خلال مؤتمر شباب حزب اليسار في برلين في أبريل/ نسيان الماضي، رُصدت صورة لشخصين يرفعان علم ما كانت تعرف بـ" ألمانيا الشرقية" (الشيوعية) وسط نحو 30 شابًا، بعضهم يرتدي أوشحة فلسطينية ويرفع قبضته. وبحسب تحقيق لـ"هيئة البث البافارية" (إذاعة بافاريا BR)، تشير معطيات إلى أن بعض مسؤولي المنظمة عبّروا عن مواقف إيجابية تجاه جوزيف ستالين وماو تسي دونغ وألمانيا الشرقية.
كما تناول التحقيق منشورات نُسبت إلى ممثلين عن هذه المنظمة الشبابية، المعترف بها من قبل حزب اليسار، تضمنت مضامين وُصفت بأنها "معادية للسامية"، إضافة إلى طرح مواقف تتعلق بحركة حماس المصنفة كمنظمة إرهابية.
واستند التحقيق إلى مواد داخلية في المنظمة ومنشورات متعددة. وتشهد منظمة شباب اليسار نموًا ملحوظًا في عدد أعضائها، إذ تضاعف تقريبًا منذ عام 2024 ويبلغ عدد أعضائها حاليًا حوالي 14300 عضو.
تُعد المجموعة الفيدرالية العاملة المسماة "الدعاية التحريضية" (BAK Agitprop) من أبرز المجموعات داخل تنظيم شباب اليسار. وحتى وقت قريب، كان موقع "شباب اليسار" الإلكتروني يُشير إلى أن هدف المجموعة هو دفع الشباب نحو "الراديكالية". وتُظهر حساباتها على إنستغرام نشر صور لستالين وماو تسي تونغ وإريش هونيكر (زعيم ألمانيا الشرقية سابقا)، مع الإشارة إلى استلهام ما تسميه "تقاليد الدول الاشتراكية الحقيقية كألمانيا الشرقية".
وعقب استفسارات من هيئة الإذاعة البافارية (BR) إلى المنظمة ومسؤوليها، أعلنت مجموعة BAK Agitprop حلّ نفسها في الأول من يونيو/ حزيران، كما حذفت جميع منشوراتها على إنستغرام.
بعد يوم واحد من إعلان حلّ المجموعة، ردّت ما تُسمّي نفسها "اللجنة المركزية" لها بشكل مفصل على استفسارات إذاعة بافاريا. وجاء في الرد أن ستالين "ساهم في التحديث" و"اتخذ إجراءات ضد الرأسماليين"، مع الإقرار بوجود أخطاء اعتُبرت جزءًا من "مرحلة انتقالية نحو الاشتراكية".
وفيما يتعلق بالنظام الشمولي ومعسكرات العمل القسري (الغولاغ)، أوضحت مجموعة "الدعاية والتحريض" (BAK Agitprop) أنها تفضّل التركيز على الجوانب التي تصفها بالإيجابية في ما تسميه "الاشتراكية الحقيقية".
وبشأن ماو تسي تونغ، ذكرت اللجنة أنه شخصية متعددة الجوانب، ويمكن الاستفادة من تجربته في "تنظيم الطبقات". أما فيما يتعلق بقمع المعارضين والضحايا عند جدار برلين في ألمانيا الشرقية، فقد أشارت المجموعة إلى أن "الثورات تتطلب تضحيات".
ومن جهته، علّق الباحث في السياسة لارس رينسمان من جامعة باساو بأن "أولئك الذين يعتبرون ماو وستالين بطلين لليسار يدعون إلى (أفكار الحكم) الديكتاتوري الاستبدادي و(ارتكاب) الجرائم الجماعية".
يُظهر تحقيق هيئة الإذاعة البافارية (BR) مواقف متشددة لدى أعضاء في حركة شباب اليسار في سياق الصراع في الشرق الأوسط. ففي مايو/أيار، شارك نحو 12 عضوًا في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في برلين، نظّمتها "اللجنة الوطنية الفلسطينية الموحدة"، وهي جماعة تضم، بحسب مكتب حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية)، مؤيدين لحركة حماس ، المصنفة إرهابية. وكان من بين المشاركين جيمي هـ، المتحدث الرسمي باسم شباب اليسار في برلين، مرتدياً قبعةً تحمل شعار "الصراع الطبقي"، رافضا الإدلاء بتصريحات، لمراسلي "إذاعة بافاريا"، الموجودين في الموقع. كما رفض أعضاء آخرون في مجلس إدارة شباب اليسار في برلين إجراء مقابلات. وفي المنتدى الداخلي، كتب هـ. عن اللجنة الوطنية الفلسطينية، مصرحاً بأنه خلافاً لتقييم مكتب حماية الدستور، فهي "ليست إسلاموية ، ولا تابعة لحماس، ولا أي شيء آخر".
ويُعارض الباحث في السياسة لارس رينسمان من جامعة باساو هذا التصوير، إذ يرى أن حماس منظمة معادية للسامية وإسلاموية. ويُجادل بأن التشكيك في ذلك يُعد محاولةً للتقليل من شأن مخاطرها. ولم يُجب المتحدث الاتحادي باسم حركة الشباب اليساري ، على طلب للتعليق من إذاعة بافاريا (BR).
ويذكر أن حركة حماس، وهي مجموعة مسلحة فلسطينية إسلاموية، تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى على أنها منظمة إرهابية.
صورة رمزية تظر تجمعا لمتظاهرين يحملون الأعلام الفلسطينية ولافتات في ساحة "بوتسدامر بلاتس" خلال مسيرة لدعم الفلسطينيين في برلين، ألمانيا، 30 أغسطس/ آب 2025. صورة من: Ilkin Eskipehlivan/Anadolu Agency/IMAGOفي خريف العام الماضي، تبنى المؤتمر الاتحادي لشباب اليسار قراراً بشأن الوضع في الشرق الأوسط. يدين ما يُزعم أنه "طابع استعماري وعنصري لمشروع الدولة الإسرائيلية". وهو قرار أثار انتقادات، بما في ذلك من قيادات داخل حزب اليسار، لاعتباره أحادي الجانب.
وتشير مناقشات داخلية، بحسب ما نُقل، إلى مواقف تجاوزت مضمون القرار؛ فعلى سبيل المثال، كتب لوكاس هـ، المتحدث باسم ولاية راينلاند-بفالتس، أن هناك أكثر من 10,000 فلسطيني "في معسكرات اعتقال إسرائيلية". ويضيف هـ أن إسرائيل تُعرّض اليهود في جميع أنحاء العالم للخطر من خلال "ارتكاب إبادة جماعية باسم اليهودية تحت راية نجمة داود". وفي منشور آخر على المنتدى، شارك صورة لعلم إسرائيلي يحترق، وكتب بجانبها: "يا إسرائيل، موتي!".
وفي المقابل، يشبّه أستاذ العلوم السياسية رينسمان عبارة "هلاك إسرائيل" بشعار النازيين "هلاك اليهود". ويصفها بأنها "شكل من أشكال معاداة السامية النازية" و" معاداة سامية عدائية ". ويصف رينسمان الحديث عن معسكرات الاعتقال الإسرائيلية بأنه "جزء من خطاب يُقلّل من شأن المحرقة". وامتنع لوكاس هـ، المتحدث باسم شباب اليسار في الولاية، عن التعليق.
وردّت اللجنة التنفيذية الفيدرالية لشباب اليسار، في تعقيب على استفسار من هيئة الإذاعة البافارية، بالتأكيد على رفضها القاطع لجميع أشكال معاداة السامية و التحريض على العنف . وأضافت أن "المبالغات الفردية أو التبسيطات الجدلية" في المناقشات الداخلية لا ينبغي اعتبارها الموقف الرسمي للحزب.
ومن جانبها، أوضحت المديرة الفيدرالية لحزب اليسار، جانيس إهلينغ، رداً على استفسار، أن الحزب بدأ حوارًا مع منظمة الشباب ويتعامل مع القضية بجدية، مؤكدةً متابعة التطورات عن كثب.
ملحوظة: هذا المقال منشور بالألمانية على موقع "تاغس شاو"، التابع للقناة الأولى الألمانية (ARD) وتم نقله إلى العربية بتصرف.
ص.ش/خ.س
المصدر:
DW