في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تقترب الولايات المتحدة وإيران، اليوم الأحد، من لحظة قد تشكل واحدة من أبرز المحطات الدبلوماسية في تاريخ الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، وسط ترقب دولي لإعلان توقيع اتفاق يقضي بإنهاء الحرب المندلعة منذ 28 فبراير/شباط الماضي، بعد أشهر من المفاوضات وجهود الوساطة المكثفة لتقريب أوجه الاختلاف بين الطرفين.
وبينما تستعد واشنطن وطهران لوضع اللمسات الأخيرة على مذكرة التفاهم، لا تزال تساؤلات عديدة تحيط بتفاصيله وتوقيت توقيعه ومواقف الأطراف المعنية به، وسط أنباء عن وجود تضارب داخل الموقف الإيراني ومساعي إسرائيل لتوسيع نطاق عملياتها في جنوب لبنان.
ونستعرض لكم في هذا التقرير أبرز ما نعرفه حتى اللحظة عن مجريات الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران وبنوده ودلالات توقيته.
تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب -الخميس الماضي- عن تهديده بضرب الأراضي الإيرانية والسيطرة على منشأة النفط في جزيرة خارك بزعم أن الاتفاق مع طهران بات وشيكا أكثر من أي وقت مضى، مرجحا أن يتم توقيعه خلال الأيام المقبلة.
وبعد يوم من إلغاء العمليات العسكرية الأمريكية، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن التوقيع على مذكرة التفاهم مع واشنطن بات قريبا جدا. ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية لاحقا تفاصيل لما قالت إنها بنود الوثيقة، مشيرة إلى أن الاتفاقية شملت لبنان، الذي تستمر إسرائيل في استهدافه عبر غارات جوية مكثفة وتوغلات برية في بلداتها الجنوبية.
في المقابل، صرح ترمب بأن الشروط التي سربتها إيران إلى "وسائل الإعلام المزيفة" لا علاقة لها على الإطلاق بالشروط التي تم الاتفاق عليها، محذرا ومطالبا قادة إيران بتصحيح موقفهم وبسرعة.
ويوم السبت، أعلن الرئيس الأمريكي في منشور على منصته تروث سوشيال أنه من المقرر توقيع اتفاق مع إيران اليوم الأحد لإنهاء الحرب، تمهيدا لمناقشة الملفات الشائكة معها، وعلى رأسها البرنامج النووي، مؤكدا في الوقت ذاته أن مضيق هرمز سيصبح "مفتوحا للجميع" فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
في المقابل، ذكرت عدة وسائل إعلامية -بينها وكالة رويترز ووكالة تسنيم الإيرانية (شبه الرسمية)- وصول وفد قطري إلى العاصمة طهران لإجراء مباحثات مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى ضمن جهود الوساطة المستمرة لإنهاء الحرب.
يصادف تاريخ اليوم الأحد، الموافق 14 يونيو/حزيران 2026، ذكرى ميلاد ترمب الـ80، وهو ما قد يضفي بعدا رمزيا على هذا الاتفاق إذا وُقِّع بالنسبة للرئيس الأمريكي، الذي لطالما دأب على ربط إنجازاته السياسية بشخصه وصورته أمام مؤيديه.
في المقابل، شكك مسؤولون إيرانيون علنا في إمكانية إتمام التوقيع في الموعد الذي حدده ترمب، وهو ما أضفى على الجدل حول التوقيت أبعادا تتجاوز التفاصيل البروتوكولية إلى صراع على الرمزية السياسية والرواية الإعلامية.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي -أمس السبت- أن مذكرة التفاهم لن تُوقَّع اليوم الأحد، لكنه لم يستبعد أن يتم ذلك في الأيام المقبلة، وفقا لوسائل الإعلام الحكومية.
ويبدو أن طهران حريصة على حرمان ترمب من تحقيق هذا المكسب الرمزي في يوم ميلاده، إذ تشير التصريحات الرسمية إلى أنها لا ترفض توقيع الاتفاق بالمبدأ، لكنها ترفض أن يتم ذلك اليوم.
بالنسبة لمراسم التوقيع المرتقبة، أشار رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى أن بلاده تستعد للمشاركة في مراسم توقيع إلكترونية، على أن تعقبها محادثات فنية خلال الأسبوع المقبل.
وبحسب شبكة "سي إن إن"، فإن خيار التوقيع الافتراضي جاء جزئيا نتيجة تعقيدات الجدول الزمني لترمب ونائبه جيه دي فانس، إذ تفرض البروتوكولات الأمنية الأمريكية عدم سفر الرئيس ونائبه إلى الخارج في الوقت نفسه حفاظا على استمرارية الحكم.
وكانت تقارير صحفية أمريكية ذكرت بادئ الأمر أن فانس سيتوجه إلى جنيف لتوقيع الاتفاق. لكن مع استعداد ترمب للتوجه إلى فرنسا غدا الاثنين للمشاركة في قمة مجموعة السبع، برزت صعوبات في ترتيب سفر فانس إلى أوروبا والعودة قبل مغادرة الرئيس، وفقا لـ"سي إن إن".
وفقا لمصادر إيرانية، تحتوي مذكرة التفاهم المرتقبة بين واشنطن وطهران على 14 بندا، تشمل البرنامج النووي الإيراني، وترتيبات حول مضيق هرمز والعقوبات المفروضة على إيران وأصولها المجمدة، بالإضافة إلى تسوية الوضع في لبنان.
تنص مسودة مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، إلى جانب بدء خطوات متبادلة لخفض التصعيد العسكري.
وبحسب منشور الرئيس الأمريكي على منصة تروث سوشيال، سيتم إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية بمجرد التوقيع على المرحلة الأولى من الاتفاق مع طهران.
وتواصل إيران إغلاق هذا الممر المائي الإستراتيجي، المسؤول عن نقل 20% من إمدادات النفط و الغاز الطبيعي المسال في العالم، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها. وأثّر هذا الإجراء على أسواق الطاقة العالمية بشكل سلبي، إذ أدى إلى ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار واندلاع مخاوف من تعطل سلاسل الإمداد الدولية.
وصف ترمب الاتفاق المرتقب مع إيران بأنه "جدار يحول دون حيازة أسلحة نووية"، موضحا أن طهران ستوافق على عدم حيازة أسلحة نووية بموجب بنوده -سواء عن طريق الشراء أو التطوير أو أي شكل آخر من أشكال الحصول عليها- إلى أجل غير مسمى.
وذكر في منشوره على منصة تروث سوشيال أنه بمجرد التوقيع على المرحلة الأولى، ستقوم الولايات المتحدة بـ"التخلص من الغبار النووي" في إيران و"تدميره". وعادة ما يستخدم ترمب مصطلح "الغبار النووي" للإشارة إلى اليورانيوم المخصب.
وتؤكد واشنطن أن الملف النووي سيبقى على طاولة المفاوضات خلال مرحلة لاحقة تمتد لنحو 60 يوما إضافية من تاريخ توقيع الاتفاق.
بدوره، قال تيم كونستانتين، كاتب في صحيفة "واشنطن تايمز"، للجزيرة الإنجليزية إن البرنامج النووي الإيراني يشكل "أولوية" قصوى لترمب، الذي يسعى إلى منع طهران من امتلاك أي سلاح نووي بوصفه "إنجازا سياسيا".
تُعد إيران من أكثر الدول الخاضعة للعقوبات الاقتصادية في العالم، إذ فرضت الولايات المتحدة عليها على مدى عقود حزمة واسعة من العقوبات استهدفت قطاعاتها المصرفية والنفطية، ما ألحق أضرارا كبيرة باقتصادها وقيّد قدرتها على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
وفي حين تتمسك طهران برفع العقوبات بصورة شاملة كأحد الشروط الأساسية لأي اتفاق، أبدت واشنطن استعدادها لتخفيفها تدريجيا وبصورة مرتبطة بالتزامات إيرانية محددة بشأن برنامجها النووي. ورغم ذلك، لا تزال الخلافات قائمة بشأن آلية رفع العقوبات وتوقيتها ونطاقها، ما يجعل هذا الملف أحد أكثر القضايا تعقيدا في المفاوضات بين الجانبين.
يشكل مصير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج نقطة خلاف رئيسية أخرى، حيث تسعى طهران للحصول على هذه الأصول كجزء من أي اتفاق محتمل لإنهاء الحرب، بحجة أن هذه الأموال ملك لها بالأساس وأنها ضرورية لانتعاشها الاقتصادي، لا سيما بعد الأضرار التي خلفتها الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية.
بيد أن المفاوضين الأمريكيين يترددون في الموافقة على الإفراج عن هذه الأموال على نطاق واسع دون الحصول على تنازلات كبيرة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
تضغط طهران خلال مباحثاتها مع واشنطن للتوصل إلى وقف إقليمي وشامل لإطلاق النار في المنطقة، بما يشمل وقف العمليات العسكرية والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
وكانت إيران قد نفذت هجوما عسكريا مباشرا على إسرائيل الأسبوع الماضي، وذلك عقب تحذيرات وجهتها إلى تل أبيب من استمرار التصعيد في لبنان، مؤكدة أن "أي عمل عدائي جديد سيُواجَه برد أكثر قوة وكلفة أعلى".
وترى طهران أن الساحة اللبنانية مشمولة ضمن التفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة في أبريل/نيسان الماضي، محملة واشنطن مسؤولية منع الانتهاكات الإسرائيلية واحتواء أي تصعيد محتمل في المنطقة.
لم تبرز سوى ردود فعل محدودة داخل الحزب الجمهوري حول اقتراب واشنطن من إبرام صفقة وشيكة مع إيران، حيث أكد عدد من المشرعين الجمهوريين على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي في المستقبل.
وقال السيناتور الجمهوري رون جونسون -في مقطع مصور (فيديو) نشرته قناة "إيران إنترناشونال"- إن إيران المسلحة نوويا ستشكل "تهديدا وجوديا" للولايات المتحدة.
في المقابل، أبدى مشرعون ديمقراطيون تشككهم حيال الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، إذ قال السيناتور الديمقراطي آدم شيف في تدوينة على منصة إكس إن "الرئيس يقول إن الحرب قد انتهت. آمل أن يكون على حق. لكننا سمعنا هذا الكلام من قبل، إلى جانب سلسلة من الوعود التي لم تُنفَّذ".
وأضاف شيف أن ترمب شن حروبا جديدة خلال ولايته الثانية، لكنه لم يخفض من تكاليفها، وهو ما أضر بالشعب الأمريكي بشكل كبير.
وفي السياق ذاته، انتقد عضو الكونغرس الديمقراطي سيث مولتون الاتفاق المحتمل مع إيران، واصفا إياه بأنه "وثيقة استسلام في جوهرها".
نقلت وكالة فارس الإيرانية عن مصدر مطلع أن قرار طهران النهائي بشأن مذكرة التفاهم قيد المراجعة، مؤكدا استمرار فحص الأبعاد السياسية والقانونية والفنية للمقترحات على مستوى الخبراء وصناع القرار.
ويرى مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير أن التأخر الإيراني لا يرتبط برفض الاتفاق أو التردد في توقيعه، بقدر ما يعكس تعقيدات إجرائية وأمنية تفرضها آليات اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني.
وأوضح أن الوثيقة المطروحة تحتاج إلى المرور عبر مؤسسات القرار العليا، وعلى رأسها المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم ممثلين عن المؤسسة العسكرية والحكومة ومكتب المرشد، قبل استكمال المصادقة النهائية عليها.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الإجرائي، إذ لفت أيضا إلى وجود بعد داخلي لا يقل أهمية، يتمثل في كيفية تهيئة الرأي العام الإيراني لتقبل اتفاق يأتي بعد أسابيع من المواجهة العسكرية والتوتر الإقليمي.
كما يواجه الاتفاق -من حيث المبدأ- اعتراضات من التيار المحافظ، بغض النظر عن بنود الاتفاق أو المكاسب التي يمكن أن يحققها. وفي هذا الصدد، قال الدغير إن هذا التيار اعتاد رفض مسارات التفاوض السابقة مع واشنطن، ويرى أن أي تقارب معها يتعارض مع مرتكزاته السياسية، فضلا عن مطالبته بالحفاظ على مكاسب يعتبر أن إيران حققتها خلال المواجهة الأخيرة.
تعيش الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل حالة غير مسبوقة من القلق والتحذيرات، وسط مؤشرات على محاولات اللحظة الأخيرة التي يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأركان حكومته لإفشال هذا المسار الدبلوماسي أو خلط الأوراق عبر التصعيد الميداني في لبنان.
وصرح رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك للإذاعة الإسرائيلية الرسمية بأن نتنياهو قد يلجأ إلى قصف النبطية و الضاحية الجنوبية بشكل مكثف من أجل جر إيران إلى مواجهة جديدة مستمرة، بهدف إلغاء أو تأجيل الانتخابات المقبلة.
وبالفعل، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الساعات الماضية غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفت محيط الغبيري، وذلك عقب دعوات إسرائيلية إلى هدم مبان في الضاحية ردا على هجمات حزب الله التي استهدفت صباحا شمال إسرائيل.
من جانبها، نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين كبار تأكيدهم أن الاتفاق يهدد مصالح إسرائيل الأمنية الجوهرية، مشيرين إلى أن الجانب الأمريكي قبل بشروط الإيرانيين الرئيسية، دون معالجة جميع الأهداف التي حددتها إسرائيل بشكل مباشر في الاتفاق.
كذلك، نقلت صحيفة هآرتس عن مسؤول إسرائيلي تأكيده أن "إسرائيل كان لها تأثير محدود في عملية صنع القرار التي أوصلت المفاوضات إلى مرحلتها الحالية"، في حين حذر مسؤولون آخرون من أن "فترة الـ60 يوما المخصصة للتفاوض قد تصب في مصلحة طهران، مما يسمح لها بالانخراط في مناورات دبلوماسية خلال الفترة الانتقالية".
ذكرت وكالة تسنيم أن وفدا قطريا أجرى مباحثات مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى في طهران صباح اليوم، ضمن جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة .
على الجانب الباكستاني، قال شريف -أمس السبت- إنه يتوقع إبرام الصفقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الـ24 ساعة القادمة، على أن يتم التوقيع عليها إلكترونيا، ومن ثم الانتقال إلى محادثات على المستوى الفني الأسبوع المقبل.
وشكر شريف -في منشور على منصة إكس- الولايات المتحدة وإيران على التزامهما خلال المحادثات، كما شكر دول المنطقة على دعمها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة