حزب الله العسكرية، إلا أنه يعتبر أن هذا التفسير يعيد طرح سؤال أكثر جوهرية: لماذا سُمح للحزب بأن يصبح بهذه القوة أساساً؟

ويتساءل أيضاً عن أسباب السماح له ببناء قواعد جبلية على بعد ستة أميال فقط من الحدود، وعن الكيفية التي لا تزال بها شبكة الأنفاق والتحصينات التابعة له قائمة حتى الآن، في وقت تتعرض فيه إسرائيل لضغوط من أجل وقف إطلاق النار.

ويرى مركز "ألما" أن الحرب البطيئة في لبنان، المستندة إلى العقيدة التي طُبقت سابقاً في غزة، أدت إلى بقاء حزب الله متمركزاً على بعد أميال قليلة من الحدود الإسرائيلية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب تبني هذا النهج ومحاولة تطبيقه في الساحة اللبنانية.

ويرى أن هذا التوجه يعيد إلى الأذهان مفهوم "خط بارليف" (خط دفاع عسكري أقامه الجيش الإسرائيلي على طول قناة السويس عام 1969 لترسيخ وجوده في سيناء)، والتحصينات الثابتة التي ارتبطت بحقبة سابقة، رغم أنها اعتُبرت إحدى نقاط الضعف الرئيسية خلال حرب عام 1973.

وفي ختام التحليل، يتمّ طرح تساؤل حول أسباب عودة إسرائيل إلى مفاهيم عسكرية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي وما قبلها، رغم امتلاكها تفوقاً تكنولوجياً يسمح لها بتنفيذ ضربات دقيقة واختيار زمان ومكان العمليات. ويعتبر أن هذا التفوق كان يفترض أن يدعم حروباً سريعة تمنع الخصم من إعادة تنظيم صفوفه وتُبقيه في حالة ارتباك دائم.

أما اليوم، فيرى التحليل أن حزب الله قد يتمكن من إعادة ترتيب أوضاعه خلال فترة وقف إطلاق النار، وأن استمرار وجوده قرب الحدود قد يؤدي، كما حدث مع حماس في السابق، إلى بقاء التهديد قائماً واحتمال اندلاع جولات جديدة من الحرب في المستقبل.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا