رفض عدد من أنصار رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الحديث إلى “الحرة” في تقرير يشمل ممثلين عن أحزاب كردية وعربية وبلوشية، يصفها الملكيون بأنها “انفصالية”.
يلخص هذا واحدة من أكبر مشكلات المعارضة الإيرانية، وهي أن القوى التي تريد إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية لا تتفق على شكل إيران ما بعد سقوط النظام.
بالنسبة إلى الملكيين، يبقى رضا بهلوي الاسم الأبرز لمرحلة انتقالية تعيد إيران إلى حكم علماني مركزي. وبالنسبة إلى أحزاب كردية وعربية أحوازية وبلوشية وآذرية، لا يكفي إسقاط رجال الدين إذا بقيت إدارة الدولة مركزية، وبالمنطق القومي ذاته الذي همّش تلك المجتمعات لعقود.
هذا الخلاف ترك طهران أمام خصوم كثيرين، لكن من دون جبهة واحدة تستطيع التحدث باسمهم جميعا. وهذا أحد أسباب عجز الاحتجاجات المتكررة، والضغوط الأميركية والإسرائيلية المتواصلة، عن إنتاج بديل سياسي واضح للنظام الحاكم.
في يناير الماضي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الوقت حان “للبحث عن قيادة جديدة في إيران”. لكن المقابلات التي أجرتها “الحرة” مع معارضين وناشطين من قوميات مختلفة تظهر أن هذه القيادة لم تتشكل بعد.
خلال العقد الماضي، خرج الإيرانيون مرارا إلى الشوارع. واندلعت في عام 2022 احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” بعد وفاة الشابة الكردية مينا أميني، المعروفة أيضا باسم مهسا أميني، عقب توقيفها لدى شرطة الآداب بسبب الحجاب. وفي نهاية العام الماضي، عادت الاحتجاجات في مدن عدة بسبب الضرائب وتدهور المعيشة، واستمرت حتى فبراير الماضي.
لكن تلك الموجات بقيت بلا قيادة واحدة. في الداخل، تحرك المحتجون عبر شبكات محلية صغيرة. وفي الخارج، بقيت الأحزاب المعارضة موزعة بين الملكيين واليسار والقوميين ومجاهدي خلق وقوى غير فارسية تحمل مطالبها الخاصة.
كمال، وهو ناشط من طهران شارك في احتجاجات يناير، قال لـ”الحرة” إن معظم المجموعات التي تحركت في العاصمة ومدن أخرى لا تنسق مع قوى المعارضة في الخارج. وقال إن المحتجين باتوا أقل ثقة بتلك القوى، لأنها لم تستطع تحويل غضب الشارع إلى خطة سياسية، أو بناء صلة عملية بين المحتجين والعالم.
تظهر هذه الفجوة في معظم روايات المعارضين. الأحزاب القديمة تملك أسماء ومكاتب ومنصات إعلامية. والناشطون الجدد يملكون شبكات داخلية وطاقة كبيرة من الغضب. لكن الطرفين لم يلتقيا في إطار واحد.
الخلاف الأعمق لا يدور حول من يقود المعارضة فقط، بل حول معنى إيران نفسها.
يرفض عارف باوجاني، رئيس حزب سربستي كردستان، وصف الأحزاب الكردية والعربية الأحوازية والبلوشية بأنها جزء من “المعارضة الإيرانية”. بالنسبة إليه، هذه قوى تحررية، لا أحزاب تبحث عن حصة في حكم طهران.
قال باوجاني إن الأحزاب الكردية لم تغب عن الساحة، وإنها شاركت في احتجاجات وإضرابات ونشاط سياسي وعمليات مسلحة داخل إيران. وفي رأيه، تشكل هذه الأحزاب الخطر الأوضح على النظام، خلافا لما يسميه “المعارضة الفارسية”، التي يصفها بأنها ضعيفة وبعيدة عن الداخل.
هذا الطرح هو بالضبط ما يرفضه أنصار بهلوي وتيارات مركزية أخرى. فبالنسبة إليهم، لا يمكن فتح ملف حق تقرير المصير من دون تهديد وحدة إيران.
وافق أحد أنصار بهلوي، وهو صحفي إيراني معارض يقيم في أوروبا، على الحديث بشرط استخدام اسم مستعار هو “كايان”. قال إن رضا بهلوي هو “البديل الوحيد” القادر، في رأيه، على قيادة إيران نحو حكم ديمقراطي علماني. لكنه قال أيضا إن أنصار الشاه لا يتعاملون مع الأحزاب التي تطالب بحق تقرير المصير، لأنهم يرون فيها مشروعا لتقسيم البلاد.
بين هذين الموقفين تقف المعارضة الإيرانية منذ سنوات. الجميع تقريبا يريد إنهاء الجمهورية الإسلامية. لكنهم لا يتفقون على الدولة التي ستأتي بعدها.
تعقّد الجغرافيا الإيرانية هذا الخلاف إلى درجة كبيرة. فالفرس يتركزون في مناطق واسعة من الوسط والشرق. ويعيش الأكراد في الغرب والشمال الغربي، إلى جوار الآذريين. ويتركز العرب الأحوازيون في الجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب الشرقي قرب بحر العرب، فيما يعيش المازندرانيون والجيلاك على ساحل بحر قزوين.
بالنسبة إلى الأحزاب غير الفارسية، هذه الخريطة ليست مجرد تنوع سكاني. إنها تاريخ من سياسات لغوية وثقافية وأمنية حددت علاقة طهران بالأطراف. وبالنسبة إلى التيارات المركزية، فإن فتح هذا الملف يهدد وحدة الدولة.
عودة عفراوي، القيادي في حركة النضال العربي الأحوازي، قال لـ”الحرة” إن بعض التيارات المركزية في المعارضة تتعامل مع قضية القوميات بالطريقة نفسها التي تعاملت بها معها الدولة الإيرانية في عهدي الشاه والجمهورية الإسلامية: مركز قوي وهوية واحدة، مع هامش محدود للآخرين.
يرى عفراوي أن أي نظام جديد لن يستقر إذا تجاهل التعدد القومي والثقافي. لكنه يرفض وصف المعارضة بأنها بلا دور. وقال إن قوى سياسية وقومية كثيرة دفعت ثمنا كبيرا منذ 1979، وإن أجهزة الأمن الإيرانية جعلت التنظيم داخل البلاد شديد الخطورة.
وقال عبدالله عارف البلوشي، وهو ناشط حقوقي بلوشي مقيم في لندن، إن تحميل المعارضة وحدها مسؤولية عدم إسقاط النظام يتجاهل قوة القمع داخل إيران. في رأيه، أظهرت الاحتجاجات أن قطاعات واسعة من الإيرانيين مستعدة للمواجهة، لكن أجهزة الأمن، وغياب دعم دولي فعال، وخوف دول كثيرة من فوضى داخل إيران، كلها منعت تحول الاحتجاجات إلى تغيير سياسي.
هذه العوامل لا تفسر المشكلة برمتها.
فالخلافات بين المعارضين أقدم من الجمهورية الإسلامية. كثير من القوى التي تعارض اليوم نظام ولاية الفقيه عارضت أيضا حكم الشاه. وبعضها خاض صراعا مسلحا ضد الدولة قبل وصول روح الله الخميني إلى السلطة. وبعد الثورة، بقيت الخصومات القديمة قائمة.
يرى أنصار الشاه أن سقوط الملكية فتح الطريق إلى الحكم الديني الحالي. وقوى كردية وعربية وبلوشية ويسارية ترى أن المشكلة لم تبدأ مع رجال الدين وحدهم، بل مع دولة مركزية لم تعترف بهم كشركاء متساوين.
وفي يناير الماضي، خلص تقرير لرويترز إلى أن تشتت المعارضة الإيرانية حرمها من قيادة موحدة قادرة على تعبئة الإيرانيين ضد النظام. خلاصة المقابلات التي أجرتها “الحرة” تكشف أن المعارضة لا تختلف فقط على طريقة إسقاط النظام، بل على ما إذا كانت إيران المقبلة ستكون دولة مركزية كما كانت، أم دولة تعيد تعريف علاقة المركز بالقوميات.
في فبراير الماضي، أعلنت ستة تنظيمات كردية إيرانية مسلحة تشكيل تحالف سياسي وعسكري لإسقاط النظام الحاكم في إيران. جاء ذلك قبل نحو أسبوع من اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران.
لكن قيادات كردية معارضة تقول إن التحالف لم يبدأ بعد عملا عسكريا موحدا داخل إيران، وإن خطواته تتركز حتى الآن على تنسيق المواقف والخطاب.
سوران بالاني، المختص بالشأن الإيراني، يرى أن التحالف الكردي خطوة مهمة، لكنه لم يغير بعد ميزان القوة داخل البلاد. وقال إن المشكلة نفسها تظهر لدى قوى عربية وبلوشية وآذرية: معارضة فعلية، لكنها موزعة بين تنظيمات عدة. أما المعارضة الفارسية، فيصفها بأنها متعددة الرؤوس وضعيفة التنسيق.
إذا، لا تخلو إيران من المعارضة. والمعارضون موجودون في الخارج وداخل إيران، على شكل أحزاب سياسية وتنظيمات مسلحة، وبشكل أكبر في شبكات احتجاج صغيرة. لكنهم لا يملكون حتى الآن إطارا موحدا يمكن للشارع أن يلتف حوله، أو للعالم أن يتعامل معه على أنه بديل للحكم.
وهذا يمنح النظام في طهران ميزة واضحة. فهو يستطيع التعامل مع خصومه كحركات متفرقة، لا كجبهة واحدة.
المصدر:
الحرة