آخر الأخبار

"شربنا مياهاً فيها ديدان".. شهادات لنازحين سودانيين خلال رحلة الفرار إلى الدمازين

شارك

وسط أبنائها الستة، تجلس آمنة حسين داخل خيمتها المكتظة. تحاول الأم بصوت واهن أن تزرع طمأنينة زائفة في نفوس أطفالها، مدعية أنها أقوى من الإرهاق الذي ينهش جسدها المنهك بسبب الحمل، لكن نظراتها المجهدة تفضحها.

تروي آمنة كيف تحولت مدينتها "داندرو" إلى كابوس مرعب عقب هجمات عنيفة بالطائرات المسيرة "عاش أطفالي لحظات لن تفارق مخيلتهم؛ شاهدوا ألسنة النيران وهي تلتهم المنازل، والدخان يغطي السماء، وسط انفجارات دفعت الجميع للهروب في كل اتجاه".

لم يكن أمام آمنة من مفر سوى السير على الأقدام ليومين كاملين في الخلاء باتجاه الدمازين. تستعيد تلك اللحظات المريرة بقصة تختصر المأساة: "مشينا يومين كاملين؛ أنا حامل وأطفالي صغار، بعضهم كان يسقط أرضا من شدة التعب والجوع، ثم ينهض مجددا لمواصلة السير".

حتى بعد الوصول، لم تنته فصول المعاناة؛ فالخيمة التي تقيم فيها بالكاد تقي حر النهار أو برد الليل، والوجبات شحيحة، والمساعدات محدودة، وسط مخاوف تلاحقها بشكل دائم، على جنينها الذي يهدده سوء التغذية الحاد.

على بعد خيام قليلة، تبدو قصة مشاعر أحمد النازحة من مدينة "الكرمك"، أكثر قتامة. ليلة اقتحام مسلحي المدينة تركت في ذاكرتها جرحا لا يندمل؛ حيث قتل زوجها أمام أعين أطفالها الثمانية، واختطف ابنها الأكبر.

رحلة فرار مشاعر قادتها إلى الجبال، حيث احتمت العائلة لثلاث ليال داخل "الكراكر" (الكهوف الصخرية)، بلا طعام أو دواء. تقول مشاعر بحسرة "كنا نشرب موية فيها دود وريحتها متغيرة من الحفر الصخرية، ما كان عندنا خيار".

تلك الأيام القاسية أصابت الأطفال بالحمى والإعياء، لكن الآثار النفسية كانت أشد عمقا. فاليوم، يستيقظ أطفالها الثمانية ذعرا مع أي صوت مرتفع، وكأن الحرب انتقلت معهم إلى داخل المخيم، وفقد الكثير منهم القدرة على اللعب أو التركيز كبقية أقرانهم.

إعلان

هذه القصص ليست مجرد حالات فردية، بل هي الواقع اليومي لآلاف الأسر في معسكرات النزوح بالنيل الأزرق، وتبدو مظاهر الأزمة الإنسانية في مخيمات الدمازين من خلال سوء التغذية الحاد الذي يهدد النساء الحوامل والأجنة، ومن خلال البيئة المعيشية حيث الخيام المكتظة والتي لا توفر الحد الأدنى للحماية من الطقس، إضافة إلى ذلك، الشح الشديد في الغذاء والدواء والمساعدات الأساسية.

من جانبها، حذرت الدكتورة هيام عبد الغني الأخصائية النفسية في مخيم محافظة باو للنازحين، من التداعيات النفسية الخطيرة المستمرة على الأطفال والنساء، وكشفت عن ظاهرة مقلقة داخل المخيمات قائلة: "إن كثيرا من الأطفال باتوا يعبرون عن صدماتهم من خلال الرسم؛ وبدلا من رسم مظاهر الطفولة الطبيعية، تشاهد في كراساتهم طائرات وأسلحة ومشاهد قتال ودماء".

وتشير هيام إلى أن الأطفال يعانون من عزلة واضطرابات نوم حادة، بينما تواجه الحوامل ضغوطا مضاعفة جراء فقدان الأمان، مؤكدة أن استمرار غياب التدخل النفسي والإنساني العاجل ينذر بنشوء جيل كامل مثقل بالتشوهات النفسية والسلوكية لسنوات طويلة قادمة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا