في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
صنعاء- على مدار عام ونصف، ظل الشاب القعقاع عنتر مقبل ناصر العبسي -الملقب بـ "سبايدرمان اليمن"- يمارس مهنة التسلق بشغف قادته إليه ضراوة العيش، متخذا من فوهة بركان خامد وسط مدينة دمت، المعروفة بكثافة حممها وتضاريسها القاسية، مسرحا لمغامرة لم يجرؤ أحد قبله على خوضها.
كان القعقاع (17 عاما) ينزل إلى أعماق "حرضة دمت" البركانية ليؤدي حركات بهلوانية وصفها مراقبون بالمخيفة، ويكتب أسماء الزوار في قاع الفوهة مقابل مبالغ زهيدة تعين أسرته على البقاء. لكن هذه الشجاعة الاستثنائية انتهت بنهاية مأساوية مباغتة؛ فبينما كان الشاب عائدا من أسفل الفوهة بعد عام ونصف من تحدي الموت اليومي، تلقفته الهاوية فجأة ليتحول مصدر رزقه إلى مدفنه الأخير.
وانتقلت الجزيرة نت إلى حارة "البكيلي" بمنطقة دمت التابعة ل محافظة الضالع، حيث يخيم حزن ثقيل على منزل أسرة الراحل. هناك، التقينا بوالده، عنتر مقبل العبسي (50 عاما)، الذي تحدث بنبرة يمتزج فيها القهر بالتحسر، مسترجعا محاولاته المستميتة لإنقاذ ابنه من هذا المصير.
وقال "والله إني حاولت معه حتى تعبت، ضربته أكثر من مرة، وسجنته في البيت عشان ما يطلع الحرضة"، ولم يستطع الأب المكلوم إكمال حديثه بعد أن خنقته العبرات، فاكتفى بعبارات تختزل العجز والألم أمام إصرار الفقر: "الحمد لله على كل حال، حاولت معه كثيرا لكن لم يسمع مني".
وعن الدوافع المادية التي غلبت الخوف، أوضح أصيل للجزيرة نت: "الأوضاع قاسية جدا صراحة، أبناء عمي عنتر 7 مع القعقاع، 4 ذكور و3 بنات"، مشيرا إلى أن القعقاع كان يتحمل مسؤولية عائلية تفوق سنه بكثير، مؤكدا: "كان يسلم ما يشقى به إلى يد أمه".
هذه التفاصيل أكدتها لنا والدة القعقاع، ملمحة إلى صراعها الداخلي بين الخوف والحاجة، وقالت للجزيرة نت إنها كانت متضايقة مما يقوم به، إلا أن التسلق كان يعد مصدر دخل له.
ويستطرد أصيل مقبل ليوضح مدى الضغوط التي مارستها العائلة لردع الشاب دون جدوى، مضيفا: "حاول الجميع منعه من النزول للحرضة، أبوه ضربه وسجنه في البيت لمدة أسبوع قبل وفاته أكثر من مرة لعله يتراجع، حتى أيام العيد كان محبوسا بالبيت عشان ما يطلع. والله حتى إن أخاه الكبير أطلق النار عليه لإخافته، لكن دون جدوى".
وأكد أن العائلة كانت تعيش في ضيق مستمر من هذه المغامرة، لكن القعقاع كان يرى في الحافة الخطرة مورد رزقهم الوحيد، مضيفا: "كان دائما يسألنا: إذا تركتها من سيصرف على أسرتي؟ هل أموت من الجوع أو أمد يدي للناس؟".
وعن التحول الدراماتيكي في حياة الشاب، تتبعت الجزيرة نت بداياته؛ فقبل أن يجد الهاوية كملاذ لتأمين لقمة العيش، كان القعقاع يعمل حارس مرمى بدون مقابل، إلا أنه ترك المرمى بعد أن وجد نفسه قادرا -في التسلق- على كسب القوت وإعالة عائلته.
وتابع أصيل: "أحيانا كان يحصل على 15 ألف ريال، وأحيانا 16 ألفا، كل ما يكسبه من الحرضة يعطيه لأمه فورا كمصروف للبيت. وأحيانا والله كان يروح ما معه ريال، ينزل بلاش ويمتع الزوار بحركاته التي يقوم بها أثناء التسلق".
ولم تقف مأساة القعقاع عند حدود جغرافيا المكان، إذ أثارت جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، وامتدت شرارتها إلى وسائل الإعلام اليمنية والعالمية، عاكسةً حالة من الحزن الشعبي الممزوج بالاستياء؛ حيث عبر اليمنيون عن "سخطهم جراء غياب فرص العمل وتأمين مستقبل شباب اليمن في بلاد تنهشها الحرب منذ عقد من الزمن".
وتداول مغردون يمنيون عبارة: "نحن نشتهر بعد موتنا"، في إشارة إلى اضطرار الشباب إلى امتهان المخاطر ليتمكنوا من العيش، لتنتهي حياتهم بنهايات مأساوية.
وبخصوص عملية الإنقاذ، تحدث الجزيرة نت مع عبده محمد القانص، غواص الدفاع المدني بمحافظة الضالع، الذي كشف عن كواليس اللحظات الأخيرة لانتشال جثة القعقاع، قائلا: "تلقينا بلاغا رسميا مساء الحادثة للتحرك صوب حرضة دمت وانتشال الجثة"، موضحا أن الفريق هبط مستخدما الحبال والسلال الحديدية وسط عوائق بالغة الصعوبة؛ أبرزها تراكم المخلفات في القاع، والارتفاع الحاد في درجة حرارة المياه.
ولفت إلى الطبيعة الطبوغرافية المعقدة للموقع، موضحا: "أن تضاريس الحرضة تنحدر تدريجيا بزاوية 90 درجة وصولاً إلى عمق 31 مترا"، مؤكدا أن الجثة تدحرجت من نقطة السقوط لتستقر عند تلك الزاوية القاسية، حيث حالت شباك حديدية -كانت قد سقطت في الحرضة سابقا- دون غرقها في قاع أكثر عمقا، مما مكن الفريق في النهاية من تحديد موقعها وانتشالها.
وقد حاولت الجزيرة نت التواصل مع السلطة المحلية في مديرية دمت للوقوف على "أسباب غياب السياجات الأمنية أو التدابير الوقائية والتنموية"، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى كتابة هذا التقرير.
ولا تبدو قصة "سبايدرمان اليمن" إلا فصلا من كتاب مأساة أوسع يطال آلاف الشباب الذين يدفعهم العوز إلى حتفهم في مهن خطرة؛ ففي بلد تتجاوز فيه معدلات البطالة بين الشباب حاجز الـ 60%، ويعيش أكثر من 80% من سكانه تحت خط الفقر الفعلي جراء استمرار الصراع المسلح، يندفع نحو 85% من العمالة الشابة إلى رصيف "القطاع غير المنظم" والمهن الحرة الخطرة التي تفتقر لأدنى معايير السلامة المهنية.
وتسجل المستشفيات المحلية مئات حالات الوفاة والعجز سنويا جراء السقوط من المرتفعات كأعالي الأشجار، والمباني قيد الإنشاء، أو ورش البناء.
وفي المكان ذاته، يبرز الشاب مهيب فيصل (30 عاما)، المنحدر من محافظة إب والملقب بـ"عنكبوت اليمن"، وهو رفيق القعقاع في المهنة نفسها. وقال للجزيرة نت بنبرة يسكنها اليأس والاضطرار: "والله مصروف العيال ضروري، من أجلهم سأعبر البحر والجو، وأتمنى من الناس أن يعرفوا الوضع الذي نعيشه".
وتكشف قصة مهيب عن "وهم الشهرة الرقمية التي لم تشكل له طوق نجاة"؛ إذ يؤكد بمرارة أن تفاعل الجمهور وملايين المشاهدات التي تحصدها فيديوهاته على منصات التواصل الاجتماعي لم تمكنه من سداد إيجار شقته المتأخر منذ خمسة أشهر.
وتساءل: "إيش استفدنا من الشهرة، فيديوهاتي باليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي وأنا ما قدرت أسدد إيجار البيت"، واستطرد بأسى بخصوص فقدانه الأمل في الحصول على بديل آمن: "تعبت وأنا منتظر من سيدعمني أو يقول لي تعال أشغلك عندي بدل ما تخاطر بحياتك وتيتم أطفالك، لكن ولا من جاء ولا من اتصل".
وأكد المتسلق مهيب استمراره في خوض هذه المغامرة الخطرة التي يمارسها منذ 7 سنوات في الفوهة ذاتها التي "التهمت صديقه قبل أيام"، موضحا: "ضروري إني أوفر مصروف العيال، والله ما خاطرنا بالروح إلا من أجلهم.. والله لو معي عمل ثاني ما عاد أنزل للحرضة".
وفي مدينة تعز، التقت الجزيرة نت بعدد من العمال العاطلين عن العمل والذين يتجمعون يوميا في "جولة وادي القاضي" بحثا عن مصدر رزق. هناك، تحدث إلينا العامل عبد الكريم الحداد (45 عامًا) عن غياب أدنى معايير الأمن والسلامة المهنية للعمال في تعز واليمن بشكل عام، قائلا: "لا توجد أحزمة أمان، ولا خوذات سلامة لحمايتنا.. إننا حرفيا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة من أجل لقمة العيش".
وأضاف مسترجعا تجربة قاسية مر بها في منطقة الدحي: "كنت أعمل عاملا بالأجر اليومي، وسقطت من أعلى سقالة مرتفعة لعدم توفر أي حزام أمان يثنيني عن السقوط". وأكد أن زملاءه يعملون في مشاريع كبرى، كمنارة جامع السعيد، ويعتلون المرتفعات الشاهقة وسط مخاطر جسيمة ودون أي إجراءات سلامة تذكر.
من جانبه، يلخص العامل الشاب عبده صالح (25 عامًا) واقع المعاناة المزدوجة بين البطالة والمخاطر، قائلا للجزيرة نت: "نجلس هنا لساعات طويلة بلا عمل، وإذا حظينا بفرصة فإنها تكون محفوفة بالمخاطر؛ لقد سقط صديقي مؤخرا من الطابق السابع لعمارة قيد الإنشاء، ولم ينجُ من الموت".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة