آخر الأخبار

ظلال موسكو في طاجيكستان.. مشاهد من عاصمة تحاول طلاء ذاكرتها

شارك

دوشنبه- لا تحتاج إلى زيارة أرشيف أو مكتب حكومي كي تشعر أن الاتحاد السوفييتي لم يغادر طاجيكستان تماما. يكفي أن تمشي في شارع رودكي بالعاصمة دوشنبه، أن تتأمل اتساع الأرصفة وانتظام الحدائق وصرامة بعض الواجهات القديمة، ثم ترفع عينيك قليلا فترى رموز طاجيكستان الحديثة وقد أخذت مكانها في قلب العاصمة.

المدينة تبدو كأنها تحاول أن تقول شيئين في الوقت نفسه: نحن دولة مستقلة، لنا علمنا ولغتنا ورموزنا، لكننا أيضا لم نخرج من الماضي كما يخرج المرء من غرفة ويغلق الباب خلفه، فالماضي لا يقف في المتاحف فقط، بل يمشي مع الناس في الشارع، يظهر في كلمة روسية عابرة وفي مبنى قديم ومدرسة ولافتة وحديث سائق سيارة أجرة عن ابن يعمل في موسكو.

دوشنبه ليست مدينة صاخبة. إيقاعها هادئ، وربما لهذا تبدو التفاصيل أوضح. في الصباح، حين تخف حركة السيارات وتلمع الشوارع الواسعة تحت ضوء بارد، تشعر أن المدينة مصممة للمشي والتأمل. ليست كل مبانيها جميلة، وليست كلها حديثة، لكنها تحمل خليطا لافتا: شيء من الذاكرة السوفييتية، وشيء من طموح الدولة الجديدة، وشيء من روح آسيوية وسطى لا تشبه غيرها تماما.

مصدر الصورة في طاجيكستان هوية محلية وروح فارسية، لكنها مرت عبر بوابة موسكو (الجزيرة)

مفارقة في رودكي

يحمل الشارع الرئيسي اسم رودكي، الشاعر الكبير الذي تستعيده طاجيكستان بوصفه رمزا للغة والهوية والثقافة. الاسم وحده يقول الكثير. كأن العاصمة تريد أن تبدأ حكايتها من الشعر لا من السياسة، من الجذور الفارسية – الطاجيكية لا من سنوات موسكو.

لكن وأنت تمشي في هذا الشارع نفسه، ستسمع الروسية حولك. ليست بالضرورة لغة رسمية تقف على منصة، بل لغة حياة يومية. كلمة في متجر، جملة بين شابين، حديث قصير مع سائق، أو إعلان صغير في مكان ما. الطاجيكية حاضرة بقوة، لكنها لا تطرد الروسية من المشهد. اللغتان تتجاوران كما تتجاور طبقات المدينة نفسها.

إعلان

شارع باسم شاعر طاجيكي عظيم، لكنه ما زال يُسمع فيه صدى لغة موسكو. بالطبع ليس صدى استعماريا، ولا حنينا كاملا إلى الماضي، بل واقع عملي. الروسية هنا ليست فقط بقايا قديمة، بل مفتاح عمل ودراسة وسفر وعلاقة طويلة لم تنقطع.

ومن المفارقات التي يلتقطها الزائر مبكرا أن اللغة الطاجيكية، رغم جذورها الفارسية القريبة من العربية والفارسية، تُكتب اليوم بحروف كيريلية شبيهة بالحروف الروسية.

على اللافتات وأسماء الشوارع وواجهات المتاجر، تقرأ لغة من عائلة فارسية، لكن بعين ترى شكلا سوفييتيا للحروف. هذه وحدها تختصر طبقة كاملة من التاريخ: هوية محلية وروح فارسية، لكنها مرت عبر بوابة موسكو, فبقي أثرها حتى في طريقة كتابة الكلمات اليومية.

مصدر الصورة الرموز الوطنية حاضرة بقوة في أنحاء دوشنبه (الجزيرة)

رموز جديدة فوق أرصفة قديمة

في وسط دوشنبه، تبدو الرموز الوطنية حاضرة بقوة. العلم الطاجيكي، تمثال إسماعيل الساماني، أسماء الشعراء والقادة التاريخيين، المتاحف والحدائق والساحات التي تقول إن البلد يبني ذاكرته الخاصة بعد الاستقلال.

لكن العين، وهي تتحرك بين هذه الرموز، لا تستطيع تجاهل الخلفية. هناك مبان عريضة بملامح سوفييتية وواجهات مستقيمة وكتل خرسانية ثقيلة ومساحات عامة واسعة تذكرك بأن المدينة الحديثة وُلدت، في جزء مهم منها، داخل تخطيط سوفييتي.

في هذا المشهد لا تمحو طاجيكستان الماضي بالكامل، ولا تتركه يحكم الصورة وحده، إنها تضع فوقه طبقة جديدة: رموز وطنية أكثر وضوحا، لغة طاجيكية في الواجهات الرسمية، ومشروعات عمرانية تقول إن العاصمة تريد أن تبدو أكثر حداثة وفخامة.

كزائر، قد تشعر أحيانا أن دوشنبه تعيد طلاء ذاكرتها، لا تهدم كل شيء، ولا تحفظ كل شيء، إنها تختار ما تريد أن تبرزه، وتترك أشياء أخرى خلف الواجهة، أو في أطراف الصورة.

في المقاهي والمتاجر وسيارات الأجرة، تبدو الروسية لغة نافعة أكثر منها لغة ماض. ربما لا يتحدثها الجميع بالدرجة نفسها، لكنها حاضرة بما يكفي لتفهم أنها لم تتحول إلى ذكرى بعيدة.

قد يبدأ الحديث بالطاجيكية، ثم تدخل كلمة روسية كأنها جزء طبيعي من الجملة. وقد تجد شابا يستخدمها لأنه درس بها، أو عاملا يعرف أنها تفتح له بابا في سوق العمل الروسي، أو عائلة تريد لأبنائها أن يتعلموها لأنها تفيدهم.

مصدر الصورة مبان قديمة من العهد السوفييتي تقف كأنها شهود على زمن آخر (الجزيرة)

لغة بقيت هناك

في طريق العودة إلى الفندق، بعد يوم طويل من جلسات مؤتمر دوشنبه الدولي للمياه، بدت اللغة الروسية حاضرة لا في القاعات الرسمية، بل في تفاصيل الحياة اليومية. حاولنا أن نشرح وجهتنا لسائق الأجرة بالإنجليزية، لكنه لم يلتقط شيئا تقريبا.

ولولا صحفية كازاخية كانت ترافقنا، وتدخلت لتشرح له المكان بالروسية، لبقينا ندور في حلقة من الإشارات والعبارات المبتورة. ما إن نطقت بالروسية حتى تبدل المشهد؛ فهم السائق الوجهة على الفور، وانطلقت السيارة بهدوء في شوارع العاصمة.

لا تبدو الروسية منافسة مباشرة للهوية الطاجيكية، بل أداة يعيش بها الناس في منطقة معقدة. اللغة التي جاءت مع الاتحاد السوفييتي بقيت بعده لأنها ارتبطت بالرزق والتعليم والحركة. ولذلك، لا يمكن فهم حضورها من الشارع بوصفه حنينا فقط، بل بوصفه واقعا اقتصاديا واجتماعيا.

إعلان

وأنت تستمع إلى هذه اللغة في مدينة تحمل أسماء رودكي والساماني، تدرك أن الهوية ليست خطا واحدا مستقيما. هي طبقات، وبعض الطبقات القديمة لا تختفي لمجرد أن طبقة جديدة وُضعت فوقها، وهي حقيقة لا تشكل إساءة بل تعبيرا عن هوية متراكبة تشكلت عبر العصور التي مرت بها طاجيكستان.

يقول سعيدجان شفي زاده نائب رئيس إدارة الإعلام والصحافة والمتحدث الرسمي باسم وزارة خارجية جمهورية طاجيكستان للجزيرة نت إن اللغة الروسية تعد بمثابة اللغة الثانية في طاجيكستان ويتحدث بها أكثر من 90% من الطاجيك إلى جانب اللغة الطاجيكية الفارسية.

ويضيف أن بلاده لا تسعى لمحو ما بقي من الفترة السوفييتية، لكنها تسعى لتحديث البلاد بما يلائم العصر ويحافظ على الهوية الوطنية.

مصدر الصورة في وسط دوشنبه، تبدو الرموز الوطنية حاضرة بقوة. تمثال إسماعيل الساماني، أسماء الشعراء والقادة التاريخيين (الجزيرة)

ذاكرة خرسانية وزجاج جديد

أكثر ما يلفت في دوشنبه أن المدينة لا تقدم وجها عمرانيا واحدا. هناك أبنية حديثة تحاول أن تبدو براقة، وهناك مبان قديمة صامتة تقف كأنها شهود على زمن آخر. بين هذا وذاك، تمتد شوارع واسعة وحدائق منظمة، فتشعر أحيانا أنك في مدينة ما بعد سوفييتية بملامح طاجيكية واضحة.

بعض العمارة القديمة لا تبدو مدهشة، لكنها مهمة لأنها تمنح المدينة عمقها. مبنى إداري عريض، واجهة صارمة، شرفات متشابهة، كتل سكنية بسيطة. ليست صورا سياحية كلاسيكية، لكنها تقول شيئا عن البلد: هنا عاش الناس عقودا داخل نظام كبير، ثم خرجوا منه، لكن الجدران بقيت تروي القصة بطريقتها.

وفي المقابل، هناك واجهات جديدة، مبان أكبر، مساحات مصقولة، كأن العاصمة تريد أن تسبق ذاكرتها. هذه المفارقة تجعل التجول في دوشنبه ممتعا لمن يحب قراءة المدن: كل زاوية تحمل سؤالا صغيرا، هل هذا من زمن موسكو؟ أم من زمن الاستقلال؟ أم من محاولة الجمع بين الاثنين؟

مصدر الصورة تمثال للشاعر صدر الدين عيني الذي يعد الأب الروحي للأدب الطاجيكي، وهو المؤسس الحقيقي للأدب واللغة الطاجيكية الحديثة (الجزيرة)

حكايات من الطريق

بالحديث مع الناس قليلا، لا تبدو موسكو كعاصمة بعيدة، بل كجزء من حياة عائلية. يخبرنا سائق سيارة الأجرة أن قريبا له يعمل في روسيا، وأنه يسعى للذهاب إليها حيث فرص العمل والأجور أفضل، فيما يتحدث صاحب المطعم عن ابن له مسافر إليها، فالهجرة إلى روسيا ليست تفصيلا خارجيا في حياة كثير من الطاجيك، إنها جزء من اقتصاد البيوت.

ففي بلد جبلي محدود الموارد، صارت روسيا بالنسبة لكثيرين امتدادا لسوق العمل، ومكانا يذهب إليه الشباب بحثا عن دخل أفضل، وربما لهذا أيضا تبقى الروسية مهمة، ولا تنقطع العلاقة بموسكو بسهولة.

هذا الوجه من الإرث السوفييتي لا تراه في مبنى أو تمثال، بل تسمعه في الحكايات. في قلق أم على ابنها، في حلم شاب بالسفر، في بيت بُني بمال جاء من الخارج، وفي لغة يتعلمها طفل لأنها قد تفتح له طريقا يوما ما.

وبحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية، فإن مئات الآلاف من الطاجيك يعملون في روسيا سنويا، وحتى سبتمبر/أيلول 2024، غادر نحو 618 ألف طاجيكي للعمل في الخارج ذهب 98% منهم تقريبا إلى روسيا، بينما بلغت تحويلات العاملين في الخارج نحو 6.8 مليارات دولار في 2024، بما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

أوراق الساماني تحمل وجوه شخصيات اختيرت لتقول شيئا عن البلد الذي يبحث عن سرديته الخاصة (الجزيرة)

ولا تبدو محاولة بناء الهوية الطاجيكية بعد الاستقلال واضحة في المتاحف والتماثيل وحدها، بل تظهر أيضا في أكثر الأشياء تداولا بين الناس: العملة. فالأوراق النقدية من فئة الساماني لا تحمل وجوها عابرة، بل شخصيات اختيرت بعناية لتقول شيئا عن البلد الذي خرج من العباءة السوفييتية باحثا عن سرديته الخاصة.

إعلان

هناك إسماعيل الساماني، الذي سميت العملة باسمه، بوصفه رمزا للدولة والجذور التاريخية، ورودكي شاعر الفارسية الكبير، وابن سينا العالم والطبيب، وصدر الدين عيني أحد وجوه النهضة الأدبية الحديثة، وباباجان غفوروف المؤرخ والسياسي.

هكذا تتحول الورقة النقدية الصغيرة إلى مساحة رمزية تعيد ترتيب الذاكرة العامة؛ من رموز الحقبة السوفييتية إلى أبطال اللغة والثقافة والتاريخ، في محاولة يومية هادئة لتذكير الطاجيك بمن هم، ومن أين يأتون.

المقر الجديد للحكومة الطاجيكية في شارع روداكي (الجزيرة)

مدينة لا تعيش في الماضي ولا تنساه

رغم كل هذه الظلال، لا تبدو دوشنبه مدينة عالقة بالكامل في الحقبة السوفييتية. على العكس، هناك رغبة واضحة في بناء صورة وطنية مختلفة. الأعلام والحدائق والرموز التاريخية والأسماء الطاجيكية والاحتفاء بالشعراء والملوك القدماء، كلها تقول إن البلد يريد أن يرى نفسه بعيدا عن كونه جمهورية سوفييتية سابقة فقط.

لكن قوة دوشنبه، وربما صدقها، أنها لا تستطيع أن تخفي كل ما مر بها. فالمدن التي تخفي ماضيها تماما تبدو أحيانا بلا روح. أما هنا، فالماضي يظهر ويختفي. تراه في مبنى، ثم يقطعه تمثال وطني. تسمعه في كلمة روسية، ثم تغطيه أغنية طاجيكية. تلمحه في هندسة شارع، ثم تنقلك واجهة حديثة إلى زمن آخر.

هذا التداخل هو ما يجعل التجول في دوشنبه تجربة مختلفة. ليست مدينة تبهر الزائر من اللحظة الأولى مثل عواصم سياحية كبرى، لكنها تكشف نفسها ببطء. تحتاج أن تمشي وتلاحظ وتقارن وتسمع.

في شوارع دوشنبه، تبدو طاجيكستان كمن يمشي بلغتين وذاكرتين، فالطاجيكية تمنح المكان روحه واسمه وامتداده الفارسي، والروسية تفتح له باب العمل والتعليم والعبور إلى فضاء ما بعد السوفييت.

لكن السؤال الذي يقترب مع جيل جديد يتعلم الإنجليزية، وينظر إلى تركيا، ويتعامل أكثر فأكثر مع الصين: هل ستظل الروسية جسرا لا غنى عنه، أم ستصبح واحدة من لغات كثيرة في بلد يحاول أن يوازن بين ذاكرته وهويته ومستقبله؟

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا