في خطوة تعكس تصاعد الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب الدائرة مع إيران، أقرّ مجلس النواب الأميركي، الأربعاء، قراراً يطالب بسحب القوات الأميركية من العمليات العسكرية ضد طهران ، موجهاً بذلك ضربة سياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام أميركية، فإن القرار حظي بتأييد 215 نائباً مقابل معارضة 208، بعدما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين، وهم توماس ماسي عن ولاية كنتاكي، وبرايان فيتزباتريك عن بنسلفانيا، ووارن ديفيدسون عن أوهايو، وتوم باريت عن ميشيغان.
ورغم أن القرار لا يُتوقع أن يتحول إلى قانون نافذ، فإنه يمثل أول إجراء يقرّه مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية بهدف تقييد قدرة ترامب على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثلاثة أشهر، كما يعكس تنامي المعارضة للحرب داخل أروقة الكونغرس حتى بين بعض أعضاء الحزب الجمهوري.
ويُعد القرار الذي تقدم به النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، أحدث محاولة من الكونغرس للحد من صلاحيات الرئيس المتعلقة بإدارة النزاعات العسكرية دون تفويض تشريعي.
وينص القرار على إلزام الرئيس بسحب القوات المسلحة الأميركية من العمليات العسكرية ضد إيران ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً رسمياً باستخدام القوة العسكرية أو يعلن الحرب بصورة قانونية، كما يشير إلى أن استمرار العمليات العسكرية لأكثر من 90 يوماً يتطلب موافقة الكونغرس، وهو السقف الزمني الذي تجاوزته الحرب المستمرة منذ أواخر فبراير/شباط.
وجاء التصويت بعد نحو أسبوعين من إلغاء قيادة الجمهوريين في مجلس النواب جلسة تصويت كانت مقررة سابقاً، بعدما تبيّن لها عدم امتلاك الأصوات الكافية لإسقاط القرار، وكانت هذه المرة الرابعة التي يُطرح فيها تصويت يهدف إلى تقييد سلطة ترامب في مواصلة النزاع مع إيران.
ويحيل التصويت القرار إلى مجلس الشيوخ، حيث سبق لمجموعة من الجمهوريين المنشقين أن انضموا إلى الديمقراطيين الشهر الماضي لتقديم مشروع مشابه يفرض على الرئيس طلب موافقة الكونغرس لمواصلة العمليات العسكرية.
إلا أن فرص القرار في إحداث أثر عملي تبقى محدودة، إذ يتطلب إقراره موافقة مجلس الشيوخ، كما يحتاج إلى أغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ لتجاوز أي فيتو رئاسي محتمل، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال في ظل موازين القوى الحالية.
وسارع البيت الأبيض إلى التقليل من أهمية الخطوة، إذ وصف أحد المسؤولين القرار بأنه "غير دستوري"، مؤكداً أنه حتى في حال موافقة مجلس الشيوخ عليه، وهو أمر اعتبره غير مرجح، فلن تكون له أي قوة تنفيذية أو تأثير عملي.
ونقلت شبكة "إيه بي سي نيوز" عن المسؤول قوله إن ترامب سيواصل استخدام صلاحياته الدستورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة لحماية الأمن القومي الأميركي.
وكان البيت الأبيض قد استبق الجدل الدائر حول استمرار الحرب بالإشارة إلى وجود وقف مؤقت لإطلاق النار منذ الثامن من أبريل/نيسان الماضي، فيما تواصل الإدارة التأكيد على أن الحرب انتهت فعلياً، رغم استمرار تبادل إطلاق النار بين الجانبين وغياب مؤشرات واضحة على تحقيق تقدم ملموس في مفاوضات السلام.
وأثار القرار انقساماً داخل الحزب الجمهوري نفسه، فخلال جلسة استماع في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب يوم الأربعاء، حذّر وزير الخارجية ماركو روبيو من أن إقرار الكونغرس لقرار يقيّد صلاحيات الحرب سيجعل الإيرانيين يعتقدون أن الإدارة ستكون عاجزة عن التحرك، وأضاف أن طهران قد تستنتج: "لن يكون بإمكان الولايات المتحدة اتخاذ أي إجراء ضدنا، فلماذا نوافق على أي اتفاق؟"
بدوره اعتبر رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن التصويت يقوض موقف ترامب وكبار المفاوضين الأميركيين في المحادثات مع إيران، بحسب شبكة "إن بي سي نيوز".
وكان جونسون قد أوقف بصورة مفاجئة أعمال المجلس قبل أسبوعين لمنع إجراء التصويت في ظل مؤشرات على نجاح القرار بدعم عدد من الجمهوريين.
من جهته، وصف رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، النائب الجمهوري برايان ماست، القرار بأنه "تصويت سخيف بكل المقاييس"، معتبراً أن مؤيديه يسعون إلى تسجيل موقف سياسي أكثر من سعيهم إلى إحداث تغيير فعلي في السياسة العسكرية الأميركية.
وقال ماست، وفق ما نقلته وسائل إعلام أميركية، إنه لا يوجد ديمقراطي أو جمهوري قادر على تحديد القوات التي يرغب القرار فعلياً في سحبها من إيران، مضيفاً أن الأمر لا يتجاوز كونه "تصويتاً سياسياً تافهاً".
في المقابل، اعتبر الديمقراطيون أن التصويت يمثل رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي، وقال أعضاء الحزب الديمقراطي في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، في بيان نشر عبر منصة "إكس"، إن التصويت يبعث برسالة واضحة مفادها أن الوقت قد حان لإنهاء "الحرب غير الشرعية وغير الشعبية" التي اختار ترامب خوضها ضد إيران.
وأعرب غريغوري ميكس عن ارتياحه لنتيجة التصويت، مؤكداً أن جميع النواب الديمقراطيين دون استثناء أيدوا القرار، ومشدداً على أن الكونغرس سيواصل أداء دوره الدستوري كسلطة رقابية توازن صلاحيات السلطة التنفيذية عندما يرى أنها تتجاوز حدود الدستور.
ويأتي هذا التصويت في وقت يُظهر فيه عدد متزايد من الجمهوريين استعداداً لتحدي ترامب داخل الكونغرس، في مؤشر على تنامي الخلافات داخل الحزب الحاكم.
فقد شهد مجلس الشيوخ خلال الأيام الأخيرة اعتراضات واسعة على مشروع "صندوق مكافحة التسييس" المدعوم من ترامب والبالغة قيمته 1.8 مليار دولار، وسط مخاوف من إمكانية استخدامه لتعويض حلفاء الرئيس، بمن فيهم بعض المدانين على خلفية أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني 2021.
كما ألغى مجلس الشيوخ، الأربعاء، تمويلاً كان مخصصاً لتأمين قاعة احتفالات مرتبطة بمشروعات البيت الأبيض، بعد أن اعتبر المسؤول المختص بتطبيق القواعد البرلمانية أن التمويل المقترح يخالف قواعد الميزانية المعمول بها.
وتأتي هذه التطورات وسط استمرار تراجع التأييد الشعبي للحرب، وفق استطلاعات الرأي الأميركية، ووسط مخاوف متزايدة لدى الجمهوريين من أن يؤدي الغضب الشعبي الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الحرب إلى الإضرار بحظوظ الحزب في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل.
وكان ترامب قد هاجم سابقاً عدداً من الجمهوريين الذين انتقدوا الحرب، ومن بينهم النائب توماس ماسي، الذي خسر الانتخابات التمهيدية للحزب الشهر الماضي أمام مرشح مدعوم من الرئيس، بعد خلافات حادة بينهما بشأن ملفات عدة، من بينها الضغوط التي مارسها ماسي على وزارة العدل للإفراج عن وثائق مرتبطة بقضية جيفري إبستين.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة