آخر الأخبار

انتخابات البيرو.. "بلدان في دولة" تنتظر رئيسا جديدا

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بمجرد نظرة على خريطة النتائج بعد فرز 98.2% من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في البيرو، ينكشف بوضوح حجم الهوة في بلد يبدو مقسما إلى مجموعتين مختلفتين من المواطنين، تتشاركان العَلم نفسه، لكنهما تصوتان بشكل مختلف وتنظران إلى بلدهما على نحو متناقض تماما.

تعكس الخريطة الانتخابية للبيرو انقساما عميقا، حيث تظهر تعادلا "تقنيا" بين المرشحين لرئاسة البلاد، رغم تقدم في الأصوات لصالح المرشحة اليمينية كيكو فوجيموري مقابل اليساري روبيرتو سانشيز. وأبرزت هذه الانتخابات خطوطا جغرافية وتاريخية يبدو أنها تعيد إنتاج التفاوتات الموروثة.

مصدر الصورة الانتخابات الرئاسية في البيرو فارق ضئيل يحسم السباق (الجزيرة)

تفاوتات موروثة

تفصل كيلومترات شاسعة، بل وعوالم كاملة، بين المدن الكبرى في البيرو، وفي مقدمتها العاصمة ليما، والمناطق الريفية المتمركزة في الجنوب والمرتفعات الواقعة داخل البلاد.

ولإدراك حجم الفوارق بين هذين العالمين، تكفي الأرقام: ففي حي سان إيزيدرو، أغنى أحياء ليما، فازت مرشحة اليمين كيكو فوجيموري بنحو 85% من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات.

بينما حصد المرشح اليساري روبيرتو سانشيز أكثر من 86% من الأصوات في منطقة بونو الواقعة في أقصى جنوب البلاد على الحدود مع بوليفيا، حيث غالبية السكان من أصول كيتشوا وأيمارا، مع حضور قوي للثقافات الأصلية. وتُعد بونو من أفقر مناطق البيرو، إن لم تكن الأفقر على الإطلاق.

فما جذور هذا الانقسام؟ وهل يمكن لبلد منقسم بهذا الشكل أن يبني توافقا وطنيا بعد حملة انتخابية اتسمت باستقطاب حاد؟ علما أن مثل هذا التوافق يبدو ضروريا لتحقيق الاستقرار السياسي الذي يحتاج إليه البلد.

مصدر الصورة المرشحة كيكو فوجيموري عن "حزب القوة الشعبية" تلوّح بعد إغلاق مراكز الاقتراع الأحد الماضي (أسوشييتد برس)

هيمنة مجموعات النفوذ

الانقسام البيروفي ليس انقساما بسيطا بين المدن والريف، بل في جوهره انقسام بين ليما والساحل من جهة، ومناطق الأنديز من جهة أخرى.

إعلان

فالعاصمة، التي يعيش فيها نحو ثلث السكان، تتمتع بثقل اقتصادي وسياسي كبير، بينما تشعر مناطق واسعة في المرتفعات الشمالية والجنوبية بأنها مهمشة ومستبعدة من مراكز القرار.

ويعكس هذا الواقع توازنا هشا بين ثلاث كتل رئيسية: ليما، والساحل الشمالي، والمرتفعات الجنوبية التي تُعد من أكثر مناطق البلاد فقرا وتهميشا.

وبحسب الأكاديمي المتخصص في علم النفس الاجتماعي، هرنان شابارو، الأستاذ في الجامعة البابوية الكاثوليكية في البيرو، فإن جذور هذا الانقسام وتفسيره الحالي يعودان إلى هيمنة مجموعات النفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي، الرسمية منها وغير الرسمية، على مؤسسات الدولة وتسخيرها لخدمة مصالحها الخاصة.

ونتيجة لذلك، تعاني مناطق واسعة خارج العاصمة ليما من ضعف الخدمات العامة، سواء في مجالات الصحة أو التعليم أو الأمن أو العدالة، ما يدفع كثيرا من المواطنين إلى العيش على هامش الدولة.

ويضيف شابارو للجزيرة نت أن الناخبين في هذه المناطق يبحثون عند كل استحقاق انتخابي عن مرشح يجسد مطلبهم الأساسي المتمثل في الاندماج والاعتراف بهم داخل الدولة. غير أن قوى النفوذ التقليدية غالبا ما تنظر إلى هذه المطالب بوصفها تهديدا لمصالحها.

ولكنه يرى أيضا أن الإقصاء في البيرو لا يقتصر على الخدمات العامة أو الاقتصاد الرسمي، بل يمتد أيضا إلى وجود "تمييز عرقي عميق"، مضيفا أن "نصف السكان يصوتون ضد هذا الواقع".

جراح التاريخ

من جهته، يؤكد الباحث سيزار مارتينيلي، في حديث للجزيرة نت، أن البيرو تحمل، شأنها شأن سائر بلدان أمريكا اللاتينية، إرثا استعماريا ثقيلا. ويقول: "صحيح أن تصوير البلاد على أنها "بيروان"؛ إحداهما نتاج الغزو والاستعمار الأوروبي، والأخرى تمثل امتدادا للثقافات الأصلية، هو تبسيط للواقع، لكنه ينطوي على قدر من الحقيقة".

ويرى الباحث أن "جراح التاريخ" تطفو على السطح خلال فترات التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. فعلى الرغم من أن "المعجزة البيروفية" أي فترة النمو الاقتصادي التي عرفتها البيرو خلال العقود الأولى من هذا القرن ساهمت في خفض الفقر، إلا أن ثمار النمو ذهبت أساسا إلى القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الحديث في المناطق الساحلية، بينما استفاد منها بدرجة أقل بكثير سكان المناطق الريفية والنائية، بما فيها المناطق الغنية بالموارد المعدنية.

وهذا "النمو غير المتكافئ"، يضيف المحلل، ولّد شعورا بالاستياء تجاه ما يُعرف بـ"النموذج الاقتصادي"، معتبرا أن نسبة الفقر تفسر إلى حد كبير التصويت لصالح المرشح اليساري سانشيز، إلى جانب العامل اللغوي المرتبط بحضور الثقافات الأصلية في المجتمع البيروفي.

ويبرز هذا البعد أيضا في صورة المرشحين، إذ يتقن سانشيز لغة الكيتشوا، إحدى أبرز لغات السكان الأصليين في البلاد، بينما لا تتحدث منافسته فوجيموري سوى الإسبانية والإنجليزية.

أي بيرو يريدها المرشحان؟

لم يقدم أي من المرشحين في خطاباتهما ومشاريعهما السياسية خلال هذه الفترة الانتخابية مقترحات من شأنها تقليص الشرخ بين البيروفيين.

بل إن كلا منهما يخاطب بدرجات متفاوتة إحدى الرؤيتين المتنافستين لمستقبل البلاد: رؤية تدافع عن النموذج الاقتصادي القائم وتَعد بتعزيز الأمن، وأخرى ترى أن جذور الأزمة تكمن في التهميش التاريخي وتدعو إلى دور أكبر للدولة وإعادة النظر في قواعد اللعبة السياسية.

إعلان

وتتبنى المرشحة اليمينية كايكو فوجيموري الإرث السياسي لوالدها، الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، المعروف بأسلوب حكمه الاستبدادي، والذي حُكم عليه بالسجن 25 عاما بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وقضايا فساد، قبل أن يُمنح عفوا لأسباب صحية في السنوات الأخيرة من حياته، ويتوفى عام 2024.

وهذه هي المرة الرابعة التي تبلغ فيها المرشحة اليمينية الجولة الثانية من الانتخابات، حاملة البرنامج السياسي نفسه تقريبا: نهج اقتصادي نيوليبرالي، وسياسات أمنية متشددة لمكافحة الجريمة، بما في ذلك نشر الجيش في الشوارع، إضافة إلى مقترحات مثل إلزام السجناء بالعمل لدفع تكلفة إعالتهم.

أما منافسها ممثل اليسار روبيرتو سانشيز، فيجسد المشروع المعاكس تماما، إذ يسعى إلى إحياء البرنامج السياسي للرئيس السابق بيدرو كاستيو، المعلم والنقابي الريفي الذي وصل إلى الرئاسة في عام 2021 واعدا بتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية في بلد لا يزال بحاجة إليها.

ولم يتمكن كاستيو من تنفيذ معظم وعوده، إذ أُوقف وسُجن في عام 2022 بعد محاولته حل الكونغرس. ويتهم مؤيدوه اليمين، الذي يهيمن على البرلمان، بعرقلة سياساته ومنعه من تنفيذ برنامجه السياسي.

ويدعو روبيرتو سانشيز إلى دور أكبر للدولة في الاقتصاد وفي قطاعي الصحة والتعليم، وإلى إصلاحات داخل أجهزة الأمن لتمكينها من مكافحة الجريمة بصورة أكثر فاعلية، كما يقترح إعادة تفعيل آلية الاستفتاء الشعبي للدعوة إلى انتخاب جمعية تأسيسية تتولى صياغة دستور جديد، فضلا عن السعي للإفراج عن بيدرو كاستيو.

لماذا يصعب الحكم في البيرو؟

أحد الأسئلة المطروحة اليوم هو ما إذا كان الفائز منهما سيتمكن من إكمال ولايته. فقد عرفت البيرو تسعة رؤساء خلال عقد واحد، ولم يُكمل أي منهم ولايته. ويعود هذا الوضع، بحسب عدد من الباحثين، إلى أزمة أعمق تعيشها الحياة الحزبية منذ عقود.

ففي ثمانينيات القرن الماضي، انهار نظام الأحزاب الذي كان قائما آنذاك، والذي كان يتوزع بين قوى اليسار والوسط واليمين. وكانت تلك أحزابا تتمتع بهياكل تنظيمية وقواعد حزبية منظمة نسبيا.

لكن بعد الولاية الأولى لآلان غارسيا، المنتمي إلى يسار الوسط، والتي انتهت بمعدل تضخم بلغ 7000% في عامها الأخير، ومع تآكل أحزاب اليمين وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة اليسارية مثل "الدرب المضيء" و"الحركة الثورية توباك أمارو"، في وقت عجزت فيه قوى اليسار الديمقراطي عن التمايز بوضوح عنها، برزت موجة قوية من العداء للأحزاب السياسية.

مصدر الصورة المرشح روبرتو سانشيز (الثاني من اليسار) مع أفراد عائلته خلال فعالية انتخابية بالعاصمة ليما (الأوروبية)

بين السجن والقضاء

وفي هذا السياق، ظهر ألبرتو فوجيموري في عام 1990. فقد نجح في تحقيق الاستقرار الاقتصادي عبر إصلاحات ليبرالية، لكنه حكم البلاد بأسلوب سلطوي، واتسمت إدارته للدولة بالفساد والمحسوبية.

وبعد انتهاء عقده في السلطة، دخلت البيرو فيما وُصف بمرحلة انتقال ديمقراطي، غير أن جميع الأحزاب التي برزت خلال تلك المرحلة أخفقت في ترسيخ نفسها. ومنذ عام 2001، انتهى الأمر بمعظم الرؤساء إلى السجن أو المثول أمام القضاء.

وإلى جانب ذلك، لم يتمكن أي حزب حاكم منذ عام 2001 من الحصول على أغلبية برلمانية مطلقة، بل اكتفى بأكبر كتلة أقلية، معتمدا على تحالفات تزداد هشاشة بمرور الوقت.

وأدى ضعف النظام الحزبي إلى ظهور عدد كبير من التشكيلات السياسية التي لا وجود فعليا لها إلا على الورق، وتحولت إلى قنوات تخترقها مجموعات اقتصادية غير مشروعة أو أفراد يسعون إلى توظيف السلطة لتحقيق مصالحهم الخاصة.

ويعتبر الأستاذ الجامعي شابارو في تحليله للجزيرة نت أن الكونغرس (البرلمان) بين عامي 2021 و2026 كان تجسيدا لهذا الواقع، إذ هيمنت عليه كتل سياسية سعت إلى السيطرة على مؤسسات الدولة لخدمة مصالحها.

إعلان

ويختم قائلا "نأمل أن تتمكن القوى السياسية من استعادة قوتها وإعادة بناء نفسها، لكن لا أحد يعلم إن كان ذلك سيحدث".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا