آخر الأخبار

الأخطاء الخطيرة وأزمة المعارضة التركية

شارك

يواجه حزب الشعب الجمهوري، ثاني أكبر حزب سياسي في تركيا، أزمات خطيرة هذه الأيام. وقد حظي تدخل الشرطة في مقره الرئيسي بتغطية وسائل الإعلام العالمية، وبدت المشاهد لافتة للانتباه للغاية. فقد استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، وتحطمت الأبواب الحديدية والنوافذ، في مشهد يبعث على الإزعاج.

وبالنظر إلى هذا المشهد، وجهت وسائل إعلام غربية عديدة بطبيعة الحال انتقادات للسلطات التركية، مفادها أن السلطة تمارس ضغوطا على حزب المعارضة الرئيسي واقتحمت مقره بالقوة. ولا تزال تتردد مزاعم بأن الحكم في تركيا يتجه نحو السلطوية، وأن الديمقراطية تشهد تراجعا.

ماذا يجري للمعارضة في الحقيقة؟
لا يكاد أحد خارج تركيا يعلم أن السبب الحقيقي وراء ظهور هذا المشهد يعود في الواقع إلى الرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري المعارض وفريقه. كما أن أوساطا معارضة داخل تركيا لا ترغب في قبول هذه الحقيقة.

ففي المؤتمر العام للحزب الذي انعقد عام 2023، خسر رئيس الحزب آنذاك كمال كليجدار أوغلو الانتخابات الداخلية، وانتُخب أوزغور أوزيل رئيسا جديدا للحزب. وقد تقبل الجميع هذه النتيجة وأقروا بقيادة الرئيس الجديد.

بيد أن مجموعة داخل حزب الشعب الجمهوري ادعت لاحقا أن الأصوات في المؤتمر العام سُرقت عبر الرشوة والتهديد والخداع. وقد نقل رئيس بلدية هاتاي الكبرى (المنتمي للحزب) لطفي سافاش هذه الادعاءات إلى القضاء، ومن هنا عرفت تركيا كلها هذا الخلاف الداخلي. وإلا فلم يكن أحد في الغالب على علم بوجود عمليات تلاعب في مؤتمر الحزب.

وطوال المحاكمة التي استمرت ثلاث سنوات، كان فريق رئيس الحزب السابق كمال كليجدار أوغلو هو من قدم جميع الأدلة والوثائق إلى المحكمة. وفي نهاية المطاف، رأت المحكمة أن هذه الادعاءات صحيحة، وقضت ببطلان المؤتمر العام لعام 2023، وأعادت إدارة الحزب إلى كمال كليجدار أوغلو.

إعلان

هذا باختصار هو جوهر الجدل الدائر بأكمله.

رفض الاعتراف بقرار المحكمة وإقامة حواجز في المقر الرئيسي
صرح رئيس الحزب الجديد أوزغور أوزيل بأنهم لن يعترفوا بقرار المحكمة، واعتصموا داخل المقر الرئيسي للحزب، وأقاموا حواجز عند المداخل، ومنعوا دخول أي شخص. ولم يسمحوا حتى لنواب حزبهم أو للمحامين أو لعناصر الأمن بالدخول، وأعلنوا أنهم سيواصلون المقاومة.

ونتيجة لذلك، تقدم كمال كليجدار أوغلو وفريقه بطلب إلى الشرطة لتنفيذ قرار المحكمة. ودخلت الشرطة مقر حزب الشعب الجمهوري بالقوة وأزالت الحواجز، ثم سلمت المقر إلى كمال كليجدار أوغلو- الذي عُين رئيسا للحزب بموجب قرار المحكمة- قبل أن تغادر المكان.

مزاعم تورط المعارضة في جرائم
تجري السلطات القضائية تحقيقات بشأن عدد من البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري على خلفية اتهامات بالفساد والرشوة. وقد اُعتقل وسُجن مئات الأشخاص، من بينهم رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو.

وزعمت المعارضة أن جميع هذه الإجراءات يقف وراءها حزب العدالة والتنمية الحاكم، وأنها تستهدف أحزابها لمنع خسارة السلطة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، رافضة الاتهامات الموجهة إليها.

ورغم التسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو ووثائق الرشوة واعترافات الشهود المقدمة إلى المحكمة، لم تقتنع أوساط المعارضة باتهامات الفساد والرشوة. لكن كمال كليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري أقر خلال تجمع جماهيري بأنه تم ارتكاب جرائم خطيرة داخل حزبه، وقدم اعتذارا إلى الرأي العام.

اعترافات مفاجئة لرئيس الحزب المعارض
نظم كمال كليجدار أوغلو، الذي عاد لرئاسة حزب الشعب الجمهوري بموجب قرار المحكمة، تجمعا جماهيريا أمام المقر الرئيسي للحزب في 30 مايو/أيار الماضي. وخلال الخطاب الذي ألقاه هناك، انتقد بشدة الإدارة السابقة معلنا ارتكابها جرائم، من بينها التعاون مع تنظيم "فيتو" الإرهابي، وتوزيع أموال الرشاوى في المقر الرئيسي، والتعاون مع دول أجنبية، والعبث بمكانة الحزب ووضع تاريخه وقيمه على المحك، والتورط في قضايا فساد.

وفي الواقع، كانت هذه تصريحات تُظهر أن التحقيقات القانونية التي أجرتها السلطة كانت على حق. وبطبيعة الحال أحدثت هذه الكلمات صدى واسعا في تركيا، وبدأ الحديث عن أنها قد تفضي إلى فتح تحقيق آخر؛ لأنها تحمل في جانب منها طابع الإبلاغ عن جريمة.

وعند النظر إلى الأمر، يتضح أن السلطة الحاكمة لم يكن لها أي دخل في مجمل هذه الإجراءات. وقد أوضح وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي في مقابلة خاصة مع الجزيرة أن الوزارة ومؤسسات الدولة ليس لها أي علاقة بهذا المسار، وتناقلت جميع وسائل الإعلام التركية هذا التصريح.

أليس للسلطة الحاكمة أي خطأ؟

تُظهر جميع الدراسات المتعلقة بالثقة بالقضاء في تركيا أن ثقة المواطنين به منخفضة. ولهذا السبب فإنه حتى القرار الصحيح الذي يصدره القضاء يصبح محل جدل. ويتعين على السلطة الحاكمة أن تبذل جهدا جادا لتغيير هذا الوضع. فلو كان مؤشر الثقة بالقضاء مرتفعا، لما أصبح القرار الصادر بحق حزب الشعب الجمهوري مثيرا لكل هذا الجدل.

إعلان

وكان من الممكن تأجيل طلب حزب الشعب الجمهوري من الشرطة تنفيذ قرار المحكمة، وربما كان بالإمكان حل المسألة من خلال التفاوض دون ظهور تلك المشاهد السيئة.

وقد سألت وزير الداخلية عن ذلك، فقال: "لقد انتظرنا فترة طويلة وأردنا أن تُحل المشكلة فيما بينهم. لكننا رأينا أنهم ليس لديهم نية لذلك، ولهذا كان لا بد من تنفيذ قرار المحكمة من قبل الشرطة " .غير أن المشهد الذي تشكل في النهاية لم يكن جيدا كثيرا بالنسبة إلى صورة الديمقراطية في تركيا.

وفي المحصلة، ليس من الصواب الحديث عن معارضة جرى جعلها غير قادرة على ممارسة السياسة من قبل السلطة الحاكمة. فمشكلات المعارضة الداخلية أكثر من مشاكلها مع السلطة الحاكمة. وإذا رفعت السلطة الحاكمة مؤشر الثقة بالقضاء، فقد نرى أن هذه النقاشات ستنتهي من تلقاء نفسها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا