تسود في جميع أنحاء العالم حالة غموض واضطراب في التخطيط نتيجة لحرب إيران . ولذلك تخشى دول عديدة من استمرار التضخم وندرة الموارد . وبينما تكافح دول الخليج العربية من أجل الحفاظ على صورتها كملاذات آمنة، بدأت تركيا العمل: تسعى أنقرة بشكل خاص إلى جذب المستثمرين ورؤوس الأموال الأجنبية من خلال تقديم إعفاءات ضريبية سخية وحوافز اقتصادية.
وقد أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان في نهاية نيسان/أبريل عن تشريعات خاصة، تم تقديمها إلى البرلمان في مطلع أيار/مايو، وقد تم إقرارها من قبل اللجنة المختصة. وتهدف هذه التشريعات إلى زيادة قدرة تركيا على المنافسة دوليًا، وجعلها كموقع جذاب لرؤوس الأموال والكفاءات المهنية الأجنبية.
والقانون الجديد يستهدف الشركات والأشخاص، الذين لم يكونوا مسجلين كدافعي ضرائب في تركيا خلال الثلاثة أعوام الماضية، ويعدهم بإعفاءات ضريبية كبيرة. وينص القانون على حصول كل مَنْ يُسجّل أصوله الأجنبية - من عملات أو ذهب أو أوراق مالية - في تركيا حتى 31 تموز/يوليو 2027 على إعفاء من ضريبة الدخل لمدة 20 عامًا على دخله المكتسب في الخارج. وكذلك سيتم خفض نسبة الضريبة المفروضة على الميراث والهبات لهذه الفئة إلى واحد بالمائة فقط. وتبلغ هذه النسبة حاليًا بين واحد بالمائة و10 بالمائة للميراث - بحسب قيمته - وبين 10 بالمائة و30 بالمائة للهبات.
وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ القانون الجديد يمكِّن أصحاب الأصول المحلية غير المُسجّلة سابقًا من الإفصاح عنها من دون عقوبة بشروط معينة، كاستثمارها في سندات حكومية محلية أو أدوات مشابهة لفترة محددة.
أوراق نقدية تركية ودولارات. تسعى الحكومة التركية إلى تحفيز الاقتصاد من خلال تخفيضات ضريبية وحوافز اقتصادية أخرىصورة من: Mustafa Kaya/Xinhua/IMAGOومن المقرر أيضًا إنعاش التجارة التركية الخارجية ، التي سجّلت في آذار/مارس تراجعًا بنسبة 6.4 بالمائة. ولذلك تريد الحكومة التركية الآن خفض ضريبة الشركات المفروضة على الشركات المحلية. وسيتم خفض نسبة الضريبة لمُصدّري المنتجات الصناعية من 25 بالمائة إلى 9 بالمائة، وللمُصدّرين الآخرين إلى 14 بالمائة.
وبالإضافة إلى ذلك تريد الحكومة التركية تطوير مركز إسطنبول المالي ليصبح مركزًا قادرًا على التنافس العالمي على غرار سنغافورة وهونغ كونغ. وستحصل الشركات المستقرة في العاصمة التركية على إعفاء ضريبي كامل لأرباحها من تجارة الترانزيت الدولية. ومن المقرر أيضًا بقاء الشركات العالمية التي تنقل مقراتها الإدارية الإقليمية إلى إسطنبول معفاة من الضرائب لمدة عشرين عامًا.
وتريد الحكومة التركية تقليص الإجراءات البيروقراطية بشكل واسع لتزيد من جاذبية الاستثمارات. وسيتولى مكتب الرئاسة التنسيق بشكل مباشر. ومن المقرر إنشاء مركز اتصال رقمي يهتم بإنجاز جميع الإجراءات - من تأسيس الشركات وتصاريح العمل والإقامة وحتى التقييمات البيئية - بطريقة بسيطة وسريعة ولدى جهة واحدة.
ومن جانبه قال أردوغان خلال الإعلان عن التشريعات الجديدة إنَّ تركيا لم تعد مجرد جسر بين الشرق والغرب أو الشمال والجنوب، بل هي مركز اتصال لا غنى عنه لممرات الطاقة والتجارة في المنطقة. وإنَّ نقرة قد نجحت في إدارة أزمات السنين الأخيرة، ولذلك فقد أصبحت تركيا اليوم "واحة استقرار" في المنطقة. أضاف: "نحن المرشَّح الأقوى لنكون أحد أقطاب العالم متعدد الأقطاب والمتغيّر".
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل مؤتمر صحفيصورة من: Dogukan Keskinkilic/Anadolu Agency/IMAGOومع أنَّ هذه الخطط تبدو طموحة، لكن خبراء الضرائب مثل إمري شيرين يشكون فيها. وحول ذلك يقول الخبير الاقتصادي والعقاري المستقل المقيم في إسطنبول، إمري شيرين: "هذه مجرد محاولة للحصول على أموال جديدة. لم تعد توجد أموال أو موارد يمكن استغلالها". وبحسب رأيه فإنَّ الحكومة التركية تلجأ إلى جميع الوسائل المتاحة لجذب رؤوس الأموال. والإعفاءات الضريبية للشركات الأجنبية وكذلك الإعفاء الضريبي طويل الأمد للأصول المستوردة ليست سوى إجراءات أخيرة يائسة، "لمنع السفينة من الغرق"، كما يقول إمري شيرين. ويضيف أنَّ الاستثمارات الأجنبية المباشرة أصبح دخولها إلى تركيا شبه معدوم، في حين أنَّ الشركات المحلية تعلن إفلاسها أو تنقل مقراتها .
وينتقد المراقبون أيضًا أنَّ هذه الإجراءات لا تدقِّق بشكل محدود فقط في مصدر الأصول المحلية والأجنبية. ويتّهمونها بأنَّها تفتح الباب على مصراعيه أمام تدفق الأموال غير المشروعة. ويعارض ذلك وزير المالية التركي محمد شيمشك، مشيرًا إلى نجاحات سابقة حققتها برامج مشابهة.
ويضيف الوزير أنَّ حكومة حزب العدالة والتنمية قد أصدرت سبع مرات لوائح مشابهة. وتم تطبيق أول برنامج كهذا عام 2008؛ وبحسب الأرقام الحكومية فقد تم حينها تسجيل أصول جديدة تبلغ قيمتها 31 مليار دولار أمريكي. وقد أدى ذلك إلى عودة رؤوس أموال مواطنين أتراك من الخارج إلى تركيا، وتعزيز السوق التركية، بحسب وزير المالية شيمسك.
لقد أدت حالة عدم الاستقرار بسبب حرب إيران في منطقة الخليج إلى إحياء آمال تركيا لجذب استثمارات إضافية - وخاصة كبديل محتمل للخليج. ولكن الخبير الاقتصادي سنان ألسين، مؤسس شركة "4ware Research" ورئيس منصة "إيكونومي إسطنبول"، يرى أنَّ هذا غير مرجح كثيرًا. وحول ذلك قال في حوار مع DW في نيسان/أبريل إنَّ تركيا يجب عليها لجذب استثمارات أجنبية مباشرة واسعة النطاق أن تعزّز الثقة في سيادة القانون وتحقيق تقدم في قضايا مثل حرية الصحافة. ويشاركه في هذا التقييم العديد من المراقبين، ولا يرون في الإجراءات المخطط لها حلًا مستدامًا، بل يطالبون بإصلاحات هيكلية جذرية.
من المعروف أنَّ تركيا تعاني من أزمة اقتصادية منذ ست سنين. ومع سياسة الفائدة المنخفضة التي ينتهجها أردوغان غرقت تركيا في أزمة سنة 2019، وباتت تسجّل منذ ذلك الحين باستمرار معدلات تضخم تجاوزت نسبتها 10 بالمائة. فقد بلغ معدل التضخم الشهر الماضي 32.4 بالمائة، وفي أيار/مايو 2024 تجاوز مؤقتًا 75 بالمائة. ويشكّك اقتصاديون مستقلون أيضًا في البيانات الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء التركي. وتفترض مجموعة أبحاث التضخم (ENAG) أنَّ معدل التضخم في تركيا بلغ مؤخرًا أكثر من 55 بالمائة. ويُذكر أنَّ الرئيس التركي قد أقال يوم السبت 16 أيار/مايو مدير معهد الإحصاء التركي بمرسوم رئاسي. وكذلك تعتبر استقلالية البنك المركزي التركي موضوع نقاش دولي منذ سنين.
أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م)
المصدر:
DW