آخر الأخبار

رحلة السلاح المحرم.. كيف بدأت قصة الكيماوي في سوريا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تكن تلك الصور التي خرجت من الغوطة الشرقية بريف دمشق في صيف عام 2013 مجرد مشاهد حرب عابرة، بل تحولت إلى جرح مفتوح في الذاكرة السورية وواحدة من أكثر اللحظات إيلاما في تاريخ البلاد الحديث.

ويسترجع تقرير للجزيرة صورا لضحايا الكيماوي؛ أطفال ممددون بلا حراك، وعائلات بأكملها تبحث عن أنفاسها الأخيرة وسط سحب غامضة من الموت، في مشهد هز ضمير العالم وأعاد طرح سؤال لم يتوقف السوريون عن ترديده منذ ذلك اليوم: كيف وصلت الأسلحة الكيميائية إلى أيدي النظام الذي يفترض أنه يحمي شعبه؟

وبعد نحو 13 عاما على هجوم الغوطة، عاد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة مع إعلان السلطات السورية في 26 مايو/أيار 2026 العثور على بقايا من برنامج الأسلحة الكيميائية الذي كان يديره النظام المخلوع، بما في ذلك مواد أولية وذخائر مرتبطة بإنتاج غاز السارين.

واعتبر المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية محمد كتوب هذا الاكتشاف إنجازا كبيرا للشعب السوري وللعالم، لأنه يمثل -بحسب وصفه- المرة الأولى التي يتم فيها العثور على مثل هذه الذخائر قبل أن تستخدم في جرائم جديدة ضد السوريين.

لكن خلف هذا الإعلان برزت قصة أطول وأكثر تعقيدا، قصة برنامج كيميائي امتد لعقود، بدأ تحت شعارات الردع العسكري وانتهى متهما بقتل آلاف السوريين.

مصدر الصورة ملصق يتضمن صورة لعدد من ضحايا السلاح الكيميائي في مدينة زملكا بالغوطة الشرقية (غيتي)

بدايات البرنامج

وتعود البدايات إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين شرعت دمشق عام 1971 في إنشاء مركز البحوث والدراسات العلمية بإشراف الفيزيائي النووي عبد الله واثق شهيد، مستشار الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد. وفي تلك المرحلة ركزت الدولة على تطوير قدراتها في مجال الحماية من الهجمات الكيميائية بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي.

غير أن التحول الأهم جاء عام 1973، عندما بدأت سوريا عمليا في بناء برنامجها الكيميائي عبر الحصول على معدات ومستلزمات مرتبطة بهذا النوع من الأسلحة من مصر قبيل حرب أكتوبر. وكان الهدف المعلن آنذاك امتلاك وسيلة ردع في مواجهة إسرائيل، إلا أن مسار الأحداث اللاحق حمل مفارقة مأساوية؛ إذ لم تستخدم تلك الأسلحة ضد عدو خارجي كما روج لها، بل وُجهت لاحقا إلى الداخل السوري نفسه.

إعلان

وخلال ثمانينيات القرن الماضي بدأت الشكوك الدولية تتزايد بشأن حجم البرنامج السوري. ففي الوقت الذي قدرت فيه الاستخبارات الأمريكية عام 1983 أن دمشق لا تمتلك القدرة المحلية على إنتاج الأسلحة الكيميائية، كشفت وثائق رُفعت عنها السرية لاحقا أن السلطات السورية كانت تسعى بصورة حثيثة إلى بناء برنامج مكتف ذاتيا.

وفي عام 2014 كشفت الحكومة البريطانية أن سوريا حصلت في منتصف الثمانينيات على مئات الأطنان من مواد كيميائية أولية وتقنيات ساعدتها على تطوير غازات الأعصاب، وفي مقدمتها غاز السارين الذي سيصبح لاحقا الاسم الأكثر ارتباطا بالمجازر الكيميائية في البلاد.

ومع مرور السنوات توسّعت البنية التحتية للبرنامج بشكل متسارع. فبحلول تسعينيات القرن الماضي، تحدث مسؤولون أمريكيون عن تحويل مصانع مخصصة للمواد الزراعية إلى مرافق لإنتاج السارين، فيما أشارت تقديرات أمريكية وإسرائيلية لاحقا إلى وجود منشآت متخصصة في دمشق وحمص وحلب تنتج غازات السارين والخردل وغاز "في إكس"، أحد أخطر عوامل الأعصاب المعروفة.

ورغم القيود الدولية المفروضة على تزويد دمشق بالمواد الكيميائية الحساسة، فإن اتهامات متكررة تحدثت عن لجوء النظام إلى شبكات السوق السوداء للحصول على احتياجاته. ومن بين القضايا التي أثارت اهتماما واسعا آنذاك اتهام الفريق الروسي المتقاعد أناتولي كونتسيفيتش بنقل مئات الكيلوغرامات من المواد الأولية المرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري.

ومع بداية الألفية الجديدة، كانت الترسانة الكيميائية السورية قد تحولت إلى واحدة من أكبر البرامج العسكرية السرية في المنطقة. وفي عام 2009 أكدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن النظام يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات كيميائية باستخدام الطائرات والصواريخ والمدفعية.

أوباما والخط الأحمر

وبعد سنوات قليلة فقط، وتحديدا في يوليو/تموز 2012، خرج أول اعتراف رسمي من دمشق بامتلاك أسلحة كيميائية، حين أكد الناطق باسم وزارة الخارجية آنذاك جهاد مقدسي وجود هذه الترسانة، مشددا على أنها لن تستخدم ضد الشعب السوري وإنما لمواجهة أي عدوان خارجي.

لكن الأحداث التي تلت ذلك الاعتراف سارت في اتجاه مختلف تماما. فبعد أقل من شهر أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما أن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا يمثل "خطا أحمر"، محذرا من أن أي استخدام لها سيغير حسابات واشنطن بشأن التدخل.

ورغم تلك التحذيرات، وثقت منظمات حقوقية ودولية أكثر من 300 هجوم كيميائي داخل سوريا منذ عام 2012. وتحولت صور الضحايا، ولا سيما الأطفال، إلى شواهد دامغة على واحدة من أكثر صفحات الصراع السوري قسوة، حيث لم يعد الموت يأتي من القصف التقليدي وحده، بل من هواء مسموم يتسلل إلى البيوت والملاجئ وغرف النوم.

وبينما كان المجتمع الدولي يعتقد أن ملف السلاح الكيميائي السوري يتجه نحو الإغلاق بعد الاتفاقات الخاصة بتفكيك الترسانة، كشفت تقارير وتحقيقات صحفية لاحقة أن أجزاء من البرنامج ظلت بعيدة عن أعين المفتشين. وأشارت تلك التقارير إلى عمليات إخفاء للأسلحة والمواد المحظورة، فضلا عن استمرار محاولات الحصول سرا على مكونات تدخل في تصنيع عوامل الأعصاب.

إعلان

واليوم، وبعد العثور على بقايا جديدة من هذا البرنامج، لا يرى كثير من السوريين في الأمر مجرد اكتشاف عسكري أو تقني، بل استعادة مؤلمة لذكريات لا تزال حية في وجدانهم. فكل وثيقة تكشف، وكل مستودع يعثر عليه، يعيد إلى الأذهان وجوه الأطفال الذين سقطوا اختناقا في الغوطة وغيرها من المناطق، ويذكر العالم بأن قصة السلاح الكيميائي في سوريا ليست مجرد حكاية عن ترسانة محظورة، بل قصة بشر دفعوا حياتهم ثمنا لواحد من أكثر الأسلحة فتكا في التاريخ الحديث.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا