لم يعد السؤال الذي يواجه المؤسسات الصحفية هو كيف تنقل محتواها إلى البيئة الرقمية، بل كيف تبقى حاضرة داخل بيئة لم تعد تملك فيها بوابة الوصول إلى الجمهور.
هذه هي الخلاصة الأبرز التي يكشفها تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، والذي يرسم صورة لصناعة تتعرض لضغوط متزامنة، ومنصات تستحوذ على التوزيع، وفيديو يعيد تعريف شكل الخبر، وصناع محتوى ينافسون الصحفيين على الانتباه، وذكاء اصطناعي يتحول إلى وسيط جديد بين الجمهور والمعلومة.
في هذا التقرير تعيد الجزيرة نت قراءة أهم ما جاء في تقرير رويترز الذي استند إلى استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" لنحو 100 ألف شخص في 48 سوقا بين منتصف يناير/كانون الثاني ونهاية فبراير/شباط 2026.
ويؤكد معدو التقرير أن النتائج تمثل أساسا البشر المتصلين بالإنترنت، مع ضرورة الحذر عند قراءة بيانات الهند وكينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، حيث تميل العينات إلى تمثيل الفئات الأصغر سنا والأكثر تعليما واستخداما للإنجليزية.
يسجل التقرير نقطة تحول تاريخية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو، للمرة الأولى، المصدر الأسبوعي الأكثر استخداما للأخبار عالميا بنسبة 54%، متقدمة على مواقع المؤسسات الإخبارية وتطبيقاتها التي بلغت 51%، وعلى التلفزيون الذي تراجع إلى 52%.
وقد يبدو الفارق محدودا، لكن أهميته تكمن في الاتجاه الممتد منذ سنوات، فمنذ عام 2020، خسر التلفزيون 13 نقطة مئوية، فيما فقدت المواقع والتطبيقات الإخبارية 12 نقطة.
وباتت المنصات أكثر انتشارا من المواقع الإخبارية في 30 من أصل 48 سوقا، بينما ارتفعت نسبة من يعدونها مصدرهم الرئيسي من 22% قبل خمس سنوات إلى 30% حاليا.
ويكشف التقرير أن التحول لا يعكس دائما انتقالا واعيا من مؤسسة إلى أخرى، بل "انجرافا" نحو الاستهلاك الوسيط والعرضي.
وأشار التقرير إلى تضاعفت نسبة من يعتمدون حصريا على منصات التواصل والفيديو من 6% عام 2020 إلى 12% في 2026، وهي فئة لا تدخل غالبا إلى المواقع بحثا عن الأخبار، بل تصادفها أثناء ممارسة أنشطة أخرى.
وهنا تتغير معادلة القوة؛ فالمؤسسات لا تخسر الجمهور فقط، بل البيانات والعلاقة المباشرة وفرص الاشتراك والإعلان، بينما تقرر الخوارزميات أي قصة تظهر ولمن وبأي صيغة.
كما لم تعد المواقع والتطبيقات الإخبارية المصدر الأول لأي فئة عمرية عالميا؛ إذ يفضل الشباب المنصات، بينما يبقى التلفزيون المصدر الأهم لمن تجاوزوا 45 عاما.
أصبح 77% من الجمهور يشاهدون مقاطع إخبارية عبر الإنترنت أسبوعيا، وتفوق الفيديو الرقمي على الأخبار التلفزيونية في 45 سوقا من أصل 48، باستثناء ألمانيا والدنمارك وهولندا التي بقي فيها التلفزيون متقدما أو متعادلا.
ويتصدر "يوتيوب" شبكات الفيديو الإخبارية بنسبة 34%، يليه " إنستغرام" بنسبة 26%، ثم " تيك توك" بنسبة 20%، بينما ظل " فيسبوك" أكبر منصة منفردة للأخبار بنسبة 43%.
لكن كل منصة تنتج سلوكا مختلفا؛ فمقاطع "تيك توك" تميل إلى أن تكون أقصر من دقيقتين، في حين يستوعب "يوتيوب" المقاطع القصيرة والبث المباشر والبرامج الطويلة، ويشاهد 21% من مستخدمي الأخبار عليه بثا حيا.
ولا يحدث النمو داخل منصات الناشرين؛ فقد تراجع استهلاك الفيديو على المواقع والتطبيقات الإخبارية 5 نقاط خلال عام، ونحو 10 نقاط منذ عام 2021. وانتقل الفيديو إلى الشاشة الكبيرة أيضا، إذ يشاهد 27% أخبارا عند الطلب عبر تطبيقات مثل "يوتيوب" على أجهزة التلفزيون الذكية.
ويعني ذلك أن التحدي لا يقتصر على إنتاج فيديو أكثر، بل على بناء إستراتيجية مختلفة لكل منصة، من دون تحويل غرف الأخبار إلى مصانع لمقاطع سريعة تفقد فيها المؤسسة هويتها. فالفيديو يمنح الصحافة وصولا جديدا، لكنه يزيد اعتمادها على شركات تملك التوزيع ولا تضمن العائد.
يرصد التقرير أولى الخطوات الجدية لاندماج روبوتات الدردشة التوليدية في رحلة الوصول إلى الأخبار. فقد ارتفعت نسبة من يستخدمون أدوات مثل "تشات جي بي تي" و"جيميني" و"بيربلكسيتي" للحصول على الأخبار من 7% إلى 10% خلال عام، وتصل إلى 16% بين من تقل أعمارهم عن 35 عاما.
ومع ذلك، لا يزال الذكاء الاصطناعي مصدرا مكملا؛ إذ قال 1% فقط إنه مصدرهم الرئيسي. وتوضح إيمي روس أرغويداس أن الاستخدام يتركز بين الأكثر اهتماما بالأخبار. ويبحث هؤلاء عن مزايا مثل طرح أسئلة متابعة، وتلخيص القصص المعقدة، وجمع روايات متعددة في إجابة واحدة، والترجمة بين اللغات.
غير أن ما يبدو خدمة للجمهور قد يتحول إلى أزمة للناشرين. فروبوت الدردشة يقدم الإجابة داخل واجهته ويقلل حاجة المستخدم إلى زيارة المصدر الأصلي، كما يظهر مستخدموه ميلا أقل للنقر على الروابط من مستخدمي محركات البحث.
وهذا يفتح الباب أمام انتقال الإنترنت من اقتصاد الإحالة إلى اقتصاد الإجابة؛ أي أن يتحمل الناشر تكلفة جمع الأخبار والتحقق منها، بينما تحصل المنصة على القيمة والوقت. ويصبح السؤال ليس فقط كيف تستخدم غرف الأخبار الذكاء الاصطناعي، بل كيف تحمي حقوق المحتوى وتضمن ظهور المصدر داخل الإجابات.
يقول 27% من المشاركين إنهم يحصلون أسبوعيا على أخبار من أفراد أو مجموعات تركز أساسا على المحتوى الإخباري، وترتفع النسبة إلى 46% عند احتساب جميع المؤثرين الذين يتناولون الشأن العام ولو بصورة غير منتظمة.
ويجد الجمهور هؤلاء أكثر تسلية وأسهل فهما وأقرب إلى حياته من وسائل الإعلام التقليدية، لكنه يراهم أقل موثوقية وحيادا.
ومع ذلك، لا يثبت التقرير أنهم أزاحوا الصحافة بالكامل؛ فمعظم متابعيهم يستخدمونهم إلى جانب المؤسسات، ولا يعتمد عليهم وحدهم سوى 3%، بينما يقول 13% إنهم يلبون معظم احتياجاتهم الإخبارية أو كلها.
ويقسم نيك نيومان بيئات صناع الأخبار إلى أربعة نماذج: بيئات مستقطبة مثل الولايات المتحدة والبرازيل يقود فيها المعلقون الحزبيون النقاش؛ وأصوات رقمية للنقد والمعارضة كما في تركيا والمجر وبيرو؛ ونماذج شبابية تشرح الأخبار بلغة مبسطة، مثل هوغو ديكريبت (HugoDécrypte) في فرنسا؛ وأسواق مستقرة نسبيا مثل النرويج والسويد وهولندا تظهر فيها شخصيات صحفية هجينة تجمع العمل المؤسسي بأدوات المؤثرين.
وتشير هذه النماذج إلى أن المنافسة لم تعد بين مؤسسة وأخرى فقط، بل بين الخبر بوصفه منتجا مؤسسيا، والخبر بوصفه علاقة شخصية مع مقدم معروف.
هبطت الثقة العامة في الأخبار إلى 37%، وهو أدنى مستوى منذ بدء القياس عام 2015، وانخفضت في 29 سوقا، بينها 19 سوقا سجلت تراجعا بخمس نقاط أو أكثر، وفي الولايات المتحدة، لم يعد يثق في الأخبار معظم الوقت سوى 25% من الجمهور.
ويربط التقرير هذا التراجع بانخفاض الثقة في المؤسسات والهجمات السياسية على الإعلام والاستقطاب، لكنه يربطه أيضا بتغير سلة الاستهلاك؛ فالأخبار المتداولة عبر المنصات تحظى بثقة أقل من العلامات الإخبارية الراسخة، والمفارقة أن الثقة في مؤسسات بعينها صمدت بصورة أفضل من الثقة في "الأخبار" كمفهوم عام.
وبالتوازي، ارتفع القلق من المعلومات الكاذبة 4 نقاط إلى 62% ومع ذلك، لا يدفع القلق الجمهور إلى مغادرة المنصات؛ فالسهولة والسرعة تتغلب غالبا على المخاوف.
كما تراجع الاهتمام المرتفع بالأخبار 13 نقطة منذ عام 2021، وانخفضت فئة "عشاق الأخبار" من 29% إلى 22%، بينما ارتفعت فئة المستخدمين العابرين من 16% إلى 25%.
وظل تجنب الأخبار عند 42%، مقارنة بـ29% عام 2017، في انعكاس للإرهاق والسلبية والعجز. كما أظهر الجمهور استياء من تغطية الهجرة، إذ زادت نسبة من يرون أداء الإعلام سيئا عن الذين يعدونه جيدا بفارق 11 نقطة.
رغم ارتفاع القلق من المعلومات الكاذبة لم يغادر الجمهور المنصات بسبب السهولة والسرعة ( نيويورك تايمز)رغم الاستقطاب، يفند التقرير الاعتقاد بأن الجمهور لا يريد سوى الأخبار المنحازة، فما زال 45% يفضلون الأخبار التي لا تتبنى طرفا، كما يرى 46% أن الأخبار غير المنحازة أفضل للمجتمع.
لكن الفئة الباحثة عن التحيز أكثر نشاطا في المشاركة والتعليق والدفع، ما قد يدفع الناشرين إلى ملاحقتها بخطوط أشد حدة، وهكذا تنشأ فجوة بين ما يريده الجمهور الأوسع من توازن، وما تكافئه خوارزميات التفاعل ونماذج الاشتراك من ولاء أيديولوجي.
يميز التقرير بين مشكلتي "التبني" و"الاحتفاظ"، فالصحف المطبوعة والراديو يعانيان ضعف التبني، لأن أجيالا شابة لم تطور عادة استخدامهما. أما التلفزيون، فقد وصل تاريخيا إلى 79% من الجمهور، لكنه يفشل في الاحتفاظ بمن استخدموه، وخصوصا الشباب.
ويكشف التحليل أن نسبة تبني قراءة الصحف أسبوعيا لم تتجاوز 37% بين الفئة من 18 إلى 34 عاما، بينما احتفظ التلفزيون بنحو 51% فقط من مستخدميه الشباب السابقين، مقابل 71% لدى من تجاوزوا 35 عاما، وهذا يعني أن إعادة الشباب إلى الصحيفة أصعب من استعادة مشاهد سابق للتلفزيون عبر البث الرقمي.
الصحف المطبوعة والراديو يعانيان ضعف التبني لأن أجيالا شابة لم تطور عادة استخدامهما (AP)بقيت نسبة الدفع مقابل الأخبار الرقمية عند 17% في سلة من 20 دولة، مع تفوق النرويج بنسبة 40% والسويد بنسبة 32%. ويشير التقرير إلى أن نطاق 10% إلى 20% قد يمثل سقفا في معظم الأسواق.
ومع تقلص الزيارات المباشرة، تحول تركيز الناشرين من اكتساب مشتركين جدد إلى الاحتفاظ بالحاليين وتقليل الإلغاء ورفع متوسط العائد.
لذلك تتوسع الحزم التي تجمع الأخبار مع الألعاب والوصفات والمنتجات المتخصصة، وتكشف تجربة "نيويورك تايمز" أن أغلبية المشتركين باتوا يدفعون مقابل حزمة لا الأخبار وحدها.
ويظل المحتوى المفيد والحصري الدافع الأكبر للدفع بنسبة 81%، لكن 46% من المشتركين يذكرون أيضا دوافع قيمية، مثل دعم الصحافة لأهميتها الاجتماعية والديمقراطية، كما يتزايد الدعم المباشر للصحفيين المستقلين والمنصات الصغيرة.
أما وسائل الإعلام العامة، فيرى 37% في 26 سوقا أن تأثيرها إيجابي، مقابل 22% يعدونه سلبيا، لكن المواقف تنقسم سياسيا؛ إذ ترتفع النظرة الإيجابية إلى 49% لدى اليسار وتنخفض إلى 32% لدى اليمين.
ويقول 71% من المنتقدين إن مخاوفهم تتعلق بالتدخل السياسي، رغم استمرار تقدير دور هذه الوسائل في توفير أخبار مجانية وموثوقة.
صناعة الأخبار لا تواجه مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة بل فقدانا تدريجيا للسيطرة على العلاقة مع الجمهور (غيتي)وتكشف الصفحات الإقليمية في التقرير أن التحول لا يسير بوتيرة واحدة. ففي الهند يهيمن "يوتيوب" على الوصول إلى الأخبار، وفي اليابان تضغط الشيخوخة وتراجع التوزيع على الصحف الكبرى.
وفي كينيا والمغرب تتقدم شبكات الفيديو وصناع المحتوى، مع تحذير التقرير من تعميم الأرقام بسبب طبيعة العينات. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا تلتقي الضغوط السياسية والقانونية مع أزمات التمويل والتسريح، بينما تواصل الدول الإسكندنافية إثبات قدرة الاشتراك والإعلام العام على الصمود.
ويمكن أن نلخص ما جاء في التقرير في كلمات بسيطة وهي أن صناعة الأخبار لا تواجه مجرد انتقال جديد من الورق إلى الشاشة، بل فقدانا تدريجيا للسيطرة على التوزيع والعلاقة مع الجمهور.
والنجاة لن تتحقق بإنتاج مزيد من المحتوى للمنصات وحدها، بل ببناء قيمة يصعب اختصارها في إجابة آلية أو مقطع عابر: صحافة موثوقة، مفسرة، شفافة، ذات شخصية واضحة، وقادرة على تحويل الجمهور من متلق عرضي إلى شريك مباشر ومستمر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة