آخر الأخبار

حكايات من غزة.. عصافير تواسي الأسرى وسوق يوشك على الاندثار

شارك

غزة- وجد الشاب الفلسطيني والأسير السابق عبد اللطيف حلس (19 عاماً) في ساحة سجن النقب ما خفف عنه شيئا من قسوة الأسر، ذلك حين اقترب منه عصفور صغير متجاوزا الجدران والأسلاك الشائكة، ليفتح في نفسه بابا عجزت السجون عن إغلاقه.

كان عبد اللطيف قبل أسره، هاويا ومربيا للعصافير؛ يعرف طباعها كما يعرف مربٍ قديم مزاج طيوره، ويميز القلق في حركتها، والطمأنينة في وقوفها، والنداء الخفيف في رفة جناحها.

في ساحة السجن، كانت دقائق "الفورة" تمر كأنها حياة مؤقتة، يخرج الأسرى لتناول ما خُصص لهم من طعام يوم كامل: فتات قليل أو حفنة أرز، يحمل كل واحد منهم تعبه وصمته وما بقي من قوته.

هناك، اقترب العصفور من فتحة خارجية صغيرة، ووقف قريبا من عبد اللطيف، في تلك اللحظة، بدا له كضيف صغير حمل شيئا من اتساع السماء إلى ذلك المكان الضيق.

مد له من طعامه القليل، واختار أن يترك لجوعه مكانا في جسده، كي يملأ عينيه بمشهد العصفور وهو يأكل. منذ ذلك اليوم، صار ينتظر الفورة كما ينتظر موعدا عزيزا.

تحولت الساحة من إسمنت وحديد وحراسة إلى مكان لقاء، يعود العصفور، ثم يعود معه آخرون، وتكبر الدقائق في قلب عبد اللطيف كلما كثر الجناح حوله.

مصدر الصورة عبد اللطيف حلس داخل مزرعته الصغيرة يطعم عصافيره بين أقفاص متواضعة محاولا استعادة مهنته (الجزيرة)

عصفور يخفف أوجاع السجن

يقول عبد اللطيف -للجزيرة نت- وهو يستعيد المشهد بملامح يختلط فيها الوجع بالدهشة: "كنت أتعرض لتعذيب شديد وضرب قاسٍ وضغط جسدي ونفسي، ثم بدأت أقابل العصافير في الساحة، فكان يهون علي كل ذلك أمام فكرة لقائي بها".

يتحدث كأن تلك الطيور ما زالت تحوم أمامه؛ يصفها بانبهار مربٍ يعرف قيمة الاقتراب، فالعصافير البرية، كما يقول، تحتفظ عادة بمسافة حذرها من البشر، أما عصافير الساحة فقد ألفت الأسرى، واقتربت منهم حتى مسافة الصفر.

في تلك المسافة الصغيرة، كان عبد اللطيف يستعيد بيته القديم وتعود إليه أقفاصه، وأصوات طيوره، ومواسم التربية، وفرحة المربي حين يرى طائرا جديدا يخرج إلى الحياة، كأن عصافير السجن حملت إليه كل العصافير التي رباها ذات يوم، وجمعت في جناحها معنى الحرية والأنس والنجاة.

إعلان

بعد خروجه من السجن، عاد إلى العصافير كمن يعود إلى جزءٍ من نفسه في مزرعته الصغيرة، كانت الأقفاص مصطفّة على الجدران في مساحة متواضعة أُقيمت بمواد بسيطة.

في هذا المكان، تستعيد الطيور معناها الأول لديه؛ كرفقة وذاكرة وامتداد لحكاية بدأت في ساحة الأسر، حين كان العصفور يفتح له نافذة على الحرية.

هنا، بين الأقفاص المتعبة والطيور القليلة، يحاول عبد اللطيف أن يرمم علاقته بالحياة من جديد، عصفورا بعد آخر.

مصدر الصورة حلقة تستخدم لتحجيل الطيور والتعرف على مساراتها (الجزيرة)

إيلين في هيئة عصفور

ومن عصفور عبد اللطيف، تمتد الحكاية إلى أسرى آخرين وجدوا في الطيور نافذة داخل الجدران. ففي سجن النقب أيضا، كان حسن المغربي (33 عاماً) يعيش أبوة مؤجلة؛ أسره جنود الاحتلال الإسرائيلي وزوجته تنتظر مولودتهما، وكانا قد اختارا لطفلتهما اسم "إيلين"، فصار يعدّ الأيام يوما بعد آخر حتى الموعد الذي تخيّل فيه قدومها إلى العالم.

في ذلك اليوم تحديدا، كان جالسا في ساحة الأسر بعد تعذيب طويل على يد جيش الاحتلال، مثقل الجسد، مطفأ الحركة، مغمض العينين، يحاول أن يلتقط أنفاسه.

وبينما كان غارقا في وجعه، أحسّ بحركة خفيفة قرب قدميه، ففتح عينيه ببطء، ووجد فرخ عصفور صغير يقف إلى جواره، كأنه وصل إلى أكثر الأماكن انكسارا في داخله.

كان حضور العصافير يتحول في ذاكرة حسن إلى خبر عائلي صغير داخل السجن. كلما اقتربت الطيور من الساحة، كان ينادي صديقه: "أجت إيلين يا أحمد.. تعال"، كان يرى في الفرخ الصغير صورة لابنته الأولى التي لم يعرف ملامحها بعد وأطلق عليه اسم إيلين.

ويقول حسن للجزيرة نت: "كنت أتمنى أعرف أين هي، كيف وأين ولدت، وشكلها كيف.. كنت أتخيل ملامحها وأنا في السجن"؛ لذلك صار العصفور طريقه الوحيد إلى إيلين، ووسيلته لملء فراغ الأبوة المؤجلة.

جاء يوم خرج فيه حسن بعد عامين من السجن، ويضيف أنه كان يتخيل ابنته صغيرة جدا لكنها استقبلته في عمر عامين، وزال بأسه، ولكن ما زال من المؤلم في نفسه أنها تنادي على والدها بـ"عمو" وليس "أبي".

مصدر الصورة محمد الصوراني إلى جانب أزواج قليلة من العصافير اقتناها حديثا بأسعار مضاعفة (الجزيرة)

خسارة عصافير الزينة

ما وجده عبد اللطيف وحسن في عصفور السجن، فقده كثير من مربي الطيور في غزة خلال الحرب. فالعصافير التي كانت مصدر رزق وهواية ورفقة يومية لآلاف الغزيين، طالتها آثار الإبادة؛ نفق معظمها تحت القصف والحصار والنزوح، وتضررت أسواقها ومزارعها، واختفت أنواع نادرة كانت تشكل جزءا من ذاكرة المربين وحياتهم.

على مدى نحو 15 عاماً، راكم المربي محمد الصوراني اسمه داخل سوق طيور الزينة في غزة، منتجا وبائعا ومساهما في حركة هذا القطاع. كانت طيوره تُعرف بحلقات صغيرة توضع في أقدامها وتحمل اسمه، كأنها توقيع خاص يرافق كل طائر خرج من مزرعته بعد عناية طويلة وانتقاء دقيق. ومع الوقت، تحولت تربية العصافير بالنسبة إليه من مشروع رزق إلى علاقة يومية شديدة القرب، يصفها بأنها روح ترافقه.

قبل الحرب بخمسة أيام، اشترى الصوراني عصافير بقيمة 12 ألف دولار لتطوير مزرعته، ثم جاءت الحرب لتطيح بما بناه خلال سنوات؛ نفقت الطيور التي كانت معه في خيمة النزوح بسبب الحر، ونفقت عصافيره التي بقيت في غزة بعد قصف منزله وحرمانها من الغذاء، ويقدّر خسارته بنحو 85 ألف دولار، بعدما كان يملك مزرعة تضم 70 زوجاً من العصافير ومتجرا يضم كل مستلزمات الطيور.

إعلان

يصف المواطن الفلسطيني -في حديثه للجزيرة نت- فقدان طيوره كأنه فقد أحد أفراد أسرته، ويقول إنه دخل في حالة حزن وانكسار استمرت شهرين. وبعد انهيار تجارته، اشترى اليوم 6 أزواج من العصافير ليحتفظ بقربه منها ويواصل ارتباطه بها، ويؤكد أن تربية العصافير جزء من روحه، وأنه سيظل متعلقا بها مهما تغيّرت الظروف.

وتكشف تجربته حجم التحول الذي أصاب سوق العصافير في غزة، فقد كان يملك متجرا وسط القطاع بمساحة تقارب 10 أمتار طولا و6 أمتار عرضا، بقيمة إيجار سنوية بلغت 4000 دينار أردني (نحو 5660 دولاراً)، رغم بساطة المكان الذي يشبه "بيت درج". أما اليوم، فيجلس في محل صغير لا تتجاوز مساحته 3 أمتار في مترين، بإيجار سنوي يصل إلى 5000 دولار، في مفارقة تلخص قسوة السوق بعد الحرب.

وتظهر الفجوة أيضا في أسعار الطيور نفسها؛ فطائر الدويري (الدوري) الذي كان يباع سابقا بقرابة 15 شيكلاً (نحو 5 دولارات)، وصل اليوم إلى 350 شيكلاً (نحو 119 دولاراً). وارتفع سعر زوج طائر الحب من 50 شيكلاً (17 دولاراً)، إلى 400 شيكل (نحو 136 دولاراً).

أما زوج الكوكتيل، فقفز سعره من 100 شيكل (34 دولاراً) إلى ما بين 300 و800 شيكل (بين 102 و272 دولاراً).

مصدر الصورة محمد الصوراني في متجره الجديد بعد فقدان متجر أوسع خلال الحرب (الجزيرة)

سلالات نادرة تندثر

يقدّر باهر عكيلة، مدير الجمعية الفلسطينية للطيور في غزة وخبير السلالات، أن نحو 10% فقط من طيور الزينة بقيت في القطاع مقارنة بما كان موجودا قبل حرب الإبادة. وراء هذه النسبة تختبئ خسارة سوق كامل، ومشاريع صغيرة كانت تعيل أسرا، وسلالات نادرة احتاج إنتاجها إلى سنوات من الخبرة والرعاية وتبادل المعرفة بين المربين.

لكن الحرب ضربت هذا القطاع بقوة؛ إذ فقد السوق مربين ومنتجين بين شهداء ونازحين ومتضررين، وتضررت المزارع والأقفاص، وتوقف تبادل الخبرات، فيما انهارت مصادر دخل كثيرة.

وفي تصريحه للجزيرة نت، يقدّر عكيلة الخسائر بمئات آلاف الشواكل، بينما تراوحت خسائر بعض المزارع الكبيرة بين 50 و100 ألف دولار.

كما اختفت أو تراجعت بشدة سلالات نادرة مثل: الببغاء الأفريقي والكوكاتو والمكاو والأمازوني والكاسكو والروزيللا والدرة الهندية المطوقة وغيرها، وهي طيور ذات قيمة إنتاجية ومادية عالية شكّل فقدانها ضربة قاسية للمربين.

ويرجع عكيلة نفوق الطيور وتراجع أعدادها إلى القصف الإسرائيلي الشديد والنزوح والحصار ونقص الغذاء والأدوية البيطرية وارتفاع تكاليف الرعاية. وخلال المجاعة، استُخدمت حبوب الطيور غذاء للبشر، ما حرم أنواعا حساسة من احتياجاتها الأساسية وأدى إلى نفوق أعداد كبيرة منها.

ويؤكد أن تربية الطيور أصبحت اليوم أكثر صعوبة وكلفة بسبب الدمار وارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتراجع القدرة المادية للمربين؛ وهكذا تحولت سوق طيور الزينة في غزة إلى شاهد على خسارة طالت البشر ومصادر رزقهم وكائناتهم الصغيرة معا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا