آخر الأخبار

"لا تحرجوا كينيدي" .. هل تكون مخرجا لمضيق هرمز؟

شارك

منذ أشهر، تتوالى الأخبار عن تفاهمات واتفاقات ومفاوضات تمتد من غزة إلى طهران، فيما تبقى التفاصيل الحاسمة بعيدة عن التداول العام. يقرأ الناس بيانات مقتضبة، ويتابعون تصريحات متباينة، ويشاهدون وفودا تدخل قاعات التفاوض وتغادرها، ثم يكتشفون أن ما قيل لا يجيب عن الأسئلة الأساسية: ما الذي اتفق عليه فعلا؟ وما الذي تأجل؟ وما الذي بقي موضع خلاف؟ ولماذا أصبحت الاتفاقات الكبرى أقل وضوحا كلما ازدادت أهميتها؟

السؤال هنا لا يتعلق بالمحتوى فقط، وإنما بالطريقة التي تدار بها السياسة اليوم. فمن المفترض أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت إخفاء المعلومات أكثر صعوبة، وأن كثافة التغطيات الإعلامية وسرعة انتقال الأخبار قلصتا مساحة الأسرار. ومع ذلك يبدو أن الملفات الأشد حساسية تسير في اتجاه معاكس؛ فكلما اقتربت المفاوضات من قضايا تمس الأمن الإقليمي، أو النفوذ الدولي أو موازين القوة، تقل المعلومات المتاحة وتزداد المسافة بين ما يجري فعلا وما يصل إلى الجمهور.

ويمكن العثور على أمثلة تاريخية تؤكد أن ما يعلن في الأزمات الدولية ليس بالضرورة كل ما جرى خلف الكواليس. وأبرز مثال على ذلك أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عام 1962، حين بدا للرأي العام أن الأزمة انتهت بتراجع موسكو عن نشر الصواريخ في كوبا، لكن ما تكشف لاحقا أظهر أن الاتفاق تضمن تفاهمات لم تكن معلنة آنذاك، من بينها سحب الولايات المتحدة صواريخها من تركيا بصورة غير معلنة؛ لتجنب إحراج الرئيس الأمريكي آنذاك جون كينيدي.

كما ظهرت لاحقا تفاصيل أخرى لم تكن معروفة حتى لبعض دوائر صنع القرار داخل الاتحاد السوفياتي. هذه السابقة التاريخية تذكّر بأن الاتفاقات الكبرى كثيرا ما تحتوي على طبقات غير مرئية لا تظهر إلا بعد سنوات.

ومن هذا المنطلق، قد يكون هناك اليوم أيضا ما يدور خلف الكواليس ولم يكشف عنه بعد. فالإجراءات الإسرائيلية الحالية، وما يقال عن نتائج الحرب أو مآلاتها، لا نعرف على وجه الدقة ما هي النقاط الحقيقية التي جرى التوافق عليها، وهل تتضمن أي مساس بالحقوق الفلسطينية أم لا، أو ما إذا كانت هناك تفاهمات غير معلنة مع حركة حماس، أو مع أطراف إقليمية ودولية أخرى. فالأطراف المتحاربة تعلن عادة شروطها ومطالبها وكأنها إملاءات نهائية، بينما تبقى المفاوضات الحقيقية وما يدور في الخلفية بعيدا عن الأضواء.

إعلان

ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ملف غزة. فالحرب التي دارت أمام أنظار العالم لم تكن معركة عسكرية فقط، وإنما كانت أيضا ساحة تفاوض مفتوحة تتداخل فيها حسابات متعددة؛ هناك الجانب المتعلق بإسرائيل، وهناك حسابات الفصائل الفلسطينية، وأدوار الوسطاء الإقليميين، والمصالح الأمريكية، والاعتبارات الداخلية الخاصة بكل طرف. وعندما تجتمع هذه الطبقات فوق بعضها تصبح صياغة أي اتفاق عملية معقدة إلى درجة تجعل الإعلان الكامل عنه أمرا غير مرغوب فيه لدى الجميع تقريبا.

والأمر نفسه يكاد يتكرر في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمتابع يلاحظ وجود حركة سياسية مستمرة، وتصريحات تشير إلى تقدم هنا أو تعثر هناك، وتسريبات تتحدث عن مقترحات جديدة، فيما تبقى الصورة النهائية بعيدة عن الوضوح. ويبدو أن الغموض في هذه الحالة ليس نتيجة فشل في التواصل مع الرأي العام، وإنما أداة تفاوض بحد ذاتها؛ لأن كل طرف يحتاج إلى مساحة تسمح له بالمناورة، ويحتاج أيضا إلى حماية مساره التفاوضي من الضغوط الداخلية والخارجية التي قد تعرقل الوصول إلى تفاهمات معينة.

حين تتسع مساحة ما لا يقال، فهذا يعني غالبا أن الأطراف المتفاوضة ما زالت تتحرك داخل منطقة غير مستقرة، وأن التفاهمات المطروحة لم تصل بعد إلى درجة تسمح بتحويلها إلى التزامات معلنة ونهائية

وفي هذا السياق يبرز ملف مضيق هرمز بوصفه أحد الملفات التي قد تتأثر بنتائج التفاهمات الجارية في المنطقة. فهذا الملف لم يكن مغلقا أصلا قبل الحرب، ومن المرجح أن وضعه بعد الحرب لن يكون كما كان قبلها. وقد تكررت تصريحات إيرانية تتحدث عن إمكان فرض رسوم على المرور في المضيق أو تنظيم إدارته بصورة مختلفة، سواء تحت مبررات قانونية، أو سيادية، أو أمنية، أو بيئية.

لكن عند مراجعة قواعد القانون الدولي البحري والاتفاقيات المنظمة للمضائق الدولية، لا نجد ما يشير إلى حق الدول المشاطئة في فرض رسوم على حق المرور العابر في المضائق الدولية المفتوحة للملاحة العالمية. كما أن الشواهد العملية تؤكد أن هذا النوع من المضائق لا يخضع عادة لرسوم عبور تفرضها الدول الواقعة على ضفتيه. ومن هنا يبرز التساؤل: هل تستند هذه الأطروحات إلى قراءة إيرانية خاصة للنصوص القانونية، أم إن هناك تفسيرات أخرى يمكن أن تتبناها المنظمات الدولية مستقبلا؟

كما أن مواقف مجلس الأمن والأعراف المستقرة في النظام الدولي أكدت مرارا أهمية ضمان حرية الملاحة البحرية وعدم تعطيلها، وهو ما يجعل أي قيود أو رسوم محتملة على المرور في مضيق هرمز موضع نقاش قانوني وسياسي واسع النطاق.

وإذا تأملنا المشهد الأوسع فسنجد أن المنطقة تعيش مرحلة تختلف عن المراحل السابقة. فخلال عقود طويلة كانت التحالفات أكثر صلابة، وكانت خطوط الخصومة أكثر وضوحا، وكانت الدول تعلن مواقفها بصورة مباشرة نسبيا. أما اليوم فقد أصبحت المصالح أكثر تشابكا، وأصبحت العلاقة الواحدة تحتمل التعاون والتنافس في الوقت نفسه. قد تختلف دولتان في ملف، وتتفاهمان في ملف آخر، وقد تتبادل أطراف متعددة رسائل التصعيد العلنية، بينما تستمر بينها قنوات اتصال لا تنقطع.

إعلان

هذه الطبيعة المركبة للعلاقات السياسية تجعل الاتفاقات النهائية أقل حضورا من الترتيبات المؤقتة. فبدلا من المعاهدات الكبرى التي تغلق الملفات لسنوات طويلة، نشهد سلسلة من التفاهمات المرحلية التي تبقي الأبواب مفتوحة أمام التعديل والتغيير. ولهذا السبب تبدو البيانات الرسمية أحيانا متجنبة للحسم، وتأتي صياغاتها قابلة لأكثر من تفسير.

لذلك قد يكون من الأدق النظر إلى الغموض الحالي باعتباره مؤشرا سياسيا قائما بذاته، لا مجرد نقص في المعلومات. فحين تتسع مساحة ما لا يقال، فهذا يعني غالبا أن الأطراف المتفاوضة ما زالت تتحرك داخل منطقة غير مستقرة، وأن التفاهمات المطروحة لم تصل بعد إلى درجة تسمح بتحويلها إلى التزامات معلنة ونهائية.

ولهذا تبدو الاتفاقات الأخيرة، سواء في غزة أو في الملفات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة، أقرب إلى مسارات مفتوحة منها إلى صفقات مكتملة. وما يصل إلى الرأي العام ليس سوى الجزء الذي اتفقت الأطراف المختلفة على إظهاره في هذه المرحلة، أما بقية التفاصيل فستظهر تدريجيا عبر القرارات اللاحقة، وعبر الوقائع التي ستتشكل على الأرض، وعبر التغيرات التي ستطرأ على مواقف القوى المعنية. وعندها فقط يمكن قراءة ما جرى قراءة كاملة؛ لأن السياسة كثيرا ما تكشف أسرارها متأخرة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا