في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل تحولات متسارعة في البيئة الأمنية لمنطقة آسيا-المحيط الهادئ؛ تتزايد مؤشرات إعادة تشكيل التوازنات الإستراتيجية، وتبدو المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من التجاذبات الأمنية التي تتجاوز الأطر التقليدية.
فبين تحركات ثنائية متسارعة، وتعزيز تدريجي لأطر متعددة الأطراف، تتقاطع المصالح الكبرى مع هواجس الأمن القومي، لتنتج مشهدا إقليميا معقدا يحمل في طياته احتمالات التصعيد بقدر ما يعكس محاولات إعادة الضبط والاحتواء.
فقد أفادت صحيفة غلوبال تايمز الصينية بأن زيارة الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن إلى اليابان شهدت مستوى غير مسبوق من الحفاوة السياسية، تزامناً مع رفع العلاقات إلى شراكة إستراتيجية شاملة.
ووفق ما نقلته عن وسائل إعلام يابانية، فقد اتفق الجانبان على توسيع التعاون الأمني، بما يشمل التفاوض الرسمي حول تمكين التبادل الفوري للمعلومات العسكرية الحساسة، وتعزيز نقل المعدات الدفاعية بعد أن خففت اليابان القيود المفروضة على صادرات الأسلحة الفتاكة.
وترى الصحيفة، نقلاً عن شيانغ هاويو الباحث في معهد الصين للدراسات الدولية، أن طوكيو تسعى عبر هذا المسار إلى تخفيف القيود العسكرية المفروضة عليها بعد الحرب، بينما تعتمد مانيلا على قوى خارجية لتعزيز موقعها في نزاعات بحر جنوب الصين .
ويشير شيانغ إلى أن هذا التقارب يتجاوز الإطار الثنائي، إذ يعكس "تنسيقا جيوسياسيا خطيرا" يقوم على تضخيم ما يُسمى بـ"التهديد الصيني"، الأمر الذي يهدد بدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر.
التقارب الياباني-الفلبيني يتجاوز الإطار الثنائي، إذ يعكس "تنسيقا جيوسياسيا خطيرا" يقوم على تضخيم ما يُسمى بـ"التهديد الصيني"، الأمر الذي يهدد بدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر.
وفي هذا السياق، حذّر المتحدث باسم الخارجية الصينية غوه جياكون من أن "أي تعاون بين الدول لا ينبغي أن يستهدف طرفاً ثالثاً أو يضر بمصالحه"، مؤكداً على رفض بكين "أي تحركات من شأنها تشكيل تكتلات وتصعيد التوترات في المنطقة".
ويشير الكاتب إلى أن البيان الأخير لوزراء خارجية الدول الأربع أعاد إنتاج سردية "التهديد الصيني"، معتبراً أن هذه المقاربة تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والإعلامية في المنطقة، ودفع القضية بعيداً عن مسار التفاوض الثنائي بين الأطراف المعنية.
كما يحذر دينغ، وهو مدير معهد البحوث الإقليمية التابع لمعهد أبحاث بحر جنوب الصين ، من أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات السلبية، من بينها زيادة احتمالات الاحتكاك العسكري، وتعطيل سلاسل الإمداد، وترسيخ تصورات دولية منحازة تعيق الحلول الدبلوماسية.
ويذهب تحليل صحيفة هوان تشيو إلى أن التحالف الرباعي لا يكتفي بالتنسيق الأمني، بل يسعى إلى بناء "نظام موازٍ" يحد من الدور المحوري لرابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان)، رغم تأكيده الشكلي على احترامه لمركزية الرابطة في عدة مناسبات.
وقد عكس هذا التوجه قلقا إستراتيجيا لدى بعض الدول من عدم وضوح الإستراتيجية الأمريكية، ما دفعها لتعزيز التعاون البيني كبديل احتياطي. ومع ذلك، يشير الباحث دينغ إلى أن هذا المسار يواجه قيوداً كثيرة، أبرزها اختلاف أولويات الدول الأربع، وتمسك معظم دول (آسيان) بالحياد الإستراتيجي، ما يحد من قدرة هذه الترتيبات على التحول إلى تحالف متماسك بالكامل.
في هذا الإطار، نقلت صحيفة الاقتصاد الصينية تصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية العقيد جيانغ بين، الذي حذر من أن "النزعة العسكرية الجديدة" في اليابان قد تتحول إلى مصدر اضطراب في شرق آسيا.
وأكد جيانغ، وفق التقرير، "أن طوكيو تمضي في توسيع الإنفاق العسكري، وتطوير القدرات الهجومية، وتخفيف القيود على تصدير الأسلحة، بالإضافة إلى سعيها في تعديل دستورها السلمي"، وأضاف أن هذه السياسات "تناقض خطاب الدفاع الذاتي"، معتبراً أن ما يجري يمثل انحرافاً مقلقاً عن المسار التاريخي".
كما أشار إلى أن التحركات اليابانية تمتد أيضاً إلى الفضاء، حيث تعمل على بناء قدرات عسكرية فضائية وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، ما يزيد من مخاطر سباق تسلح جديد يؤثر سلبا على الاستقرار الإستراتيجي العالمي.
وتوضح جميع هذه المؤشرات أن المنطقة تشهد تراكماً تدريجياً لبنية أمنية متعددة المستويات؛ شراكات ثنائية متقدمة، أطر رباعية متنامية، وتوسع في مجالات جديدة كالمجال الفضائي. ورغم عدم وجود تحالف رسمي يشبه " الناتو"، فإن ملامح شبكة أمنية متداخلة آخذة في التشكل.
غير أن هذا المسار، كما تعكسه الرؤية الصينية، لا يُنظر إليه كآلية لتحقيق التوازن، بل كعامل قد يسرّع الاستقطاب ويزيد من احتمالات المواجهة، خاصة مع اعتماد خطاب التهديد وتوسيع نطاق التعاون العسكري.
وهذا ما يضع منطقة آسيا-المحيط الهادئ أمام مفارقة لافتة؛ فكلما تعززت فيها ترتيبات الأمن الجماعي، ازداد شعور بعض الأطراف بانعدام الأمن. وبين من يرى في هذه التحركات ضرورة إستراتيجية، ومن يراها تمهيداً لصراع أوسع، يبقى مستقبل المنطقة مرهوناً بمدى القدرة على كبح منطق التكتلات قبل أن يتحول إلى واقع قابل للانفجار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة