آخر الأخبار

بين وقف الحرب ومعضلة سلاح حزب الله.. إلى أين يتجه لبنان؟

شارك

يناقش الباحث شفيق شقير في هذه الدراسة الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات انعكاسات اتفاق وقف الحرب بين طهران وواشنطن على الساحة اللبنانية، انطلاقًا من موقع لبنان في نص الاتفاق نفسه، وتأثير ذلك على المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، ثم على وضع حزب الله والتوازنات السياسية الداخلية. ويرى الباحث أن الاتفاق يمنح لبنان فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف احتمالات الانزلاق إلى مواجهة جديدة، لكنه في الوقت ذاته لا يعالج القضايا البنيوية التي تقف خلف الأزمة اللبنانية، وفي مقدمتها سلاح حزب الله وتشابك الساحتين اللبنانية والإقليمية.

لبنان في نص الاتفاق

يرى الباحث أن لبنان لم يكن طرفًا هامشيًا في الاتفاق، بل احتل موقعًا واضحًا ومباشرًا في بنوده الأساسية. فقد نص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية في مختلف الجبهات، وجرى ذكر لبنان بالاسم ضمن هذه الجبهات، كما تضمن التزامًا بعدم شن عمليات عسكرية ضده أو منه مستقبلًا، مع التأكيد على وحدة أراضيه وسيادته.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الانتقال الديمقراطي في تونس.. مراجعات نقدية للمسار والأدوار
* list 2 of 2 باب المندب بعد الاتفاق.. هدوء مؤقت أم جولة جديدة من الصراع؟ end of list

ويشير شقير إلى أن هذا الحضور الواضح للبنان يزيل أي غموض حول شموله بالاتفاق، بخلاف ساحات أخرى قد تبقى موضع جدل أو تفسيرات مختلفة. كما أن تخصيص لبنان بالذكر دون غيره من الجبهات يعكس استمرار خصوصيته في التفكير الإيراني، سواء من حيث البعد العقائدي المرتبط بعلاقة طهران بحزب الله، أو من حيث البعد الإستراتيجي المرتبط بموقع لبنان ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويضيف الباحث أن هذه الخصوصية تعني عمليًا أن إيران لا تزال متمسكة بدورها ونفوذها الإقليمي، حتى في الوقت الذي تظهر فيه استعدادًا لتقديم تنازلات في ملفات أخرى. فالعلاقة مع حزب الله لا تمثل مجرد علاقة سياسية عابرة، بل تشكل أحد أبرز مظاهر الحضور الإيراني خارج حدودها. ومن ثم فإن إدراج لبنان في الاتفاق يعكس رغبة إيرانية في الحفاظ على هذا النفوذ وعدم التعامل معه بوصفه ملفًا قابلًا للتنازل الكامل.

إعلان

كما يرى الباحث أن الاتفاق يؤكد بصورة غير مباشرة الترابط بين المسار اللبناني ومسار التفاوض الإقليمي. فالنص على وقف دائم للحرب في لبنان، وعلى احترام سيادته ووحدة أراضيه، يعني أن الملف اللبناني بات حاضرًا على طاولة التفاهمات الكبرى، وأن مستقبل التهدئة فيه أصبح جزءًا من حسابات أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية.

مصدر الصورة فاعلية لحزب الله في جنوب لبنان في ذكرى عاشوراء 17 يونيو/ حزيران (الأناضول)

أهم انعكاسات الاتفاق على مفاوضات واشنطن

يعتبر الباحث أن الاتفاق يمكن أن يمنح المفاوض اللبناني فرصة أفضل خلال المفاوضات الجارية في واشنطن، لأن نجاح الاتفاق نفسه يحتاج إلى الحفاظ على الهدوء ومنع عودة الحرب. ولذلك فإن جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ستكون حريصة على ضبط مسار التفاوض ومنع أي تطورات ميدانية قد تقوض ما تم التوصل إليه.

ويرى شقير أن المرحلة الأولى من الاتفاق، الممتدة على مدى ستين يومًا، ستتطلب بناء قدر من الثقة بين الأطراف المختلفة، وهو ما يجعل الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان عنصرًا أساسيًا في نجاح الاتفاق. كما أن الولايات المتحدة، باعتبارها راعية للتفاوض اللبناني-الإسرائيلي، ستكون معنية بإظهار قدرتها على إدارة هذا الملف ومنع تحوله إلى عامل تهديد للاتفاق الأوسع مع إيران.

ويشير الباحث كذلك إلى أن المصالح الأمريكية الداخلية قد تدفع واشنطن إلى مزيد من الحرص على استقرار الأوضاع. فالإدارة الأمريكية تواجه استحقاقات اقتصادية وسياسية متعددة، ولا ترغب في عودة التوترات الإقليمية بما قد ينعكس على الأسواق أو على الحسابات الانتخابية الداخلية.

أما إسرائيل، فعلى الرغم من تحفظها على الاتفاق، فإنها قد تجد نفسها مضطرة للتكيف معه إذا أصرت واشنطن على تنفيذه. ويلاحظ الباحث أن الإنجازات العسكرية الإسرائيلية لم تحقق الأهداف السياسية المرجوة بالكامل، الأمر الذي قد يدفعها إلى البحث عن مكاسب عبر طاولة التفاوض بدلًا من الميدان.

ومع ذلك، يؤكد شقير أن لبنان الرسمي لا يزال يتعامل بحذر مع هذا الترابط بين المسارين اللبناني والإقليمي. فهو يرغب في الاستفادة من نتائج التفاهمات الكبرى، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن يؤدي فشلها إلى انعكاسات سلبية مباشرة على لبنان. كما أن هناك مخاوف من أن تنتهي التفاهمات الأمريكية-الإيرانية إلى فصل الملف اللبناني عن أولوياتها في مرحلة لاحقة، بما يترك لبنان في مواجهة تحدياته منفردًا.

مصدر الصورة قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتكييف مع الاتفاق.. الصورة لجندي إسرائيلي (رويترز)

أهم انعكاسات الاتفاق على مفاوضات واشنطن

يضع الباحث الاتفاق في سياق الانقسامات السياسية اللبنانية الراهنة، وخاصة الخلافات القائمة بين الدولة اللبنانية وحزب الله بشأن الحرب ومآلاتها، وبشأن المفاوضات الجارية مع إسرائيل. ويرى أن الاتفاق قد يسهم في تخفيف حدة هذه التوترات لأنه يضع إطارًا دوليًا وإقليميًا يسمح بانتقال النقاش من منطق المواجهة إلى منطق التسوية.

ويعتقد شقير أن استمرار المسار التفاوضي الإقليمي من شأنه أن ينعكس إيجابًا على العلاقات بين القوى اللبنانية المختلفة، وأن يخلق مناخًا أكثر ملاءمة للبحث في الملفات الداخلية المؤجلة، سواء تلك المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي أو بتعزيز دور الدولة أو بإدارة العلاقة مع إسرائيل.

إعلان

كما يرى أن موقف حزب الله من المفاوضات المباشرة قد يشهد قدرًا من البراغماتية السياسية، حتى لو استمر رفضه المبدئي لهذا المسار. فالحزب قد يجد نفسه أكثر استعدادًا للتعامل مع نتائج التفاوض إذا كانت تضمن وقفًا فعليًا للحرب وانسحابًا إسرائيليًا من الأراضي اللبنانية.

وفي المقابل، يلفت الباحث إلى أن الخلافات الحالية ليست وليدة الحرب الأخيرة فقط، بل هي امتداد لخلافات أعمق تتعلق بطبيعة النظام اللبناني نفسه وبموقع حزب الله داخله. ولهذا فإن الاتفاق، مهما كانت أهميته، لا يستطيع بمفرده معالجة هذه الإشكاليات المتجذرة.

مصدر الصورة وفد التفاوض الإيراني برئاسة وزير الخارجية عباسر عراقجي في سويسرا (الفرنسية)

معضلة سلاح حزب الله ومستقبل التسوية

يرى الباحث أن القضية الأكثر تعقيدًا في المشهد اللبناني تظل مرتبطة بسلاح حزب الله. فهذه المسألة تمثل نقطة التقاء بين البعدين الداخلي والإقليمي، وهي في الوقت نفسه إحدى أبرز العقبات أمام أي تسوية شاملة.

ويشير إلى وجود توافق أمريكي وإسرائيلي على ضرورة معالجة ملف السلاح، بينما يرفض حزب الله أي صيغة يمكن أن تؤدي إلى نزعه أو الحد من دوره العسكري. ويستند الحزب في موقفه إلى اعتبارات متعددة، بعضها مرتبط بمواجهة إسرائيل، وبعضها الآخر مرتبط برؤيته لموقع الطائفة الشيعية داخل النظام اللبناني.

ويؤكد شقير أن الحزب لا ينظر إلى السلاح باعتباره مجرد أداة عسكرية، بل يعتبره عنصرًا من عناصر التوازن السياسي والأمني. ولهذا فإنه يرفض إدخاله ضمن كلفة التسوية مع إسرائيل، حتى بعد الخسائر التي تعرض لها خلال الحرب وصعوبة تعويض جزء من قدراته السابقة.

ومن هنا يرى الباحث أن ملف السلاح سيظل العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاستقرار اللبناني، كما سيبقى أحد الملفات القادرة على إعادة التوتر إلى الساحة اللبنانية في أي وقت. ولذلك فإن أي تسوية مستقبلية ستظل مرتبطة بطريقة التعامل مع هذه القضية، وبمدى قدرة الأطراف المختلفة على إيجاد صيغة مقبولة بشأنها.

مصدر الصورة آثار العدوان الإسرائيلي على لبنان (غيتي)

خاتمة

يخلص شفيق شقير إلى أن الاتفاق بين طهران وواشنطن يمنح لبنان فرصة مهمة للحد من التصعيد وفتح المجال أمام مسارات تفاوضية جديدة، كما يوفر إطارًا سياسيًا وإقليميًا يمكن أن تستفيد منه مختلف الأطراف اللبنانية. إلا أن هذا الاتفاق لا يقدم حلًا نهائيًا للأزمة اللبنانية، لأن جذور الأزمة ما تزال قائمة، وفي مقدمتها مسألة سلاح حزب الله وطبيعة العلاقة بين الداخل اللبناني والتوازنات الإقليمية.

ويرى الباحث أن القيمة الأساسية للاتفاق لا تكمن فقط في إمكانية إنهاء الحرب أو الحد منها، بل في قدرته على فرض قواعد جديدة تحكم إدارة الصراع وتزيد من كلفة العودة إلى المواجهة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الفرصة يظل مرهونًا بمدى التزام الأطراف المختلفة بالاتفاق، وبقدرتها على تحويل التهدئة العسكرية إلى مسار سياسي أكثر استقرارًا واستدامة، سواء على المستوى اللبناني أو الإقليمي.

الدراسة كاملة

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6571

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا