آخر الأخبار

ترغيب وترهيب وبوابات ذكية.. كيف أعادت إسرائيل رسم خريطة جنوب سوريا في عام 2026؟

شارك

أقامت القوات الإسرائيلية نقاطاً عسكرية حول تلة"7 نيسان" في عين التينة، الذي كان الأهالي يستخدمونه سابقاً للتواصل البصري مع أقاربهم في مجدل شمس. كما انتشرت النقاط العسكرية والطبية حول بلدة حضر.

مع انهيار حكم بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، لم يسقط معه النظام في دمشق فقط، بل سقطت أيضاً عقود من الثبات النسبي على خط وقف إطلاق النار لعام 1974.

ففي ظرف 48 ساعة فقط، توغلت القوات الإسرائيلية براً، متجاوزة المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة قوات الأمم المتحدة "الأوندوف"، حيث احتلت 350 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية في أول اختراق بري كبير منذ حرب 1973.

ولم تعد الحدود بعدها مجرد خط على الورق، بل تحولت إلى ساحة لتمدّد عسكري إسرائيلي غير مسبوق، مع ما صاحبه من خوف أعاد رسم ملامح حياة الناس على جانبيْ هذا الخط المعروف بالخط البنفسجي.

وتكشف معلومات حصلت عليها يورونيوز من مصدر مطلع فضّل عدم الكشف عن هويته -لأسباب أمنية-، تفاصيل غير مسبوقة عن ديناميكيات شراء الأراضي في منطقتي "حضر" و"عين التينة" بمحافظة القنيطرة، بالتزامن مع توثيق منظمات حقوقية لانتهاكات إسرائيلية تجاوزت 1600 حادثة خلال أقل من عام.

شراء بدافع الخوف لا الاستثمار

بحسب المصدر الخاص، فإن المشترين الرئيسيين للعقارات في "حضر" و"عين التينة" ليسوا إسرائيليين ولا مستثمرين أجانب، بل هم دروز من بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل، إلى جانب آخرين يسكنون مدن جرمانا وصحنايا ومدينة السويداء.

ويشرح المصدر دوافع هؤلاء فيقول: "يشترون لأسباب أمنية بحتة، يخشون من تعرّض مناطقهم الأصلية لاضطرابات مستقبلية كما حدث العام الماضي، فيريدون ملاذاً آمناً عبر بيت يمتلكونه، بدلاً من حياة النزوح والنزول ضيوفاً لدى آخرين. وبناءً على ذلك، يتجه بعضهم لشراء قطع أراضٍ صغيرة لبناء منازل عليها، بينما يتجه آخرون إلى إنشاء أبنية من عدة طوابق" في مؤشر على نية البقاء والاستقرار طويل الأمد.

ويؤكد المصدر ذاته عدم وجود أي مستثمر إسرائيلي في المنطقتين حتى الآن، عازياً ذلك إلى "غياب المصلحة من جهة، وإلى ضغط شعبي كبير من جهة أخرى يفرض أن تكون أي مشاريع تنموية مخصصة لأهل المنطقة فقط".

مصدر الصورة نقطة عسكرية إسرائيلية جديدة في جنوب قرية حضر بريف القنيطرة تبعد 75 كم عن دمشق 15 يونيو 2026 خاص يورونيوز

أسعار جنونية ووسطاء من الأقارب

شهدت أسعار الأراضي قفزات هائلة، إذ يتراوح سعر الدونم الواحد (1000 متر مربع) في عين التينة حالياً بين 50 و100 ألف دولار أمريكي، وفقاً للمصدر.

ويلجأ أهالي مجدل شمس إلى آلية غير مباشرة لإتمام عمليات الشراء: يحوّلون الأموال إلى أقارب لهم يقيمون في بلدة "حضر"، ليتولوا بدورهم شراء الأراضي نيابة عنهم.

ويأتي ذلك في سياق رهان مستقبلي على إمكانية إزالة الشريط الحدودي وفتح المعابر، بما يسمح لهم لاحقاً بالعمل في أراضيهم الجديدة.

حدود مغلقة وتصاريح مشروطة

ورغم حركة الأموال والشراء، لا يزال الشريط الحدودي (السلك) الفاصل بين المنطقتين ومجدل شمس قائماً، ولم يُرفع. وتبقى البوابة الحدودية مغلقة تماماً أمام المدنيين، ولا يُسمح بعبورها إلا للآليات والعسكريين.

ويؤكد المصدر أن "حركة التنقل بين أهالي مجدل شمس وقريتي عين التينة وحضر ممنوعة منعاً باتاً في كلا الاتجاهين".

أما الاستثناء الوحيد فيتعلق بأهالي القريتين أنفسهم: فمن يحمل هوية سورية مدوّن عليها "مجدل شمس" (مواليد الجولان) يُسمح له بالدخول للعمل في أرضه. أما من لا تحمل هويته هذه الصفة، فيحتاج إلى تصريح إسرائيلي قد تستغرق إجراءات استخراجه ما بين شهرين وثلاثة أشهر، مع تحديد صارم لأوقات الدخول والخروج: تُفتح البوابة لمدة 15 دقيقة فقط لدخول العمال، وبعد ست ساعات تُغلق لتُفتح مجدداً لمدة خمس عشرة دقيقة للسماح لهم للخروج.

مصدر الصورة نقاط عسكرية إسرائيلية جديدة في مرتفعات جبل الشيخ تدعى نقطة المطل المعروف محلياً قرص النفل في منطقة النقة الجديدة بحضر 15 يونيو 2026 خاص يورنيوز

نقاط عسكرية واعتقالات

على الأرض، أقامت القوات الإسرائيلية نقاطاً عسكرية حول تلة"7 نيسان" في عين التينة، الذي كان الأهالي يستخدمونه سابقاً للتواصل البصري مع أقاربهم في مجدل شمس. كما انتشرت النقاط العسكرية حول بلدة حضر.

أقامت إسرائيل نقاطاً طبية قرب حضر تقدم إسعافات وعلاجات وفحوصات مجانية لأهالي قرى جبل الشيخ. وبحسب المصدر، يعمل في هذه النقاط أطباء إسرائيليون برفقة مترجمين، وتفتح أبوابها إما في أوقات محددة أو على مدار الساعة وفق الحاجة. وتجري حالياً أعمال إنشاء نقطة طبية أكثر تطوراً ستكون مجهزة لإجراء عمليات جراحية.

ورغم هذا الترغيب الإسرائيلي، ينتاب "خوف شديد" سكان حضر وعين التينة والقنيطرة ودرعا وجميع المناطق الحدودية، بحسب مصدرنا، نتيجة ما وصفه بممارسات "ترهيب" تمارسها القوات الإسرائيلية، تشمل "القدرة على اعتقال أي شخص في أي لحظة حتى وهو نائم في منزله".

وكشف المصدر لـيورونيوز عن وجود أشخاص من سكان حضر لا يزالون معتقلين لدى السلطات الإسرائيلية منذ ما يقرب من عامين، "دون أي معلومات عن مصيرهم أو إمكانية الوصول إليهم".

مصدر الصورة نقطة طبية إسرائيلية في بلدة حضر جنوب سوريا تقدم خدمات طبية للأهالي 15 يونيو 2026 خاص يورونيوز

ويقول المصدر ليورونيوز إن السبب الأساسي لتعامل الأهالي مع إسرائيل في هذه المناطق هو خوفهم من السلطة في دمشق، خصوصاً بعد ما تعرضت بلدات جرمانا وصحنيا والسويداء لمجازر. يجد هؤلاء في إسرائيل ملاذاً آمناً لكن دونه أخطار أيضاً، فهي "قد تحميهم من هجمات مشابهة لتك التي حدثت سابقاً، لكنها تفرض عليهم واقعاً جديداً".

ويشدد المصدر على أن غالبية أهالي جبل الشيخ وحضر يرفضون التواجد الإسرائيلي في قراهم، ويرون فيه واقعاً مفروضاً عليهم لم يعتادوه.

ويكشف المتحدث ذاته عن انتشار دعوات بين سكان القرى، تنادي إلى "رفض تسليم السلاح لإسرائيل وتؤكد على اعتبارها عدواً"، في مؤشر على أن القبول الظاهر بالخدمات الطبية لا يعني خضوعاً أو رضى بحكم تمارسه الدولة العبرية عليهم.

ويوضح المصدر أن إسرائيل تريد سحب السلاح من أهالي حضر وقرى جبل الشيخ وتفرض هذا الواقع عليهم فقط لتكون آمنة بدون أي مقابل بحسب تعبيرهم.

وبخصوص طبيعة علاقة الأمن العام التابع لحكومة دمشق مع أبناء القرى وجبل الشيخ فيؤكد المصدر بأنها "جيدة"، ولم تعد كما كانت تُسوّق سابقاً، لكنه يشير إلى أن هناك واقعاً جديداً تدفع إسرائيل نحوه، وهو "مرفوض من الأهالي".

1672 انتهاكاً في أقل من عام ونفوذٌ يتوسّع

تتقاطع شهادة المصدر مع بيانات موثقة نشرها موقع "ميدل إيست آي" ، نقلاً عن مركز "سِجِل" السوري للرصد والأبحاث، الذي أحصى ما لا يقل عن 1672 انتهاكاً إسرائيلياً داخل الأراضي السورية بين أغسطس/آب 2025 ومايو/أيار 2026.

وتصاعدت هذه الانتهاكات بشكل حاد بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ليسجل مارس/آذار 2026 وحده 321 عملية عسكرية، شملت 121 عملاً جوياً واعتقال 41 مدنياً، في أعلى حصيلة شهرية.

وتكشف صور الأقمار الصناعية التي حللها موقع "ميدل إيست آي" عن تجريف آلاف الدونمات من الغابات والأراضي الزراعية لإنشاء هذه القواعد. ففي جباتا الخشب، جُرّف نحو 2500 دونم من الغابات والأراضي الزراعية لإقامة نقطة عسكرية توسعت لاحقاً لتصبح قاعدة محصنة.

وفي الحميدية، هدمت القوات الإسرائيلية 16 منزلاً لبناء قاعدة عسكرية جديدة في غضون 50 يوماً فقط، مما أدى إلى تهجير 12 عائلة، قبل أن تحوّل المنطقة إلى نقطة مراقبة وسيطرة غرب مركز المحافظة.

ويشير تحليل المركز إلى أن أكثر من 80 بالمئة من الانتهاكات تتركز في محافظة القنيطرة، التي تحولت إلى "المسرح العملياتي الرئيسي"، تليها درعا وريف دمشق.

مصدر الصورة دورية لقوات الأمم المتحدة في قرية حضر 15 يونيو 2026 خاص يورونيوز

"خناق صامت" بدل الاجتياح الواسع

ومنذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية، بحسب حمزة غضبان، رئيس مركز "سِجِل"، من العمليات البرية الواسعة إلى ما يسميه "خنقاً صامتاً": سلسلة مستدامة من المداهمات والتوغلات وإقامة نقاط التفتيش.

وامتدت منطقة العمليات الإسرائيلية على شكل مثلث يبعد نحو 15 كيلومتراً عن خط فض الاشتباك لعام 1974، من جبل الشيخ شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً. ووثق المركز بناء تسع قواعد عسكرية، مع وجود قاعدة عاشرة قيد الإنشاء.

بوابات وممرات وأحزمة أمنية

حدد "سِجِل" أربع بوابات عسكرية رئيسية تستخدمها القوات الإسرائيلية:


* بوابة أبو غيثار: نقطة عبور حصرية للمدرعات إلى وادي الرقاد غربي درعا.
* بوابة الأصبح: طريق مباشر نحو قرية الرفيد.
* بوابة الرزانية: مدخل رئيسي إلى منطقة صيدا الحانوت.
* بوابة مجدل شمس: مخصصة للقوافل العسكرية الثقيلة نحو قاعدة قرص النفل.

ويعتمد الجيش الإسرائيلي، وفقاً للتقرير، على قرى خط المواجهة مثل بئر عجم وبريقة ورويحينة كممرات تكتيكية للتقدم في عمق الأراضي السورية.

رش كيميائي و"إبادة بيئية"

في بعد آخر من الانتهاكات، وثّق المركز عمليات رش جوي منظم لمواد كيميائية غير محددة على امتداد 65 كيلومتراً بمحاذاة خط وقف إطلاق النار، أثرت على نحو 3500 دونم من المراعي و1500 دونم من الأحراج جنوبي القنيطرة وحدها.

وقال غضبان لـ"ميدل إيست آي" إن هذه الممارسات تشكل محاولة "لتهجير الناس بصمت عن طريق قتل وسائل عيشهم ومصادر دخلهم".

مصدر الصورة صورة للطريق في بلدة حضر وآثار جنازير الدبابات الإسرائيلية واضحة فيها 15 يونيو 2026 خاص يورونيوز

جدار ذكي بقيمة 1.7 مليار دولار

وفي أوائل 2026، أعلنت إسرائيل مشروعاً بقيمة 1.7 مليار دولار لبناء "حاجز الحدود الشرقية الأمني" الممتد 500 كيلومتر على طول الحدود مع سوريا والأردن.

وكشف تحليل "سِجِل" لصفقة بقيمة 80 مليون دولار مع شركة "أونداس هولدينغز" الأمريكية لإزالة الألغام، أنها مجرد "غطاء" لبناء "حدود ذكية" تدار بالذكاء الاصطناعي، باستخدام شبكات استشعار وطائرات بدون طيار وروبوتات أرضية. ويربط غضبان هذا المشروع بمشروع طريق عسكري في محافظة القنيطرة موازٍ أطلقت عليه إسرائيل اسم "سوفا 53"، يمتد بموازاة خط وقف إطلاق النار، بدأت إسرائيل في إنشائه في منتصف عام 2022.

أهداف معلنة وانسحاب مرفوض

ولم يعد الهدف الإسرائيلي أمرا خفياً، ففي 9 أبريل/نيسان 2026، أدلى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتصريح جد واضح قال فيه: "ستكون هناك تسوية سياسية حاسمة في سوريا تشمل تاج جبل الشيخ والمنطقة العازلة على أقل تقدير".

فيما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن تل أبيب "لن تتحرك ميليمتراً واحداً من سوريا".

في الوقت الذي يتصاعد فيه هذا الزحف العسكري، يبدو المجتمع الدولي بعيدا نوعا ما عما يجري في سوريا إما عن عجز أو بسبب التطورات الأخيرة في المنطقة. وقد خاطب مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، مجلس الأمن مؤخراً، متهماً القوات الإسرائيلية بـ"ترويع المدنيين، والاختفاء القسري، ومداهمات المنازل، والتعديات المستمرة على المنطقة الفاصلة".

أما على الأرض، فلم تقدّم الحكومة السورية الجديدة أي عروض تعويض أو اتصالات رسمية مع المجتمعات المتضررة، وفقاً لـ"سِجِل".

ونقل موقع "ميدل إيست آي" عن مصادر أن الأهالي "يشتكون من أننا لا نستطيع مقابلة أي مسؤولين، لا توجد وظائف جديدة أو فرص اقتصادية أو زراعية".

غير أن مؤشرات محدودة على تغيير بدأت تظهر: فبعد مقتل فتى يبلغ 17 عاماً في غارة إسرائيلية في 3 أبريل/نيسان، زار مسؤولون سوريون المنطقة وأصلحوا بعض الطرق والأراضي، في خطوة وصفها غضبان بأنها "لم تحدث على الإطلاق من قبل".

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا