آخر الأخبار

سقوط الهالات.. لماذا تتآكل ثقة الغربيين برموز السياسة والمال؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تهبط أزمة الثقة بالنخب الغربية دفعة واحدة، ولم تولد من ملف واحد أو زعيم واحد، فقد كانت الهالة تتآكل منذ سنوات تحت وطأة حروب فقدت رواياتها الرسمية قدرتها على الإقناع، ومؤسسات بدت أقرب إلى حماية صورتها من حماية الحقيقة، ومشاهير اكتشف الجمهور -خصوصا بعد حرب غزة- أن صمتهم أو انتقائيتهم السياسية جزء من صناعة نفوذهم لا مجرد خيار شخصي عابر، ثم جاء الفضاء الرقمي ليقلب معادلة قديمة: لم تعد النخبة وحدها تملك المنبر أو الأرشيف أو حق التفسير.

وفي هذا السياق، بدت ملفات جيفري إبستين لكثيرين كأنها القشة التي ثقبت ما تبقى من ستار الثقة؛ فهي لم تصنع الشك من العدم، لكنها منحته أسماء ووجوها وشبكات.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 الإسفنجة النووية الأمريكية.. سلاح واشنطن السري في مواجهة روسيا والصين
* list 2 of 3 قلعة الشقيف.. هل تبالغ إسرائيل في ترويج إنجازها العسكري؟
* list 3 of 3 أوروبا تدرس تثبيت أسعار الغاز الروسي لمواجهة أزمة الطاقة end of list

وفي السياق نفسه، بدت السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترمب صورة مؤسسية أكثر قتامة للانكشاف ذاته: سلطة تُدار بمنطق الولاء والانتقام واستغلال المنصب، وحدود تتآكل بين الدولة والاسم العائلي، وبين الحكم بوصفه مسؤولية عامة والحكم بوصفه امتيازا شخصيا.

لذلك تتقاطع، في قراءات الصحافة الأمريكية والبريطانية، قصص توني بلير وبيل غيتس ودونالد ترمب رغم اختلاف مواقعهم ومساراتهم، فبلير يعود إلى المنبر السياسي محاطا بإرث العراق وإيران والمال، وغيتس يرى صورته الخيرية تتشقق تحت ثقل صلاته بإبستين، وترمب يكشف بلا مواربة كبيرة كيف يمكن للسلطة أن تصبح امتدادا للثروة والخصومة الشخصية.

مصدر الصورة لم تصنع ملفات إبستين الشك في النخب من العدم، لكنها منحت هذا الشك أسماء ووجوها وشبكات (رويترز)

بلير وعبء الماضي

فقد عاد توني بلير إلى السجال في بريطانيا بمقال مطول عن مستقبل البلاد وحزب العمال، لكنه لم يعد قادرا على الكلام من موقع رجل الدولة الذي يقف فوق الحسابات القديمة. ففي صحيفة غارديان ، يرى جوناثان فريدلاند أن بلير لا يزال يعرف كيف يفرض حضوره على دورة الأخبار، لكنه يبدو، رغم حديثه عن المستقبل، أسير غرائز سياسية قديمة، ولا سيما نظرته إلى العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

إعلان

وينتقد فريدلاند موقف بلير من حرب ترمب على إيران، معتبرا أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق لا يزال يتصرف بمنطق الولاء شبه المطلق لواشنطن، حتى حين تكون الإدارة الأمريكية بقيادة ترمب، وحتى حين تقود الحرب إلى مأزق لا يظهر فيه نصر واضح، ويستعيد الكاتب درس العراق لا بوصفه تهمة جاهزة، بل باعتباره عقدة سياسية لم يغادرها بلير: اللحظة التي يحل فيها الولاء للحليف محل الحكم السياسي المستقل.

وفي صحيفة تلغراف ، يضع أمبروز إيفانز بريتشارد عودة بلير في إطار أوسع من المحاسبة على إرثه السياسي والاقتصادي.

فبريطانيا المتعبة التي يتحدث عنها بلير -بحسب الكاتب- تشكلت بعض أمراضها في عهده: تضخم دور المال، وتآكل الصناعة، والاعتماد على العمالة الرخيصة، والتردد في قرارات الطاقة والبنية التحتية.

أما باتريك كوكبرن، في صحيفة آي بيبر ، فيقرأ عودة بلير بوصفها علامة على هشاشة أوسع في المزاج البريطاني، فحين تتراجع الثقة، وتترسخ قناعة بأن البلاد "مكسورة"، تصبح الساحة مفتوحة لمن يسميهم "الأنبياء المزعومون": شخصيات تقدم رؤية كبرى وخطة إنقاذ، من دون أن تملك بالضرورة أدوات معالجة أزمات ساهمت هي نفسها في صنع بعضها أو تجاهلها.

غيتس وصناعة الصورة

وإذا كان بلير يواجه عبء الماضي السياسي، فإن بيل غيتس يواجه تصدع صورة صُنعت بعناية استثنائية، ففي تقرير موسع في صحيفة وول ستريت جورنال ، تكشف إميلي غلازر كيف عمل فريق كامل لسنوات على تقديم غيتس في هيئة الملياردير الهادئ القريب من الناس: ملابس محسوبة، وسترات بألوان حيادية، وحضور إعلامي منسق، وصورة محسن عالمي تجاوز ماضي مايكروسوفت الصدامي ليصبح وجها للصحة والتنمية ومكافحة الأمراض.

غير أن هذه الصورة بدأت تتشقق مع اتساع الكشف عن علاقاته بالملياردير الراحل جيفري إبستين المتهم بإنشاء شبكة للدعارة بالقاصرات، فبحسب الصحيفة، كشفت ملفات وزارة العدل أن غيتس التقى إبستين مرات متعددة، رغم تحفظات زوجته السابقة ميليندا فرينش غيتس، وأن مستشارين مقربين منه تبادلوا مئات الرسائل مع إبستين حتى عام وفاته.

ولا تكمن أهمية القصة في تفاصيلها الخاصة وحدها، بل في ما تكشفه عن صناعة السمعة في عصر النخب الخيرية، فالمؤسسة التي امتلكت موارد هائلة ورسالة إنسانية واسعة وجدت نفسها -بحسب التقرير- أمام قلق داخلي من أن تتحول العلاقة بإبستين إلى عبء على رسالتها.

وبدأت مؤسسات وفعاليات كبرى تتردد في الظهور معه، من قمة تقنية في الهند إلى مؤتمرات طاقة واجتماعات لشركات كبرى، في مؤشر إلى أن رأس المال الرمزي الذي راكمه طوال سنوات لم يعد محصنا كما كان.

وهنا تسقط الهالة بطريقة مختلفة، فغيتس لا يقدم نفسه سياسيا منتخبا، بل رجلا يضع ثروته في خدمة العالم، لكن حين تنكشف الفجوة بين الصورة العامة والإدارة الصارمة لهذه الصورة، وبين خطاب العمل الخيري وصلات رجل مثل إبستين، يصبح السؤال أعمق: إلى أي حد تستطيع الثروة أن تشتري النفوذ والرمزية معا؟

مصدر الصورة ترمب يمثل وجها صارخا لأزمة الثقة حين تتحول السلطة إلى امتداد للاسم والعائلة والخصومة (رويترز)

ترمب وانكشاف السلطة

على الطرف الآخر من المشهد يقف دونالد ترمب، لكن أزمته من نوع مختلف، فهو لا يسعى إلى صورة النخبة الهادئة، ولا يطلب الاعتراف به من بوابة الحكمة الأخلاقية، بل يكاد يبني سلطته على نفي تلك اللغة كلها، ومع ذلك، تقدم التقارير الأمريكية والبريطانية صورة لرئيس يجعل أزمة الثقة في النخب أكثر فجاجة، لأنه لا يكتفي بكشفها بل يطبعها.

إعلان

ففي مقال رأي نشرته صحيفة إندبندنت ، يكتب جون سوبل أن رئاسة ترمب الثانية بلغت مستوى جديدا من استغلال المنصب، متوقفًا عند مقترح وضع صورته على ورقة نقدية من فئة 250 دولارا، وعند صندوق بمليارات الدولارات لتعويض من يعدّهم ترمب ضحايا ملاحقات سياسية بعد أحداث 6 يناير/كانون الثاني، لا رجال الشرطة أو المؤسسات التي تعرضت للهجوم.

ويرى سوبل أن الأخطر هو ما أضيف إلى تسوية تخص سجلاته الضريبية، بما يحمي عوائد ترمب السابقة وعوائد أبنائه من التدقيق الضريبي، في سابقة يصفها بالفساد الصريح.

ولا يقف الأمر عند المال، ففي صحيفة ديلي بيست ، تنقل أنابيلا روسيغليوني عن كاتب سيرة ترمب مايكل وولف قوله إن الرئيس يستخدم المعارك القانونية وملاحقة خصومه كوسيلة للانتقام وإرضاء الذات.

وبحسب وولف، لا يتعامل ترمب مع السياسة بوصفها نظاما أوسع أو مؤسسة تاريخية، بل بوصفها سلسلة خصومات شخصية، حيث تصبح الملاحقة نفسها أهم من نتيجتها القانونية.

وبهذا المعنى، لا يمثل ترمب انهيار صورة النخبة التقليدية فحسب، بل الانتقال إلى نمط آخر من السلطة: سلطة لا تدعي النقاء، ولا تعتذر كثيرًا عن تضارب المصالح، ولا تخفي ولعها بالثروة والانتقام.

رفض الهالات

ولعل ما يجمع هذه القصص ليس تشابه الشخصيات، بل تشابه اللحظة، فالغرب لا يسأل فقط عما إذا كان هذا الزعيم أو ذاك قد أخطأ، بل عما إذا كانت النخب التي حكمت وتبرعت ونظّرت وتدخلت عسكريا تمتلك أصلا الحق في مواصلة الوعظ.

فبلير يتحدث عن المستقبل، لكن منتقديه يعيدونه إلى حروب العراق وإيران والمال والتكنولوجيا، وغيتس يتحدث عن الصحة العالمية والتنمية، لكن ملفات إبستين تجر صورته إلى منطقة العتمة التي عمل طويلا على تجاوزها، وترمب يتحدث باسم الناس ضد النخبة، لكنه يقدم نموذجا أشد صراحة في تحويل الدولة إلى أداة ولاء ومنفعة وانتقام.

وهذه ليست أزمة أفراد فقط، لكنها أزمة ثقة في "الرجل الكبير" الذي يطلب من الجمهور أن يصدقه لأنه يعرف أكثر، أو يملك أكثر، أو فاز أكثر، لكن الجمهور الغربي، وقد أنهكته الحروب واللامساواة وأزمات المعيشة وتراجع الخدمات، لم يعد يرى في الهالة دليلا على الكفاءة أو الأخلاق، بل غطاء محتملا لمصالح ومنافع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا