آخر الأخبار

بعد اللقاء بالمبعوث الأمريكي.. هل تفجر إقالات الزيدي الوضع في العراق؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أثارت الإقالات والتغييرات الواسعة التي أجراها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مؤسسات أمنية واقتصادية حساسة، بعد لقائه بالمبعوث الأمريكي توم براك وقبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن، جدلا بشأن ما إذا كانت خطوة لإعادة ترسيخ سلطة الدولة أم استجابة لضغوط تستهدف نفوذ فصائل قريبة من إيران.

ولا يتعلق الجدل بحجم التغييرات وحده، بل بطبيعة الشخصيات التي طالتها، إذ شملت مسؤولين ارتبطت أسماؤهم بملفات أمنية ومالية حساسة، فضلا عن حديث متصاعد عن موجة إضافية قد تمتد إلى مواقع أكثر تأثيرا داخل الدولة، الأمر الذي حوّل القرارات من مجرد إجراء إداري إلى اختبار سياسي واسع لتوازنات ما بعد تشكيل الحكومة.

وخلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر"، قدّم مدير الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط مصطفى السراي قراءة ترى أن ما يجري لا ينفصل عن مسار إصلاحي سبق طرحه داخل قوى الحكم، يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وفي مقدمته ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة خارج الأطر الرسمية.

وبهذا المعنى، تبدو الإقالات جزءا من مشروع أوسع يسعى إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة العراقية، لا مجرد استجابة ظرفية لتطور سياسي عابر، فالتغييرات جاءت بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة، بما يوحي بأن الحكومة تحاول استثمار هامش سياسي متاح حاليا قبل أن تتبدل الظروف الإقليمية أو الداخلية.

لكن هذه القراءة لا تحظى بإجماع داخل المشهد العراقي، فالكاتب والباحث السياسي كاظم الحاج يربط توقيت الإجراءات بتحولات إقليمية متسارعة، خصوصا ما يتعلق بالعلاقة الأمريكية الإيرانية ومستقبل الوجود الأمريكي في العراق، معتبرا أن السؤال المركزي لا يتعلق بالإصلاح نفسه، بل بالجهة التي يستفيد منها هذا الإصلاح والنتائج التي سيقود إليها.

إعلان

ومن هذا المنظور، تبرز مخاوف من أن تتحول عملية إعادة الهيكلة إلى تفكيك تدريجي لمراكز نفوذ كانت تؤدي دورا توازنيا في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو ما يجعل الحكم على الإجراءات مرهونا بما ستكشفه الخطوات اللاحقة أكثر من ارتباطه بالقرارات الحالية ذاتها.

جراحة سياسية

ويذهب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي، خلال مشاركته في البرنامج، إلى توصيف ما يحدث بأنه أشبه بـ"جراحة سياسية" داخل بنية الدولة، موضحا أن الزيدي لم يكتفِ بإجراء تعديلات شكلية، بل استهدف مواقع راسخة ارتبطت لسنوات بشبكات نفوذ سياسية وأمنية معقدة.

وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية لأن بعض الشخصيات التي شملتها التغييرات كانت موضع تحفظ أمريكي متكرر، بحسب متابعين للشأن العراقي، بسبب قربها من دوائر النفوذ الإيرانية، وهو ما يجعل التزامن بين الإقالات والاتصالات الأمريكية الأخيرة عاملا يصعب تجاهله في تفسير المشهد.

غير أن ربط القرارات حصرا بالرغبات الأمريكية قد لا يكون كافيا لتفسيرها، فالعراق يواجه منذ سنوات ضغوطا مالية وأمنية متراكمة، كما أن مؤسسات الدولة تعرضت لانتقادات واسعة تتعلق بالفساد والمحسوبيات وضعف الكفاءة، وهي ملفات تمنح أي حكومة مبررات داخلية لإطلاق عملية تغيير واسعة.

وتستند الحكومة في تبرير هذه الإجراءات إلى رؤية أوسع تتجاوز تبديل الأسماء، إذ يربط المتحدث باسمها حيدر العبودي، في حديثه للجزيرة، التغييرات بمسار إصلاحي يتضمن حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وإعادة تنشيط المؤسسات لمواكبة التحولات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها متغيرات المنطقة.

كما تنفي بغداد وجود ضغوط سياسية وراء القرارات الأخيرة، وتقدمها باعتبارها جزءا من تفويض مُنح للحكومة لتنفيذ إصلاحات مؤسسية أوسع، فيما تربط نجاح الشراكة الاقتصادية مع واشنطن بتهيئة بيئة مستقرة يكتمل فيها احتكار الدولة للقرارين الأمني والعسكري.

ويرى الفيلي أن رئيس الوزراء استند إلى جملة عوامل منحته القدرة على التحرك بهذا المستوى من الجرأة، من بينها دعم قضائي لمسار استعادة سلطة الدولة، وتقارير رقابية تتحدث عن اختلالات إدارية ومالية، فضلا عن مساحة المناورة التي وفرها له التوافق السياسي الذي أفضى إلى وصوله للمنصب.

لكن امتلاك القدرة على اتخاذ القرار لا يعني بالضرورة ضمان نجاحه، فالمعضلة الحقيقية تكمن في كيفية ترجمة هذه الإجراءات إلى مشروع مستدام يحظى بقبول القوى العراقية المختلفة، لا أن يتحول إلى محطة جديدة في صراع النفوذ بين الدولة والفصائل.

وفي هذا السياق، يلفت الحاج إلى أن ملف "فك الارتباط" بين الدولة وبعض البنى المرتبطة بالفصائل المسلحة يتجاوز عمر أي حكومة، ما يجعله بحاجة إلى تفاهم سياسي عريض يضم مختلف المكونات العراقية، لأن القرارات المنفردة قد تنتج حلولا مؤقتة لكنها لا توفر استقرارا طويل الأمد.

ويعكس هذا الطرح مخاوف متزايدة من أن تؤدي إعادة رسم موازين القوة بصورة متسارعة إلى خلق اصطفافات جديدة داخل المشهد السياسي، خاصة إذا شعرت قوى نافذة بأن التغييرات تستهدف وجودها أو تقلص دورها تحت عنوان الإصلاح الإداري والمؤسسي.

رسالة إيجابية

كما أن اقتراب موعد زيارة الزيدي إلى واشنطن يضفي بعدا إضافيا على النقاش، فجزء من النخبة السياسية العراقية ينظر إلى الخطوات الحالية باعتبارها رسالة إيجابية للإدارة الأمريكية بشأن استعداد بغداد للمضي في ملفات طالما طالبت بها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها ضبط السلاح وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية.

إعلان

ويعزز هذا الانطباع أن واشنطن تربط منذ سنوات بين ملفات الأمن والاقتصاد والحوكمة، وترى أن إصلاح البيئة الأمنية يمثل مدخلا ضروريا لمعالجة الاختلالات المالية وجذب الاستثمارات وتخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها بغداد.

غير أن هذا الربط نفسه يثير حساسية لدى أطراف عراقية تخشى أن تتحول الإصلاحات إلى ثمن سياسي مطلوب للحصول على دعم أمريكي أو لتجنب عقوبات وضغوط محتملة، وهو ما يفسر حالة الترقب التي تسود أوساط الفصائل والقوى القريبة من إيران.

ومع انتقال الإجراءات من مرحلة الإقالات إلى مرحلة إعادة ترتيب النفوذ داخل المؤسسات، يصبح السؤال الأهم متعلقا بردود الفعل المحتملة، فالفصائل والقوى المتضررة تملك أدوات سياسية وشعبية وإعلامية تمكنها من إبطاء المسار أو فرض تعديلات عليه من خلال التفاوض والضغط المتبادل.

وتشير مداخلات ضيوف الحلقة إلى أن احتمالات المواجهة المباشرة ما تزال مستبعدة، لأن كلفة الصدام مرتفعة على جميع الأطراف، فالقوى السياسية تدرك حساسية الظرف الإقليمي، كما تدرك الحكومة أن أي محاولة لفرض تغييرات جذرية بالقوة قد تدفع البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.

ولهذا تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمنطق المساومات أكثر من منطق الحسم، فكل طرف يحاول اختبار حدود الآخر دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، بينما تتداخل الحسابات الداخلية مع ضغوط الخارج في رسم مسار الأحداث.

ويحذر الفيلي من أن أي انزلاق نحو صدام شامل بين الدولة والقوى المسلحة سيحمل تداعيات أمنية وسياسية باهظة، وهو ما يجعل نجاح الزيدي مرهونا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين فرض سلطة الدولة والحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الوطني.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا