آخر الأخبار

من رصيف إيطالي لزنازين الاحتلال.. سيف أبو كشك يروي للجزيرة نت أسرار أسطول الصمود

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على رصيف ميناء إيطالي قبل أكثر من عام، وقف رجلان يودعان سفينة واحدة اسمها " مادلين" لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وهما يتبادلان كلمات حلم بعيد: ماذا لو تحول هذا القارب الرمزي اليتيم إلى عشرات القوارب؟ وماذا لو ركب الناس أمواج المتوسط حاملين قضية غزة بدل أن يظلوا على شواطئه يتفرجون؟

وبعد أشهر قليلة فقط، تحول ذلك الحلم العابر إلى أكبر تحرك بحري شعبي لكسر الحصار عن غزة؛ وهو تحرك شارك فيه آلاف النشطاء لكنه انتهى في لحظته الأخيرة بأكثر من 180 ناشطا مقيدين وممددين على وجوههم على متن قارب حربي إسرائيلي في عرض البحر، وأبواب زنازين يفتحها جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي ( الشاباك) عقابا لرجلين حلما في إيطاليا: المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي الناشط الإسباني من أصل فلسطيني سيف أبو كشك والناشط البرازيلي تياغو أفيلا.

وفي حوار مطول وعميق استمر نحو ساعة ونصف الساعة، روى أبو كشك للجزيرة نت المسيرة الكاملة لأسطول الصمود العالمي من الفكرة والنشأة، وجهود الإبحار والتمويل، وما حققه من تعاطف دولي، كما يوثق بالأسماء والأرقام والتواريخ لحظات الاعتقال العنيفة التي قامت بها بحرية الاحتلال الإسرائيلي قبالة السواحل اليونانية، وأساليب التعذيب والتحقيق النفسي والجسدي في زنازين "الشاباك"، وشرح كيف تحولت هذه "المعركة" من مجرد محاولة لإيصال مساعدات، إلى جبهة عالمية لتفكيك منظومة الحصار وإعادة الاعتبار لقضية الأسرى الفلسطينيين.

"إن الهدف الأسمى لم يكن يوما مجرد تسيير سفن تحمل الدقيق والدواء، بل كان وما زال إعلان بطلان الحصار الإسرائيلي على غزة المفروض منذ عام 2007 كليا ومباشرة، وتحويل مياه المتوسط المنهوبة إلى مساحة مواجهة شعبية دولية تفرض على الاحتلال الانكفاء، وتثبت لأهلنا في القطاع أن جدران عزلهم قد هُدمت في نفوس أحرار العالم قبل أن تُهدم على أرض الواقع"، حسب ما قاله سيف أبو كشك للجزيرة نت.

مصدر الصورة أعضاء باللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي في جلسة نقاشية استعدادا لانطلاق إحدى الرحلات (الجزيرة)

الجذور والامتداد الشعبي

وبدأت أساطيل كسر الحصار عن غزة منذ عام 2008 عبر محاولات رمزية بسفينة أو سفينتين، كان أبرزها السفينة " مافي مرمرة" عام 2010، التي تعرضت أثناء إبحارها في المياه الدولية قبالة سواحل فلسطين المحتلة للاعتداء من قبل قوات البحرية الإسرائيلية التي قتلت 10 مواطنين أتراك وأصابت 56 آخرين، وتعرض باقي النشطاء للحبس والتعذيب والاستجواب ومصادرة السفينة والممتلكات الخاصة.

إعلان

لكن العامين الماضيين شهدا تحولا كبيرا تمثل في تحويل الفكرة الرمزية إلى حراك شعبي عارم يتحدى الاحتلال مباشرة في عرض البحر، حيث تبلورت الفكرة -كما يقول أبو كشك في يونيو/حزيران 2025 عبر 3 حراكات متوازية في العمل لكنها مستقلة تنظيميا ومتحدة في الخطاب الإعلامي لكسر الحصار:


* من البحر: سفينة "مادلين" بقيادة تياغو أفيلا ورفاقه عبر البحر المتوسط وكان إبحارها من إيطاليا.
* من البر: "قافلة الصمود" المنطلقة من دول شمال أفريقيا.
* من الجو: "المسيرة العالمية إلى غزة"، التي ضمت نحو 4 آلاف ناشط من 82 دولة توجهوا جوا إلى القاهرة تمهيدا للوصول سيرا نحو معبر رفح.

وتعرضت هذه الحراكات جميعا للاعتراض؛ فالاحتلال الإسرائيلي اعترض سفينة "مادلين"، والقافلة البرية أوقفتها القوات الموجودة شرقي ليبيا (وما زال 10 أعضاء من قافلة هذا العام قيد الاعتقال هناك حتى اليوم، وتجري مساع دبلوماسية وقانونية لإطلاق سراحهم، كما يقول المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي). وفي القاهرة، تعرض النشطاء للتحقيق والترحيل الفوري ومنعوا من الوصول إلى المعبر.

وبعد هذه التجربة والاضطهاد الذي تعرضت له الحراكات الثلاثة، اجتمعنا وقررنا دمج هذه الهياكل المستقلة وتجسيد فكرة التحالف في مساحة تنظيمية واحدة، لنخرج جميعا إلى البحر تحت اسم "أسطول الصمود العالمي الأول" ككتلة بشرية أممية لا يمكن كسرها، والذي انطلق رسميا من برشلونة في 31 أغسطس/آب 2025″، كما يقول أبو كشك.

ولإدارة هذا الحراك الأممي، تم اختيار لجنة تيسير عالمية لإدارة الأسطول، تشكلت من 4 تكتلات رئيسية ممثلة بـ5 أشخاص من كل تحالف يقودون الحراك:


* الحراك العالمي لغزة (المسيرة العالمية سابقا).
* قافلة الصمود (شمال أفريقيا).
* صمود نوسانتارا (التحالف الآسيوي الذي يضم ماليزيا، إندونيسيا، سنغافورة، المالديف وغيرها).
* نشطاء سفينة مادلين مصدر الصورة قافلة الصمود انطلقت من دول شمال أفريقيا برا عام 2025 في محاولة للوصول إلى معبر رفح (التواصل الإجتماعي)

التمويل وتجهيز عشرات السفن

وفي ما يتعلق بطرق التمويل وكيفية تجهيز عشرات السفن للإبحار نحو غزة، قال أبو كشك إن الاستجابة الشعبية العالمية لتمويل الأسطول وتجهيزه كانت غير مسبوقة، حيث فتحت آفاق العمل عبر منصات التبرع الرقمية، وتلقى الأسطول دعما شعبيا كاملا، كما هو منشور على صفحة الأسطول على الإنترنت، وتمثل في:


* تبرع أكثر من 89 ألف شخص بشكل مباشر عبر الإنترنت لشراء السفن والمواد التموينية.
* تواجد وتضامن شعبي يتبنى الفكرة في أكثر من 55 دولة حول العالم.
* تسجيل أكثر من 100 ألف مشارك طلباتهم للاستعداد للإبحار مع الأسطول.

وأشار الناشط الفلسطيني إلى ما واجهه أسطول الصمود العالمي عام 2026 من مخاطر مقارنة بما كانت عليه الحال في عام 2025، مبينا النقاط التالية:


* غياب الزخم الإعلامي، حيث انطلق أسطول عام 2025 والعدوان الإسرائيلي على غزة في قمته وكان التعاطف الشعبي والزخم الإعلامي مستمرين، بينما جاء أسطول 2026 في ظل حالة من الصمت الإعلامي والسياسي المطبق بعد مرور أشهر على وقف إطلاق النار، فكان التحدي هو كسر حاجز الصمت، و"نجحنا في رفع نسبة الحديث عن حصار غزة في وسائل الإعلام الرسمية بنسبة 20%".
* المخاطر الأمنية والعسكرية، إذ أُعلن عن الأسطول الحالي في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مما رفع منسوب المخاطر العسكرية في عرض البحر بشكل غير مسبوق.
* الإنهاك الشعبي، فقد شهد الحراك الجماهيري هبوطا حادا؛ فالمظاهرات التي كانت تخرج بـ 70 و80 ألفا باتت تخرج بألفين فقط بسبب الإنهاك على مدار 3 سنوات من العمل الشعبي، "لذا اعتمدنا في 2026 على "النشطاء الواعين" والمؤمنين بالفكرة والمستعدين لمواجهة المخاطر".
إعلان

ولضمان التعامل المسؤول مع هذه التحديات، يقول أبو كشك إن اللجنة التوجيهية في أسطول الصمود العالمي وضعت إستراتيجية عمل واضحة:


* خلية خبراء أمنيين: تشكيل مجموعة مختصة لتحليل القضايا الأمنية في حوض البحر الأبيض المتوسط وتقديم تقرير دوري عن التغيرات السياسية والعسكرية.
* الجمعيات العمومية في كل محطة: وضع مسار متنقل للأسطول عبر محطات (برشلونة، وإيطاليا، وتركيا)، وفي كل محطة تعقد جمعية عمومية تُعرض فيها تقارير المخاطر بكل شفافية على المشاركين، ويُترك لهم خيار الاستمرار أو التراجع الفردي بحرية وأمان كاملين.
* المهام الحياتية اليومية: تقسيم المهام بدقة داخل القوارب (مثل: الطبخ، والتنظيف، والحراسة والمراقبة الليلية لرصد طائرات الاحتلال المسيرة)، والتدريب اليومي على إجراءات الطوارئ وكيفية التصرف إذا وقع اعتداء عسكري. مصدر الصورة البحرية الإسرائيلية اعترضت أسطول الصمود العالمي على بعد 700 ميل بحري من فلسطين قبالة اليونان

القرصنة الإسرائيلية في المياه الدولية

في 29 أبريل/نيسان 2026، وبينما كان أسطول الصمود، الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني في 12 من الشهر نفسه، يشق طريقه في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية -على بعد مسافة هائلة تصل إلى 700 ميل بحري عن فلسطين المحتلة- بدأت فصول من القرصنة الإسرائيلية.

وحسب شهادة سيف أبو كشك للجزيرة نت، فقد اقتحم جنود الاحتلال قوارب الأسطول بعنف، وطلبوا من الجميع التوجه إلى المقدمة، وبدؤوا بالنداء عليهم واحدا تلو الآخر. ويقول سيف عن تلك التفاصيل: "عندما أتى دوري، خلعوا بزتي بعنف، وأفرغوا جيوبي، وأبقوا فقط على جواز السفر، ثم قيدوا يديّ إلى الخلف بإحكام، وأجبرونا جميعا على الجثو على الركب في وضعية قاسية ومذلة".

وسار القارب العسكري بسرعة جنونية في عرض البحر، وفجأة اقتربوا من سفينة حربية ضخمة تنبعث منها كشافات ضوئية حادة، ومع غروب شمس ذلك اليوم بدأ نقل الناشطين عبر قوارب مطاطية إلى هذه السفينة، وفور دخولهم عُصبت أعينهم بالكامل. وهناك، دُفع بالجميع الذين وصل عددهم النهائي إلى 181 معتقلا دوليا- إلى داخل حاويات شحن حديدية ضخمة حُولت إلى زنازين عائمة تحت جنح الظلام.

ويقول أبو كشك "استمر نقل الزملاء إلى الحاويات حتى الفجر، حيث تم صفّهم لإجراءات العد، وخلال ذلك اعتدى الجنود على بعض الناشطين لاعتراضهم على سوء المعاملة.

وفي ظهر اليوم التالي، أُمر الجميع بالدخول إلى الحاويات مجددا، ونادى الجنود على اسم سيف وحده.

"وفور خروجي، تعرضت لاعتداء جسدي شديد ومبرح من الجنود، وقيدوا يديّ إلى الخلف بشكل مؤلم للغاية حتى شعرت باختناق وصعوبة بالغة في التنفس. وبعد إصراري الشديد على إعلامهم بحالتي الصحية، نقلوني إلى طبيب القارب وأنا مغمى العينين، وفحصوا نسبة الأكسجين وأعطوني جرعة صغيرة منه لفترة قصيرة، ثم ألقوا بي مباشرة في زنزانة العزل الانفرادي لأقضي فيها ليلة أخرى تحت وطأة البرد والظلام".

وفي اليوم التالي، أُجبر سيف على الوقوف في مواجهة الحائط فترات طويلة، ثم نُقل إلى قارب مطاطي آخر وسط ضغوط نفسية وبدنية شديدة، وصولا إلى سفينة عسكرية ثانية. وهناك، جُرد من ملابسه بالكامل، وصُوِّر بجواز سفره، ثم فُتِش بدقة وأُعيد ربطه وعصْب عينيه بشدة، وأُرغم على الجلوس على الأرض في وضعية قاسية مسببة لآلام المفاصل.

وفي تلك الأثناء، عندما طلب الذهاب إلى الحمام، استطاع من تحت العصابة رؤية زميله البرازيلي تياغو أفيلا ممددا على الأرض في مكان آخر بالسفينة نفسها وفي الوضعية المأساوية نفسها، وكانت تلك المرة الأولى التي رأى فيها زميله تياغو بعد الاعتقال، ولم ير أحدا غيره.

مصدر الصورة سيف أبو كشك انتقل 3 مرات إلى المحكمة العسكرية خلال فترة اعتقاله في إسرائيل (رويترز)

في زنازين "الشاباك"

وعندما حل صباح اليوم الثالث، رست السفينة العسكرية في ميناء عسقلان (أشكلون) في فلسطين المحتلة، حيث أُنزل سيف مقيدا بالأصفاد الحديدية في اليدين والقدمين معا، وهو معصوب العينين، وأبلغته شرطية إسرائيلية على الفور بالتهم المنسوبة إليه ومنها "دعم جهة معادية وتهم إرهاب أخرى"، ونُقل مباشرة إلى مركز اعتقال تابع للشاباك.

إعلان

ويتذكر أبو كشك أنه عند تسجيل الأمانات، استولى المحققون على خاتم زواجه الذي كان مع جواز السفر ولم يعيدوه له أبدا. وعقب وصوله أجبروه على ارتداء ملابس السجن، ونُقل مباشرة مقيدا للتحقيق الفوري، من دون السماح له برؤية أي محام أو قنصل بلاده.

ويتذكر المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي إستراتيجية الاحتلال في الضغط عليه عبر سيكولوجية الجوع، مستغلين حالة الإضراب عن الطعام التي بدأها منذ اعتقاله في عرض البحر.

ويقول سيف "كانوا يضعون الإفطار في الزنزانة وعندما أعود من التحقيق أجد الإفطار قد دُمج مع الغداء والعشاء متراكمة معا في الغرفة الضيقة الباردة التي لا تنطفئ أضواؤها الساطعة وضوضاؤها أبدا. وكانوا يلقون عليّ محاضرات في الأخلاق والدين لإجباري على الأكل، بهدف كسر إضرابي، لكنني واصلت الإضراب عن الطعام والماء كخط دفاعي الأخير لأؤكد لهم: نحن لسنا إرهابيين، نحن أحرار جئنا لكسر حصار غزة غير القانوني".

ويروي سيف أن جولات التحقيق كانت تستمر أحيانا 18 ساعة متواصلة في اليوم، ويبقى فيها مقيدا بالحديد إلى كرسي بلاستيكي صغير وثابت. وتركز التحقيق بالكامل حول محاولة تجريم الأسطول وصمه بالإرهاب والدعم من حركة المقاومة الإسلامية ( حماس). وكانت إجابات سيف حاسمة وثابتة: "إن الحراك شعبي، ومستقل، وتمويله منشور بشفافية للعلن على الإنترنت".

وعندما عجز الشاباك عن إيجاد أي مستمسك قانوني، تحول أسلوبه إلى التهديدات الشخصية والعائلية؛ حيث صرخ في وجهه المحققون قائلين: "لن ترى أمك مرة أخرى، وسنظل نلاحقك أنت وأطفالك وزوجتك، وستبقى لدينا سنوات طويلة جدا".

مصدر الصورة التحقيقات مع سيف أبو كشك كانت تستمر 18 ساعة يوميا وهو مضرب عن الطعام (رويترز)

مسرحية القضاء العسكري

نُقل سيف خلال فترة اعتقاله 3 مرات إلى المحكمة العسكرية، ومرة رابعة إلى مركز الهجرة قبل الترحيل. كانت رحلة النقل عبر سيارة السجن (البوسطة) رحلة تعذيب بذاتها؛ حيث تُشد القيود الحديدية المزدوجة على المعاصم والكاحلين إلى أقصى درجة، ويُقتاد بعنف وسرعة وهو معصوب العينين وسط الإهانات اللفظية وتعامل يحط من كرامته الإنسانية.

وفي المحكمة "الصورية"، مدد القاضي العسكري الاعتقال في المرة الأولى يومين، وفي الثانية 6 أيام، وفي الثالثة رُفض الاعتراض المقدم على التمديد.

ويوثق سيف هزلية هذه الجلسات بقوله: "طوال هذه المرات الثلاث، لم يوجه لي القاضي أي سؤال، وكان الاحتلال يكتفي بتقديم ادعاءات تحت بند (الملف السري) ويطلب استمرار الاعتقال. ولم تمتلك محاميتي أي صلاحية للاطلاع على هذه الملفات، واقتصر دورها على طمأنتني على أهلي، وهو نفسه ما حدث مع القنصل الإسباني الذي زارني وأبلغني بالضغوط الدبلوماسية التي تمارسها مدريد من دون جدوى أمام تذرع الاحتلال بالدواعي الأمنية".

رحلة الترحيل.. البحث عن طريق

وفي يوم الجمعة، وخلال جولة التحقيق الأخيرة، أعاد المحقق سؤالا نفسيا معتادا: "كم يوما ترغب في أن تبقى هنا؟ فأجابه سيف كالمعتاد أيضا: "أعلم أين أنا، وأعلم أنه لا يوجد نظام قانوني عادل لديكم وأنكم تملكون سلطة إبقائي، لكن مواقفي وإفادتي لن تتغير". عندها أخبره المحقق أن قرار الترحيل قد صدر فعليا لعدم وجود أدلة.

وقبل الترحيل، اجتمع سيف وتياغو في زنزانة واحدة؛ وكانت تلك المرة الأولى التي يراه فيها من دون قيود أو عصابات على الأعين، وجلسا يتساءلان عما إذا كان الترحيل حقيقة أم مناورة نفسية أخرى، خاصة أن سيف كان قد صعّد إضرابه إلى "إضراب جاف" (الامتناع عن الماء) لمدة 5 أيام متواصلة احتجاجا على القرصنة والحصار، وكان يُقاد إلى الطبيب للكشف وهو مقيد ومعصوب العينين.

حاول الاحتلال في البداية ترحيل سيف إلى مصر عبر مطار القاهرة برفقة تياغو، لكن السلطات المصرية رفضت استقبال سيف بناء على قرار ترحيله الصادر في العام السابق. وبسبب إغلاق الجسور مع الأردن نتيجة الأحداث الأمنية، حجز الاحتلال له طائرة متجهة إلى مدريد عبر المرور بمطار أثينا، رغم أنه يقطن في برشلونة، ولم يكن معه في ذلك الوقت هاتف أو أموال. فطلب من القنصل الإسباني إبلاغ زوجته بمواعيد السفر لترتيب عودته إلى بيته داخل إسبانيا.

وعند وصوله إلى محطة الترانزيت في مطار أثينا باليونان، كان السفير والقنصل الإسبانيان بانتظاره ومنحاه هاتفا للاطمئنان على عائلته. وفور خروجه للتنقل بين مباني المطار، تفاجأ بحشود من زملائه في الأسطول بانتظاره في الصالة. ومن هناك، سجل مقطع الفيديو الشهير والمؤثر الذي تناقلته وسائل الإعلام العالمية، موجها فيه بوصلة الحديث مباشرة نحو قضية الأسرى واستمرار العمل لكسر حصار غزة.

سيف أبو كشك (يسار) مع عدد من أعضاء اللجنة التوجيهية بأسطول الصمود في أغسطس/آب 2025 بإسبانيا (رويترز)

العودة إلى الأمواج

وصل سيف إلى برشلونة ظهر الأحد؛ وكان شعوره مزيجا من مرارة الذكرى وسعادة النجاة، "رؤية عائلتي كانت مؤثرة، خاصة أن توقعاتنا كانت تشير إلى أن عنجهية الاحتلال ستطيل أمد اعتقالنا، وشعرت بسعادة الخروج، لكن الغصة والتحسر بقيا في قلبي على آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يسمع المعتقلون في زنازين المخابرات صرخات تعذيبهم واستغاثاتهم يوميا، والذين لا يحملون جنسيات أجنبية تضغط على الاحتلال لإطلاق سراحهم. لذلك، أخبرت عائلتي فور وصولي أنني لن أستكين. وفي مساء الاثنين كنت على متن الطائرة المتجهة إلى تركيا للالتحاق برفاقي ومتابعة التحضيرات للموجة القادمة."

إعلان

وحول حادثة الاعتداء بالضرب التي تعرض لها الناشطون الإسبان في مدينة بلباو بإقليم الباسك عقب عودتهم بعد اعتراض سفن المرحلة الثانية في قبرص، أوضح سيف للجزيرة نت أن "هذا العمل القمعي قامت به الشرطة الإقليمية في الباسك، ونحن نعلم أن بعض أجهزتها الأمنية تتلقى تدريبات مباشرة من قبل الاحتلال. ولقد قدم المسؤول عن الأمن الداخلي في الإقليم اعتذارا رسميا، ورُفعت شكاوى قانونية لمحاسبة المتورطين؛ فهذه التصرفات تخالف الموقف السياسي للدولة ولا تمثل بأي حال من الأحوال الحالة الجماهيرية والشعبية العارمة المؤيدة لكسر الحصار عن غزة في إسبانيا".

هل نجح أسطول الصمود؟

ورغم الحصار العسكري والقرصنة، يرفض سيف أبو كشك اعتبار الجولة الماضية من أسطول الصمود العالمي فاشلة، ويجمل ما تم تحقيقه في نقاط مفصلية:


* كسر جدار الصمت الدولي وإعادة تسليط الضوء على جريمة الحصار المفروض على قطاع غزة.
* تفعيل تحالفات شعبية أممية عارمة وخروج مظاهرات ضاغطة في مختلف العواصم والبلدان.
* فتح مساحات ملاحقة قانونية ضد قادة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية والمحاكم الجنائية.
* إدراج إسرائيل على قائمة الأمم المتحدة السوداء للدول المتهمة بارتكاب اعتداءات جنسية في مناطق النزاع.
* الوصول الفعلي؛ حيث جرفت الأمواج أجزاء من القوارب التي أتلفتها البحرية الإسرائيلية وكانت محملة باللوائح الشمسية والمساعدات لتصل إلى شواطئ غزة والإسكندرية ولبنان وتركيا وكريت.

وفي سؤال عما ينقص أسطول الصمود لينجح في الوصول الفعلي إلى شواطئ غزة؟ أجاب سيف بعمق وتأمل: "المسألة لا تتعلق بنقص لوجستي في معدات الأسطول، بل في تواطؤ المجتمع الدولي وسياساته".

وأضاف أبو كشك أن الحصار المفروض على غزة هو حصار عالمي تشترك فيه أطراف عدة؛ فعندما تمنع ليبيا للعام الثاني وصول النشطاء، وعندما يتقدم الاحتلال 700 ميل بحري ليعترضنا في عمق أوروبا، يصبح لزاما علينا طرح السؤال الحقيقي: أين يبدأ الحصار على غزة؟"

ويجيب: "إنه يبدأ من قلب الكونغرس الأمريكي ومن برلمان الاتحاد الأوروبي المتواطئ في حرب الإبادة والتجويع. ودورنا هو الاستمرار في التصعيد الجماهيري والضغط السياسي حتى نصل إلى فرض عقوبات دولية حقيقية تنهي هذا الظلم".

التحالفات الأربعة المشكلة للأسطول تخطط لإنشاء كيان موحد تحت عنوان "حركة الصمود العالمي" (رويترز)

قرار إستراتيجي

وأعلن سيف أبو كشك في نهاية حديثه المطول للجزيرة نت عن اتخاذ قرار إستراتيجي بتحويل التحالفات الأربعة المشكلة للأسطول إلى حراك شعبي دائم وموحد تحت اسم "حركة الصمود العالمي"، ليكون تكتلا أمميا منظما ومستداما لمناهضة الاضطهاد، متعهدا بعدم التوقف عن العمل بكل الأشكال الممكنة حتى يكسر حصار غزة وتتحرر فلسطين بالكامل.

وأنهى سيف حواره الوجداني، بتوجيه رسالة محملة بالثبات، صاغها من أحرار العالم إلى أصحاب الأرض المحاصرين في قطاع غزة:

"رسالتنا لأهلنا الأبطال في غزة وفلسطين: لن تكونوا وحدكم أبدا في هذه المواجهة، ومهما تعرضنا لاعتداءات ومطاردات ومحاولات ترهيب من هذا الاحتلال، فلن نتراجع خطوة واحدة إلى الوراء. هذه قضية كرامتنا الإنسانية المشتركة وسنكون معها حتى الرمق الأخير، وأننا مستمرون حتى نلتقي فوق شواطئ غزة الحرة".

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل إيران لبنان أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا