ما تزال التساؤلات تُطرح في الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية الغربية بشأن ما إذا كان الاتفاق بين إيران وأمريكا يمثل بداية تسوية دائمة أم مجرد هدنة مؤقتة أرجأت القضايا الأكثر تعقيدا إلى مفاوضات لاحقة، في وقت يميل فيه ميزان المكاسب الأولية لصالح طهران.
وتجمع تحليلات نشرتها نيويورك تايمز وواشنطن بوست والغارديان والإيكونوميست على أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تراجعت بصورة كبيرة عن أهدافها المعلنة مع بداية الحرب، مقابل حصول إيران على متنفس اقتصادي واسع دون تقديم تنازلات جوهرية وفورية بشأن برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
وتشير نيويورك تايمز إلى أن الاتفاق يمنح إيران "شريان حياة اقتصادياً" عبر رفع الحصار البحري الأمريكي عن موانئها والسماح مجدداً بتصدير النفط قبل التوصل إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي.
وترى الباحثة نيكول غرايفسكي، المتخصصة في السياسة الخارجية الإيرانية، أن "المذكرة تبدو في مجملها لصالح إيران"، إذ تحصل طهران على "مسار لتخفيف العقوبات واستعادة صادرات النفط والحصول على فوائد اقتصادية وخفض الضغوط العسكرية، مقابل التزامات نووية محدودة نسبيا".
وتأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من انهيار العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم وتفاقم الاحتجاجات الشعبية المرتبطة بالأوضاع المعيشية.
وبحسب الصحيفة، فإن استئناف صادرات النفط قد يضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، ما يخفف الضغط على الموازنة العامة ويعزز قيمة الريال الإيراني، وإن كانت مشكلات الفساد وسوء الإدارة ستظل قائمة.
وعلى الصعيد الدولي، ترى الغارديان أن الاتفاق يمثل "اعترافاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق ما أرادت تحقيقه عبر الحرب"، إذ كانت منذ عام 2025 تشترط وقف التخصيب المحلي ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران وإغلاق منشآت التخصيب الجديدة.
أما اليوم، فقد اعترف ترمب بحق إيران في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، مع الاكتفاء بخفض نسبة التخصيب إلى 3.67% تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما أن رفع القيود النفطية سيستلزم -عمليا- تخفيف القيود المصرفية والتأمينية واللوجستية المرتبطة بالتجارة الإيرانية.
ويحذر المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية مياد مالكي من أن "توسيع التصاريح الخاصة بالمعاملات المالية سيقوض البنية الأساسية للعقوبات النفطية والمالية الأمريكية، التي تمثل أقوى أدوات الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني".
وفي تحليل آخر، ترى نيويورك تايمز أن الاتفاق لم يفعل سوى "تمديد حالة الغموض" لمدة ستين يوماً، وهي الفترة المخصصة لبدء مفاوضات تفصيلية حول ثلاث قضايا رئيسية: البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل مضيق هرمز، وبرنامج الصواريخ الباليستية.
وتقول سناء وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس البريطاني، إنها تخشى أن يكون هذا الاتفاق هو أقصى ما يمكن الحصول عليه، مضيفة أن غياب اتفاق نووي جديد "يعني على الأرجح المزيد من الحروب".
وتلفت الصحيفة إلى أن الاتفاق النووي لعام 2015 استغرق نحو 20 شهرا من المفاوضات بمشاركة عشرات الخبراء، ما يجعل إنجاز اتفاق شامل خلال ستين يوما أمرا غير واقعي.
كما أن أحد أبرز المخاوف الأوروبية يتمثل في بقاء نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران بدلاً من نقله إلى الخارج، كما حدث عام 2015.
الحرب لم تنهِ القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، إذ تشير تقارير استخباراتية مسربة إلى احتفاظ طهران بنحو 70 بالمئة من ترسانتها الصاروخية السابقة.
من جهتها، تتساءل هيئة تحرير واشنطن بوست: "هل انتهت حرب إيران حقا؟"، معتبرة أن الحصيلة النهائية جاءت أقل من الأهداف الأمريكية.
فالحرب لم تنهِ القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، إذ تشير تقارير استخباراتية مسربة إلى احتفاظ طهران بنحو 70% من ترسانتها الصاروخية السابقة، بينما بقيت أطراف حليفة مثل حزب الله والحوثيين قائمة.
في المقابل، دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً؛ إذ قتل 13 جنديا أمريكيا وأصيب نحو 400 آخرين، كما استُنزفت مخزونات الأسلحة الأمريكية بصورة كبيرة.
وأثرت الحرب أيضاً على علاقات واشنطن بحلفائها الأوروبيين والخليجيين، وساهمت في ارتفاع التضخم الأمريكي إلى 4.2%.
وبحسب الصحيفة، فإن إيران حصلت على حزمة واسعة من المكاسب، بينها رفع الحصار البحري واستئناف تصدير النفط والإفراج عن أصول بقيمة 24 مليار دولار والمشاركة في صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار.
في المقابل، "قدمت إيران القليل بشكل لافت"، واكتفت بالسماح بحرية الملاحة مؤقتا في مضيق هرمز أثناء التفاوض.
أما مجلة الإيكونوميست فترى أن ترمب "يراهن على أن إيران تريد المال أكثر من النفوذ"، معتبرة أن الاتفاق يقوم على مبدأ "الجزرة دون العصا".
وتقول المجلة إن الرئيس ترمب تخلى عن معظم أهداف الحرب، فلا تغيير للنظام الإيراني، ولا قيود على الصواريخ الباليستية، ولا إنهاء لدعم طهران لحلفائها الإقليميين.
ورغم أن النظام الإيراني يمتلك الآن "فرصة غير مسبوقة لمقايضة الطموحات النووية بالأموال والاستثمارات"، في نظر المجلة، فإن فرص نجاح هذا الرهان تبقى محدودة.
وتحذر المجلة من أن القادة الإيرانيين "لا يثقون بالولايات المتحدة"، كما أن البرنامج النووي يمنحهم مكانة سياسية وضمانة ردع إستراتيجية. وتخلص إلى أن ترمب يكرر خطأه الأساسي، قائلة: إن "القاعدة الأولى في الدبلوماسية هي ألا تفترض أن خصمك يفكر بالطريقة نفسها التي تفكر بها أنت".
المصدر:
الجزيرة