آخر الأخبار

من اللموشي إلى رونار… اعتراف متأخر بخطأ الاتحاد التونسي؟

شارك
صورة من: Oliver Weiken/dpa/picture alliance

في الساعات الأولى من فجر تونس ، جاء القرار الذي انتظره كثيرون وترقبه آخرون. صبري اللموشي يغادر المشهد، وهيرفي رونار يصل حاملاً معه آمالاً جديدة لشارع رياضي أنهكته الخيبات وتراكمت أمامه علامات الاستفهام.
لم يكن الإعلان مجرد تغيير على رأس الجهاز الفني، بل بدا وكأنه نقطة تحول فرضتها الظروف بعد نتائج مخيبة وضغوط متزايدة . غير أن هذا التحول جاء في توقيت بالغ الحساسية، وسط منافسة قائمة وأمام استحقاقات مصيرية لا تحتمل المزيد من الأخطاء. ورافقت الإعلان عن التعاقد مع رونار موجة من الترحيب الواسعة من الجماهير ووسائل الإعلام الرياضية، إلا أنها تفتح نقاشا أعمق من قيمة الاسم القادم إلى دكة بدلاء النسور. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا تغيرت بوصلة الجامعة التونسية (الاتحاد التونسي) لكرة القدم الآن؟ وما الذي دفعها إلى الانتقال من خطاب العجز المالي وضيق الإمكانيات إلى التعاقد مع أحد أكثر المدربين نجاحاً وخبرة في القارة الإفريقية؟


من اللموشي إلى رونار… انقلاب في الخيارات


عندما تعاقد الاتحاد التونسي مع صبري اللموشي، كان الخطاب السائد واضحاً، وهو أن الوضع المالي لا يسمح بالتعاقد مع أسماء عالمية كبيرة، و أن البحث سيكون عن مدرب قادر على العمل ضمن الإمكانيات المتاحة.
حينها قُدم اللموشي باعتباره الخيار الأنسب في ظل الظروف المادية الصعبة. وقيل إن الواقعية المالية تفرض نفسها على الطموحات الرياضية.
فماذا تغير اليوم حتى يبدو المشهد مختلفاً تماماً؟ وحتى يصبح الاتحاد التونسي الذي كان عاجزا مالياً قبل أشهر، قادرا اليوم على التعاقد مع هيرفي رونار، أحد أغلى المدربين في القارة الإفريقية. وإذا كانت الإمكانيات موجودة الآن، فلماذا لم تكن الأولوية منذ البداية للتعاقد مع مدرب يملك سجلاً تدريبياً بحجم رونار؟
ربما حاول الاتحاد منذ البداية توفير الأموال عبر التعاقد مع اللموشي على أمل نجاح التجربة، لكن الأمر لم ينجح ما اضطر لاحقاً إلى العودة للخيار الذي كان مطروحاً منذ البداية بعد سقوط الرهان الأول، وهو التعاقد مع مدرب ذي خبرة وسيط في عالم التدريب ، هذا من جهة.

من جهة أخرى، قد يُنظر إلى التعاقد مع رونار باعتباره رداً غير مباشر على فرضيات التلاعب وغياب الشفافية التي روج لها البعض خلال الفترة الماضية، كما يعزز في المقابل فرضية أن القرار الأول لم يكن سوى خطأ في التقدير أكثر منه نتاجاً لحسابات خفية.

ليبقى اختيار اسم يحظى بهذا القدر من الإجماع والرصيد الفني الكبير دليلا على أن الاتحاد فضل في النهاية الاستجابة لمنطق الكفاءة والخبرة بعد أن أثبتت الوقائع محدودية الخيار السابق.

اسم تونس على المحك… والفضيحة تتصدر الإعلام العالمي

تحولت الخسارة الثقيلة التي تلقاها المنتخب التونسي إلى ما وصفته وسائل إعلام دولية واسعة الانتشار بـ"الفضيحة الكروية"، حيث تناولت صحف ومواقع رياضية كبرى مثل L’Équipe وMarca وThe Guardian وBBC Sport الحدث في تغطياتها التحليلية، مركزة على حجم الانهيار الفني وتداعياته المباشرة على مستقبل الجهاز الفني.
وأجمعت هذه التغطيات على أن الهزيمة لم تكن مجرد نتيجة ثقيلة، بل كشفت عمق الأزمة داخل المنتخب، فيما ذهبت بعض التحليلات إلى اعتبار الإقالة نتيجة طبيعية لضغط جماهيري وإعلامي تصاعد بعد المباراة، أكثر من كونها قراراً فنياً معزولاً.

"الخماسية" ضد السويد لم تكن مجرد نتيجة ثقيلة، بل تحولت إلى صدمة وطنية وتصدرت عناوين وسائل الإعلام العربية والعالمية، ما ضاعف منسوب الضغط على الجامعة التونسية لكرة القدم.صورة من: Petter Arvidson/BILDBYRÅN/picture alliance

من الصدمة إلى الترحيب… رونار يصل في الوقت الحاسم


صدمة… غضب… ضغط… ثم ترحيب. سلسلة من المشاعر طبعت موقف الشارع الرياضي التونسي خلال الساعات الماضية، قبل أن يستقر الرأي العام نسبياً على استقبال خبر التغيير بارتياح واضح.
الأصوات التي رحبت اليوم بقدوم هيرفي رونار كانت قد طالبت منذ البداية بالتعاقد مع مدرب يملك هذا الحجم من الخبرة والسيرة الذاتية . لذلك يذهب البعض إلى أن الاتحاد التونسي لم يفعل سوى تصحيح مسار كان يمكن تفادي انحرافه منذ أشهر، لو اتُخذ القرار في توقيته المناسب.
في المقابل، يرى آخرون أن هذا التغيير لم ينبع من قناعة فنية جديدة بقدر ما جاء استجابة لضغط جماهيري وإعلامي متصاعد، خاصة بعد الهزيمة الثقيلة التي تلقاها المنتخب التونسي، والتي تجاوز أثرها حدود المستطيل الأخضر. فـ"الخماسية" من السويد في المباراة الافتتاحية للمنتخب التونسي في مونديال 2026 لم تكن مجرد نتيجة ثقيلة، بل تحولت إلى صدمة وطنية وتصدرت عناوين كثير من وسائل الإعلام العربية والعالمية، ما ضاعف منسوب الضغط على الاتحاد التونسي لكرة القدم.
ليتحول النقاش من فني فقط، إلى مساءلة حقيقية للخيارات التي قادت المنتخب إلى هذا الوضع. ومع تصاعد الغضب الجماهيري، بدا أن استمرار صبري اللموشي على رأس الجهاز الفني أصبح أمرا مستحيلا.
ولكن هل جاء رونار في الوقت المناسب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن التأخر في القرار سيجعل مهمته أصعب مما كان متوقعاً؟

قد يكون التعاقد مع هيرفي رونار أفضل قرار اتخذته الجامعة منذ فترة طويلة. وقد يكون الرجل قادراً على إعادة المنتخب إلى السكة الصحيحة.صورة من: Oliver Weiken/dpa/picture alliance



سيرة ذاتية تصنع الأمل.. لكن هل يملك رونار عصا سحرية؟


يصعب مقارنة السيرة الذاتية لرونار بمعظم الأسماء التي ارتبطت بالمنتخب التونسي خلال السنوات الأخيرة.
المدرب الفرنسي رونار يبقى الرجل الوحيد الذي توج ب كأس أمم إفريقيا مع منتخبين مختلفين، عندما قاد زامبيا إلى اللقب التاريخي سنة 2012 ثم كرر الإنجاز مع كوت ديفوار سنة 2015.
كما نجح في قيادة المنتخب المغربي إلى كأس العالم 2018 بعد غياب دام عشرين عاماً، وترك بصمة واضحة مع عدة منتخبات إفريقية وآسيوية.
لهذا لم يكن غريباً أن يكون الإعلام التونسي من أكثر المرحبين بوصوله، باعتباره مدرباً يملك خبرة كبيرة في التعامل مع المنتخبات والضغوط القارية وإدارة غرف الملابس في الأزمات. ويقول عبدالسلام ضيف الله الصحفي التونسي براديو الشرق باريس لـ DW : " الصفقة مكلفة جداً مالياً، وكواليسها تؤكد أن القرار تجاوز أروقة الاتحاد التونسي ليكون قراراً سيادياً من أعلى السلطات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. رينار، الاسم الكبير والنجاحات الممتدة من أفريقيا إلى زلزال لوسيل مع المنتخب السعودي ، يأتي اليوم وفي رصيده سلاحٌ سري وهو غياب حاجز اللغة مع جيلٍ وُلد ونشأ في فرنسا ، مما يعني تواصلًا فورياً ودون مقدمات.
رونار مدرب كبير؟ هذا أمر لا يختلف حوله كثيرون. لكن السؤال الحقيقي هو ماذا يستطيع أن يفعل في هذا التوقيت؟
فالفرنسي يصل إلى منتخب يعيش حالة اضطراب فني ومعنوي، ويجد أمامه مجموعة من اللاعبين تحتاج إلى استعادة الثقة أكثر من حاجتها إلى تغيير الخطط على الورق .
صحيح أن خبرته في إدارة المنتخبات قد تساعد على إحداث رجة إيجابية داخل المجموعة، لكنه لن يكون قادراً وحده على حل كل المشكلات المتراكمة.

ويضيف ضيف الله :" المهمة شبه مستحيلة.. وأمام من؟ أمام سرعات اليابان، وخبث هولندا التكتيكي! الطموح اليوم واقعي جداً، والحد الأدنى هو 'تجنب الكارثة' وإعادة كبرياء النسور. رينار قادر على تعديل الأوتار وضبط الإيقاع، ونتمنى ألا تقف هذه الرحلة عند حدود المونديال، بل أن تمتد لبناء مشروع مستقبلي حقيقي."
تبدو فكرة "المدرب المنقذ" محفزة إعلامياً، لكنها نادراً ما تعكس حقيقة الميدان وحجرات الملابس. النجاح يحتاج إلى مشروع متكامل، وإلى إدارة مستقرة، وإلى رؤية واضحة تتجاوز اسم المدرب مهما كانت قيمته.

ما بعد رونار


قد يكون التعاقد مع هيرفي رونار أفضل قرار اتخذه الاتحاد منذ فترة طويلة. وقد يكون الرجل قادراً على إعادة المنتخب إلى السكة الصحيحة. لكن نجاح التجربة أو فشلها لن يجيب وحده عن السؤال الذي يطارد كرة القدم التونسية منذ سنوات وهو لماذا ننتظر دائماً وقوع الأزمة قبل اتخاذ القرار الصحيح؟ لأن المشكلة لم تكن يوماً في اسم المدرب فقط، بل في طريقة اتخاذ القرار نفسها. واليوم، بينما يحتفل الشارع الرياضي بوصول رونار، يبقى التحدي الأكبر هو التأكد من أن الاتحاد لم يغيّر المدرب فقط، بل غيّر أيضاً طريقة التفكير التي أوصلت المنتخب إلى هذه المرحلة.

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا