آخر الأخبار

لماذا باتت أميركا منشغلة بكبح إسرائيل بدلًا من مواجهة إيران؟

شارك
إيران بين ضغوط واشنطن ورهانات تل أبيب

في خضم مشهد إقليمي بالغ التعقيد، يبدو أن واشنطن باتت تمسك بخيوط اللعبة من زاوية مغايرة لما اعتاد عليه المراقبون: فبدلا من أن تكون المهمة الأميركية الأولى ردع طهران، تحولت الأولوية نحو كبح تل أبيب وإبقائها ضمن سقف محدود من العمليات العسكرية.

هذه القراءة الجريئة تشكل جوهر تحليل الباحث في مركز الدراسات الدولية بسام بربندي، الذي رصد في حديثه لـ"التاسعة" على سكاي نيوز عربية تحولات عميقة في بنية التوازنات الإقليمية، وكشف عن خلافات حقيقية تتجاوز التصريحات الدبلوماسية.

الأولوية الأميركية.. اتفاق مع إيران لا تدميرها

يحدد بربندي بوضوح لافت مسار السياسة الأميركية الراهنة، إذ يرى أن الأولوية المطلقة لدى واشنطن تتمثل في إبرام اتفاق مع إيران يحقق الشروط الأميركية.

غير أن واشنطن تدرك أن بلوغ هذا الهدف يظل مشروطا بضمانتين لا غنى عنهما: ضمان أمن دول الخليج، وضمان أمن إسرائيل. ويشدد على أن هذين الملفين، وإن بدوا متمايزين، يظلان مترابطين بشكل وثيق في صميم الحسابات الأميركية.

ولفهم المشهد بصورة أعمق، يستعيد الباحث الثوابت الأميركية غير القابلة للتفاوض، مؤكدا أن المبادئ التي تحرك السياسة الأميركية لم تتغير منذ بداية الأزمة، وهي تشمل: منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وتجميد برنامجها في مجال المواد المخصبة والصواريخ الباليستية، فضلا عن وضع حد لدعمها للجماعات المصنفة إرهابية.

ويتوقف بربندي عند تكتيك إيراني لافت، يقضي بمحاولة طهران تصوير نفسها شريكا مفضلا لدى إدارة ترامب، في مقابل تصوير إسرائيل باعتبارها العائق أمام أي تسوية.

ويلفت إلى أن الإعلام الإيراني يروج بشكل ممنهج لوجود خلاف أميركي إسرائيلي، مؤكدا أن إسرائيل هي من يعرقل الوصول إلى أي اتفاق.

بيد أن الباحث يسقط هذه الرواية من جذورها، مستندا إلى واقع تاريخي راسخ يتمثل في عمق العلاقة الأميركية الإسرائيلية وتجانس رؤية الطرفين في تعريف العدو المشترك المتمثل في إيران.

ويضيف أن الأثقال الاقتصادية والعقوبات المفروضة والأموال الإيرانية المجمدة تجعل موازين الوقت لغير صالح طهران، لا العكس.

ويقر بربندي بوجود خلاف فعلي بين واشنطن وتل أبيب، لكنه يحرص على رسم حدوده الدقيقة.

فعلى الصعيد التكتيكي، لا يرى خلافا يذكر بين الطرفين؛ إذ يتشاركان الأهداف الآنية ذاتها. أما الخلاف الحقيقي فيكمن في تعريف "نهاية اللعبة": الولايات المتحدة تسعى إلى إخضاع إيران وإضعافها وتغيير سلوكها، وإدراجها ضمن حدودها الطبيعية عبر منظومة من الاتفاقيات، بحيث تصبح خطراً محدودا لا مصدرا لعدم الاستقرار الإقليمي أو الدولي.

في المقابل، ترى إسرائيل منذ بداية الحرب أن هذه لحظة تاريخية فريدة لتغيير النظام الإيراني جذريا، على مستوى بنيته ومؤسساته ومنهجيته.

ويوضح أن واشنطن تفرق بين دعمها لتحجيم إيران وعدم اكتراثها بما يجري في داخلها، معتبرة أن تغيير النظام شأن داخلي إيراني بامتياز.

أزمة الثقة الإقليمية.. لا أحد يضمن المئة بالمئة

في قراءة شاملة لمئة يوم من المواجهة المتصاعدة، يشخص بربندي أزمة ثقة متعددة الأطراف تعصف بالمنطقة. فالإيراني، يقول، لا يلتزم بتصريحاته، سواء بسبب ثقله العقائدي أو بفعل تشعب مراكز القوى وتناحرها في الداخل.

والإسرائيلي يسير وفق أجندة تختلف كليا عن أجندة الإدارة الأميركية. أما الأميركي فتتحكم في قراره أولويات متحولة وضغوط داخلية متجددة.

وخلص إلى أنه في ظل هذا التشابك، لا تستطيع أي دولة في المنطقة أن توثق ثقتها المطلقة بأيٍ من هذه الأطراف الثلاثة، في ظل تباين الأهداف وتضارب المصالح.

ويتناول بربندي بالتفصيل طبيعة المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، مسلطاً الضوء على التباين الجوهري بين نهج أوباما ونهج ترامب.

ففي عهد أوباما، منحت إيران معظم ما طالبت به قبل التوقيع على الاتفاق. أما ترامب فيرفض هذا المسار رفضا قاطعا، مؤكدا أن إيران مطالبة بإثبات جديتها أولا من خلال اتخاذ خطوات ملموسة تسبق أي تخفيف للعقوبات أو منح مزايا.

ويقيم بربندي دور المفاوض الباكستاني بوصفه وسيطا لنقل الرسائل لا طرفا في صياغة التفاوض، منبها إلى أن الرسائل الإعلامية الصادرة عن الوسطاء لا تعكس دائما الواقع الميداني، وقد تسهم في إيجاد انطباعات مضللة، مستدلا بأيام سابقة أشيع فيها أن الاتفاق في مراحله الأخيرة، لتندلع بعدها مواجهات واسعة.

ويختم بربندي تحليله بوقفة نقدية صريحة، يتبنى فيها توصيف ترامب للصراعات الإقليمية بـ"الجهل والغباء"، موسعا نطاقه ليشمل الحروب التاريخية التي شهدتها المنطقة، من غزو الكويت إلى الدخول السوري إلى لبنان، مرورا باحتلال إسرائيل لجنوب لبنان والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.

ويرى أن كل هذه النزاعات اتسمت بشعور النشوة بالقوة وفائض القدرة، وأدت في نهاية المطاف إلى تبديد مليارات الدولارات كان يمكن توظيفها في إعادة إعمار المنطقة بأسرها.

ويلفت إلى أن توصيف ترامب يصح على الجانبين الإيراني والإسرائيلي على حد سواء، مع إشارة بالغة الدلالة إلى أن الأميركيين أنفسهم يفتقرون إلى الرؤية البعيدة، إذ يعملون ضمن أُفق زمني انتخابي لا يتجاوز سنة أو سنتين، ما يجعلهم عرضة للانزلاق إلى حروب لا يعرفون كيف يخرجون منها.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا