انشغلت الصحف الإيرانية، الصادرة اليوم الثلاثاء، بقراءة التفاهم المعلن بين طهران وواشنطن، بين من رآه ثمرة للصمود العسكري والسياسي، ومن تعامل معه بوصفه فرصة لالتقاط الأنفاس الاقتصادية وإعادة ترتيب الداخل، في حين شددت صحف أخرى على أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إعلان التفاهم، بل في تفاصيل تنفيذه وضماناته.
وعلى الرغم من اختلاف عناوين الصحف وزواياها السياسية، بدا أن المشترك بينها هو التعامل مع التفاهم باعتباره محطة انتقالية لا نقطة نهائية للأزمة، إذ ربطت معظم القراءات بين وقف الحرب ورفع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز من جهة، وبين مفاوضات لاحقة حول الملفات العالقة من جهة أخرى.
في الصحف القريبة من التيار المحافظ، حضرت قراءة ترى أن التفاهم لم يأتِ نتيجة تنازل إيراني، بل بفعل قدرة طهران على فرض معادلة جديدة في الميدان. فقد قدمت صحيفة "همشهري" التابعة لبلدية طهران التفاهم بوصفه "سندا واضحا لهزيمة محور أمريكا وإسرائيل أمام إيران"، واعتبرت أن واشنطن اضطرت، بعد فشل الضغط العسكري والتهديد الإعلامي والحصار البحري، إلى قبول إجراءات عملية قابلة للتحقق قبل الدخول في المفاوضات النهائية. وركّزت الصحيفة على أن التفاهم صُمم -وفق قراءتها- على أساس انعدام الثقة بأمريكا ومبدأ "خطوة مقابل خطوة"، بحيث تستطيع إيران وقف المسار والعودة إلى الوضع السابق إذا لم تنفذ واشنطن التزاماتها.
وعدّدت "همشهري" ما تراه مكاسب إيرانية في المرحلة الأولى، ومنها وقف الحرب في جميع الجبهات، ورفع الحصار البحري، وفتح مسار لعبور السفن التجارية من الخليج إلى بحر عمان، وتحرير 12 مليار دولار من الأموال المجمدة فور توقيع التفاهم، وتعليق عقوبات النفط والبتروكيماويات والخدمات المالية والنقل البحري. كما شددت على أن إيران لم تقدم في هذه المرحلة تعهدا بشأن برنامجها النووي، وأن بحث التخصيب والمواد المخصبة أُجّل إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
أما صحيفة "جوان" فاختارت زاوية مختلفة، إذ تابعت ما كتبته وسائل إعلام غربية عن التفاهم، وركّزت على أن هذه الوسائل تعاملت معه بوصفه خطوة مهمة لإنهاء الحرب، مع الإقرار بأن الملف النووي سيظل مؤجلا إلى جولات لاحقة من التفاوض. وبرز في قراءة "جوان" الربط بين التفاهم وبين الاعتراف الغربي بصعوبة كسر إيران عسكريا.
وفي السياق نفسه، وضعت صحيفة "خراسان" التفاهم في إطار إقليمي أوسع، وقدمته على أنه تطور يثير غضب إسرائيل، مستخدمة عنوانا يفيد بأن التفاهم تحول إلى "شوكة في عين الصهاينة". كما ركّزت على أن إدارة الملف تجري ضمن الأطر العليا لصُنع القرار في إيران، وأن سرية المفاوضات لا تعني غياب الرقابة السياسية عليها.
في المقابل، تعاملت الصحف المقربة من التيار الإصلاحي مع التفاهم بوصفه فرصة سياسية واقتصادية ينبغي عدم إهدارها. فقد ركّزت صحيفة "اعتماد" على الحاجة إلى ضمانات، وعلى ما سمته فرصة إعادة البناء بعد التفاهم، كما ربطت بين نجاح المسار الجديد وبين قدرة القوى الداخلية على إنتاج حد أدنى من الإجماع الوطني.
ولم تقدم "اعتماد" التفاهم بوصفه نهاية مطمئنة للأزمة، بل بوصفه اختبارا لقدرة النظام السياسي على إدارة مرحلة ما بعد الحرب. وظهر في مقالاتها أن التحدي لا يقتصر على العلاقة مع أمريكا، بل يمتد إلى الاقتصاد والداخل الإيراني وموقع المؤسسات في صناعة القرار.
أما صحيفة "سازندكي" فذهبت إلى مقاربة أكثر سياسية، إذ رأت في التفاهم مناسبة لاختبار ما إذا كان "اتفاق السلام" سيتحول إلى عامل وحدة أم إلى مادة جديدة للانقسام الداخلي. وركّزت الصحيفة على أن مرحلة ما بعد الحرب قد تفتح بابا لإعادة ترتيب الأولويات، شرط ألا تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين التيارات السياسية.
ومن زاوية اقتصادية، تعاملت صحيفة "دنياي اقتصاد" الاقتصادية مع التفاهم على أنه بداية "مسار 60 يوما"، لا مجرد إعلان سياسي. واهتمت الصحيفة بتتبع أثر الخبر على الأسواق، لا سيما سوق العملة، معتبرة أن تراجع سعر الدولار بعد إعلان التفاهم يكشف حساسية الاقتصاد الإيراني المباشرة تجاه الإشارات السياسية.
على الضفة الأكثر حذرا، اختارت صحيفتا "شرق" و"إطلاعات" التركيز على ما لم يُحسم بعد. فقد تابعت "شرق" النقاش حول نص التفاهم وموعد نشره، كما أبرزت ضرورة الحذر من أي تعهد أمريكي غير قابل للتحقق. وركّزت الصحيفة أيضا على أن التفاهم يفتح الباب لمرحلة لاحقة من التفاوض، لا سيما في الملف النووي، وهو ما يجعل الأسئلة الكبرى مؤجلة لا محسومة.
أما "إطلاعات" فعنونت قراءتها بما يفيد وجود "توافق واحد وقراءتين"، في إشارة إلى اختلاف الرواية الإيرانية والأمريكية بشأن ما جرى الاتفاق عليه. ولفتت الصحيفة إلى أن الطرفين يتحدثان عن تمديد وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز والانتقال إلى مفاوضات أوسع، لكنهما لا يقدمان التفاهم بالمعنى ذاته ولا يرتبان عليه النتائج نفسها.
وتكشف هذه القراءة أن جزءا من الصحافة الإيرانية لا يزال ينظر إلى المسار الجديد بوصفه مليئا بالألغام السياسية والقانونية، خصوصا أن أي اختلاف في تفسير البنود قد يعيد التوتر إلى نقطة الصفر.
أما صحيفة "كيهان" المعروفة باتجاهها المحافظ المتشدد فبدت أكثر تشددا في تفسيرها للتفاهم، إذ حرصت على الفصل بين تفاهم يتعلق بإنهاء الحرب وبين أي مسار تفاوضي واسع مع أمريكا. ووفق القراءة التي تبنتها، لا ينبغي تحويل التفاهم إلى بوابة لمفاوضات تتجاوز موضوع وقف الحرب وترتيباتها المباشرة.
وتعكس هذه المقاربة موقفا حذرا داخل التيار المحافظ، يخشى أن يتحول وقف الحرب إلى منصة ضغط أمريكية جديدة في الملف النووي أو في الملفات الإقليمية، لذلك تبدو "كيهان" أقرب إلى التعامل مع التفاهم بوصفه إجراء اضطراريا لإغلاق جبهة الحرب، لا بداية لانفتاح سياسي مع واشنطن.
ومن بين الزوايا اللافتة في تغطية الصحف الإيرانية حضور السوق بقوة في قراءة التفاهم. فقد ربطت صحف عدة بين الإعلان عن الاتفاق الأولي وبين هبوط أسعار الدولار والذهب والسيارات، بما يعكس أن الشارع الاقتصادي قرأ الخبر بوصفه احتمالا لتراجع المخاطر.
لكن هذه القراءة الاقتصادية لم تكن خالية من التحذير، فقد أشارت بعض الصحف إلى أن التهدئة السياسية قد تحمل آثارا مزدوجة، إذ يمكن أن تخفف الضغوط عن الأسواق الداخلية، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول الإيرادات النفطية وحجم الموارد المتاحة لتمويل إعادة البناء بعد الحرب.
وفي هذا المعنى، لم تتعامل الصحف الاقتصادية مع التفاهم كخبر سياسي فحسب، بل كعامل مؤثر في توقعات التضخم وسلوك المتعاملين في السوق، وفي قدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.
تكشف جولة الصحف الإيرانية أن التفاهم مع أمريكا لم يُقرأ باعتباره لحظة توافق كاملة، بل باعتباره منطقة وسطى بين الحرب والتسوية. فصحف قريبة من التيار المحافظ رأت فيه تثبيتا لمعادلة فرضتها إيران في الميدان، بينما رأت صحف إصلاحية ووسطية أنه فرصة ينبغي حمايتها بضمانات وإجماع داخلي، في حين حذرت صحف أخرى من الغموض واختلاف الروايات بين طهران وواشنطن.
وبين من يتحدث عن انتصار، ومن يرى فرصة، ومن يخشى فخا تفاوضيا جديدا، يبدو أن الصحافة الإيرانية متفقة على أمر واحد: التفاهم لم يغلق الملف، بل فتح مرحلة أكثر حساسية، سيكون معيارها الفعلي ما سيحدث في الـ60 يوما المقبلة، لا ما قيل في لحظة الإعلان.
المصدر:
الجزيرة