في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
صور- في الأزقة الضيقة "لحارة المسيحيين" في الجزء الشمالي الغربي من مدينة صور، تبدو الحياة وكأنها تحاول أن تستعيد إيقاعها المعتاد. أبواب المنازل الحجرية القديمة ما تزال مفتوحة على خفر، فيما يجلس بعض الأهالي أمام بيوتهم يتبادلون حديثا يوميا عابرا.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، يظل أثر التحذير الإسرائيلي الأخير حاضرا في تفاصيل المكان ووجوه سكانه وذاكرتهم القريبة.
فالحي الذي يعد أحد أقدم أحياء صور وأكثرها خصوصية، عاد فجأة إلى واجهة المشهد، بعد تحذير إسرائيلي تحدث عن وجود عناصر ل حزب الله داخله، ما أثار حالة من القلق بين السكان، ودفع الجيش اللبناني إلى اتخاذ إجراءات أمنية واحترازية في المنطقة.
ورغم مرور أيام على ذلك التحذير، لا تزال المواطنة اللبنانية زكية تستعيد تلك اللحظات بشيء من الارتباك، تقف أمام منزلها الذي رفضت مغادرته طوال الأشهر الماضية، وتقول للجزيرة نت: "كنا خائفين عند الإنذار الإسرائيلي طبعا، الخوف شعور طبيعي عند الجميع، لكننا فضلنا البقاء في بيتنا".
وأضافت أن أبناء جنوب لبنان باتوا يعيشون على وقع مفاجآت متتالية، ولا يمكن التنبؤ بما قد تحمله الساعات المقبلة. وأكدت "الخوف موجود حتى اليوم وكل فترة يتجدد، لا أعتقد أن هناك أحدا في صور أو في الجنوب لا يشعر به، لكننا نحاول أن نصمد ونواصل حياتنا".
لكن الأشهر الماضية حملت معها الكثير من القلق لسكان الحي، كما حملت إليهم عشرات النازحين الذين لجؤوا إلى صور هربا من القصف الذي طال قرى وبلدات الجنوب.
في أحد أزقة حارة المسيحيين، يستعيد كميل دورو تلك المرحلة، وقال للجزيرة نت إن الحارة لطالما شكلت نموذجا للتعايش بين مختلف مكوناتها الاجتماعية والدينية، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب منذ عقود طويلة. وأكد "الحياة هنا قائمة على الألفة والتعاون بين الجميع، الحرب فرضت ظروفا صعبة على الناس لكن العلاقات بين أبناء الحي بقيت قوية".
ومع موجات النزوح المتتالية، ارتفع عدد السكان بشكل ملحوظ، ما فرض ضغوطا معيشية ونفسية على الجميع، وأوضح دورو "الناس يعيشون تحت ضغط كبير لذلك كانت تحصل بعض المشكلات أحيانا، لكنها كانت تُحل بسرعة، ويعود الجميع إلى الجلوس والتعايش بشكل طبيعي".
واستعاد مشهدا من الساعات التي أعقبت أحد الإنذارات السابقة حين سيطر الخوف على سكان الحي والنازحين المقيمين فيه، وقال "في ذلك الوقت غادر نحو نصف سكان الحارة وكثير من النازحين، حتى بدا المكان شبه خال من الناس".
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا نسبيا، فقد عاد كثيرون إلى منازلهم، وعادت الحركة إلى الشوارع والمحال الصغيرة، فيما يحاول السكان استعادة إيقاع حياتهم اليومية، رغم استمرار القلق الذي يخيم على أبناء الجنوب.
وتحمل حارة المسيحيين أهمية خاصة في النسيج التاريخي والاجتماعي لصور، فهي تقع في قلب المدينة القديمة، وتشكل جزءا من ذاكرتها الجماعية، تلك المدينة الساحلية التي تعاقبت عليها حضارات عديدة عبر القرون.
وتتميز الحارة بمنازلها الحجرية القديمة وكنائسها وأزقتها التي ما زالت تحتفظ بطابعها التراثي، كما أنها ظلت على مدى سنوات طويلة مساحة للعيش المشترك بين أبناء الطوائف المختلفة.
اليوم، وبينما تستمر التوترات الأمنية في الجنوب اللبناني، يجد سكانها أنفسهم أمام معادلة الخوف من المجهول من جهة، والتشبث بالمكان من جهة أخرى.
في نهاية أحد الأزقة، مرت امرأة تحمل أكياس الخبز عائدة إلى منزلها، فيما يلعب أطفال قرب مدخل بيت قديم. تبدو المشاهد عادية في ظاهرها لكنها بالنسبة للسكان تحمل معنى مختلفا؛ فكل تفصيل يومي بات شكلا من أشكال المقاومة الهادئة للخوف.
ورغم التحذيرات والقلق الذي يرافقهم، يتمسكون بحياتهم كما عرفوها دائما، مؤمنين بأن هذه الأزقة التي شهدت عقودا من التعايش والصمود قادرة على أن تحافظ على نبضها حتى في أكثر اللحظات قسوة.
من جانبها، تؤكد بلدية صور أن ما شهده الحي في الأيام الماضية لم يغير من طبيعته كجزء من النسيج التاريخي للمدينة التي لطالما جمعت أبناءها على اختلاف انتماءاتهم.
وقال رئيس لجنة العلاقات العامة في البلدية وليد الطويل للجزيرة نت إن المدينة لم تعرف يوما التمييز بين مسلم ومسيحي، موضحا أن تسمية الحي تعود فقط إلى كون غالبية سكانه من المسيحيين. وأضاف أن الحارة تضم عددا من الفنادق وبيوت الضيافة، وتقع ضمن نسيج صور السياحي، ما جعل أي حديث عنها يحظى باهتمام واسع لدى الأهالي والزوار.
وأشار الطويل إلى أن التحذير الإسرائيلي الأخير، الذي دعا إلى إخلاء أي وجود غير مدني أو مسلح داخل المنطقة، أثار حالة من القلق، إلا أن البلدية تابعت الأمر ميدانيا. وأكد "بناء على طلبنا، نفذ الجيش اللبناني جولات تفتيش في الأحياء السكنية، وتبيّن أن الموجودين هم عائلات مدنية من نساء ورجال وأطفال من دون رصد أي وجود مسلح أو أشخاص مطلوبين كما أُشيع".
وعزز الجيش -وفقا له- إجراءاته الاحترازية، فأقام نقاط مراقبة عند مداخل الحي، كما شملت عمليات التدقيق الفنادق وبيوت الضيافة، من دون تسجيل أي عناصر غريبة أو مطلوبين.
ويرى الطويل أن الضجة التي أُثيرت حول الحي كانت أكبر من حجم الوقائع على الأرض، مشيرا إلى أن جزءا من المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تضخيم المشهد، رغم عدم ثبوتها ميدانيا. وأكد أن الحارة استعادت هدوءها تدريجيا، لافتا إلى أن عددا من الأهالي غادروا في الساعات الأولى بعد التحذير، قبل أن يعودوا تباعا في اليوم التالي.
وشدد على أن عودة السكان مستمرة بشكل طبيعي، وأن التردد الذي يظهر لدى البعض يرتبط بظروف التنقل أكثر مما يرتبط بالمخاوف داخل الحي، مضيفا "هذه هي صور التي نعرفها دائما.. مدينة العيش المشترك التي تجمع أبناءها رغم كل الظروف".
وتلتقي رواية البلدية مع ما يقوله سكان الحي أنفسهم، من أن الخوف كان حاضرا في اللحظات الأولى، لكنه لم ينجح في دفعهم إلى الرحيل. ومع انحسار التوتر، عادت الحياة تدريجيا إلى الأزقة القديمة، وعادت معها صورة حي اعتاد أن يواجه القلق بالصمود اليومي الهادئ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة