آخر الأخبار

استهداف مصادر المياه.. هل تتعمد قوات الدعم السريع تعطيش الطينة السودانية؟

شارك

دارفور- "كنا نعرف أن الحرب ستأتي، لكن لم نتصور أنها ستأتي لاستهداف مياهنا" يقول النازح آدم عبد الرحمن (45 عاماً). ويضيف للجزيرة نت " الدعم السريع لا تريد قتلنا بالرصاص فقط، بل تريد أن تجعل الحياة مستحيلة".

وبمرارة يقول أبو بكر إبراهيم (60 عاماً) الذي نزح من أمبرو، "تركت كل شيء خلفي: الأثاث، الماشية، الأمل. الآن أجلس تحت شجرة، أنتظر شاحنة مياه أو قصف مسيرة".

مصدر الصورة ألواح شمسية محطمة.. آخر أمل لمياه الطينة دمرته طائرة مسيرة (الجزيرة)

وكانت طائرة مسيرة تابعة للدعم السريع، في صباح 26 مايو/أيار 2026، قد استهدفت خزان مياه باسو غرب مدينة الطينة السودانية على الحدود مع تشاد مرتين متتاليتين: المرة الأولى أحدثت شقوقاً في جداره الخرساني، والثانية فجرته بالكامل. وأسفر القصف عن مقتل 3 مدنيين، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية.

ويخزن باسو آلاف الأمتار المكعبة من المياه العذبة. ويعتبر شريان حياة لأكثر من 100 ألف نازح وساكن أصلي.

و"شنت مسيرة تابعة للدعم السريع سلسلة من الهجمات على الطينة يوم السبت 30 مايو/أيار الجاري، وشمل القصف المسجد الكبير في المنطقة"

حسب الناطق الرسمي للقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، الرائد متوكل علي وكيل أبوجا، للجزيرة نت.

ويضيف الرائد أن "في كرنوي وحدها، قُتل 7 أشخاص وجُرح 8. وفي سوق الطينة، قُتل ما لا يقل عن 35 شخصاً وأُصيب 40 آخرون".

استهداف واسع

يؤكد الرائد أبوجا أن استهداف مصادر المياه لم يقتصر على خزان باسو. بل طالت المسيرات خزان أورشي ومناطق شقق كرو وشمال كتم، مما أدى إلى نزوح أصحاب الماشية الذين فقدوا مصدر رزقهم الوحيد.

ويحذر الرائد أبوجا من وجود حشود عسكرية ضخمة رصدتها القوة المشتركة في الصحراء، تتكون غالبيتها الساحقة من أطفال بأسلحة وآليات مختلفة.

وقبل قصف الخزان بيومين، في 24 مايو/أيار، شنت طائرات الدعم السريع قصفاً عنيفاً استهدف سوق بلدة الطينة. قُتل على إثره 14 مدنياً، معظمهم من النساء والأطفال، وأُصيب العشرات.

وفي مدينة كرنوى المجاورة، تكررت المأساة يوم 25 مايو/أيار. قُتل 5 أشخاص وأُصيب 4 آخرون بهجوم طائرة مسيرة. بعد أيام قليلة، استُشهد شخصان آخران إثر غارة مماثلة.

إعلان

وحسب البيانات الأممية، قُتل 7 أشخاص وأُصيب 11 آخرون في قصف استهدف بلدة الطينة يوم 25 مايو/أيار. وأوضحت الأمم المتحدة أن هجوماً آخر استهدف بلدة كرنوي يوم 24 مايو/أيار، أسفر عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 4 آخرين.

و أعرب نائب المتحدث باسم الأمين العام، فرحان حق، عن "القلق البالغ" إزاء استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة في دارفور، في مؤتمر صحفي للأمم المتحدة عُقد في نيويورك يوم 26 مايو/أيار الجاري.

تهجير قسري

يؤكد المتحدث الرسمي باسم المقاومة الشعبية بشمال دارفور، أبو بكر أحمد إمام، للجزيرة نت أن ما يحدث ليس عشوائياً، ويقول "تدمير مصادر المياه في الطينة وكرنوي وقصف المساجد لم يأتِ بمحض الصدفة. بل هو مخطط مدروس لتجفيف منابع الحياة ودفع السكان للنزوح القسري".

ويلفت إمام إلى أن الهدف الخفي هو التغيير الديمغرافي. ويؤكد أن الدعم السريع تريد إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين، لفرض واقع جديد على الأرض.

من جانبه قال مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان بمركز فوكس للدراسات في السويد، الدكتور عبد الناصر سلم، للجزيرة نت، إن استهداف خزان باسو يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه طال أحد أهم المرافق المدنية المرتبطة بحياة السكان، وليس هدفاً عسكرياً.

وأوضح أن تدمير الخزان في بيئة صحراوية لا يعني فقدان منشأة هندسية فحسب، بل انهيار أحد أهم مقومات الصمود الإنساني، خاصة مع وجود أكثر من 5700 أسرة نازحة تضغط على موارد المنطقة.

وأضاف سلم أن تزامن استهداف الخزان مع قصف الأسواق سيؤدي إلى موجات نزوح واسعة وانهيار متسارع للظروف الإنسانية، محذراً من أن المنطقة قد تواجه أوبئة مثل الكوليرا مع اقتراب موسم الأمطار.

جريمة حرب

وأشار عبد الناصر سلم، في السياق نفسه، إلى أن القانون الدولي الإنساني يحظر مهاجمة مرافق المياه الحيوية للمدنيين، بموجب المادة 54 من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف. ودعا الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين.

ومن جانبه، يصف وزير الصحة السوداني الأسبق، بحر إدريس أبو قردة، وهو ابن المنطقة، ما يحدث بأنه جريمة حرب مكتملة. يقول أبو قردة للجزيرة نت "تكسير خزان مياه بهذا الحجم هو قرار متعمد لتعطيش أكثر من 100 ألف إنسان".

ويضيف: "الدعم السريع لجأت لهذه الإستراتيجية بعد أن فشلت تماماً في السيطرة على الطينة عسكرياً؛ بسبب تضاريسها الوعرة ومقاومة الأهالي".

مصدر الصورة مخيم الطينة خيام من البلاستيك.. وأطفال يبحثون عن قطرة ـ الجزيرة

كارثة إنسانية

ويصف مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ الطينة، ود الصافي، للجزيرة نت، بأن الهجمات المتكررة بالطائرات المسيرة أجبرتهم على اتخاذ إجراءات أمنية غير مسبوقة.

ويضيف: "قمنا بتغيير أسماء ومواقع مراكز إيواء النازحين إلى رموز وأسماء مستعارة لحمايتهم من الاستهداف". ويوضح: "نحن نستخدم الآن رموزاً مثل إيه، بي، سي، دي، إي، إف، إتش كأسماء مستعارة للمراكز".

ويقدر المسؤول الإعلامي أن العدد التقريبي للأسر النازحة يتجاوز 5700 أسرة. مع وفود أسر جديدة كل يوم، هاربة من القصف.

مصدر الصورة كوخ حراس محطة مياه باسو. انتهى بالقصف قبل أن تبدأ أزمة المياه (الجزيرة)

ويؤكد "الأوضاع الإنسانية تجاوزت مرحلة الصعوبة إلى مرحلة الكارثة. معظم هذه الأسر تعيش في العراء، أو تحت مشمعات وخيام بالية. بعضها ينام بلا أغطية".

إعلان

وعن المياه، يقول "تدمير خزان باسو خلق شحاً مائياً حاداً. الأسر لم تعد تجد ماءً للشرب أو الطهي. وتضطر للبحث عنه لمسافات طويلة، أو حتى عبور الحدود إلى تشاد".

مصدر الصورة في مخيمات الطينة.. خيام بالية وأطفال بلا أمل ـ الجزيرة

ويحذر من أن أزمة المياه، إلى جانب انعدام النظافة، تشكل بيئة خصبة للأمراض والأوبئة. خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.

ويختم: "نحن على أعتاب كارثة حقيقية. مع اقتراب موسم الأمطار، سيكون النازحون العالقون في مجاري السيول والأودية دون مأوى، هم أول ضحايا الفيضانات".

وحاولت "الجزيرة نت" التواصل مع قوات الدعم السريع للتعليق على هذه الاتهامات. ولم نتلقَّ أي رد حتى لحظة إعداد التقرير.

فهل ينتظر أهل الطينة والنازحون فيها الموت عطشاً بعد أن سرقت منهم طائرة مسيرة آخر قطرة ماء؟ أم أن المجتمع الدولي سيتحرك قبل أن تتحول المنطقة إلى مقبرة جماعية بلا قبور؟

يقول النازح أبو بكر "خزان باسو كان أملنا الوحيد، والآن لا ماء ولا أمل. لم أعد أعرف الفرق بين العطش والجوع والخوف. الفرق أن الماء تأثيره أسرع".

مصدر الصورة مخيمات الطينة دون ماء في منطقة صحراوية (الجزيرة)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا