طهران- مع إشراقة صباح عيد الأضحى المبارك، تهافت الآلاف من الإيرانيين في العاصمة طهران إلى كبرى المساجد والمصليات والعتبات المقدسة، لأداء صلاة العيد، في أجواء تتداخل فيها الفرحة الدينية مع هموم حرب رمضان وتداعياتها المتواصلة، بيد أن المصلين يؤكدون المضي في التمسك بجذور المناسبة الدينية رغم الظروف التي أنهكت البلاد.
وفي مشهد يغلب عليه طابع التعايش بين نكهة الفرحة ومرارة حالة اللاحرب واللاسلم المتواصلة رغم الهدنة والمفاوضات الرامية لإنهاء الصراع بين طهران وواشنطن، تكتسي واجهات المحال التجارية لمسات العيد البسيطة، في ظل حديث شعبي عن ارتفاع الأسعار وارتباك سلاسل الإمداد، ما يبقي الشارع الإيراني مشغولاً بسؤال ثقيل: "كيف نحتفل وويلات الحرب لم تلتئم بعد؟".
ولرصد ملامح المشهد المعقد الذي يعيشه الإيرانيون في عيدهم هذا العام، تجولت الجزيرة نت في عدد من الأحياء الشعبية جنوبي العاصمة طهران حيث شهدت شوارعها ازدحاما ملحوظا عشية العيد، وإن كان أقل حدة من الأعوام السابقة.
ولم يكن الازدحام المروري هذا يعني بالضرورة سياحة ترفيهية خالصة؛ فبحسب عدد من المواطنين، فإن البعض اغتنم العطلة للهروب من ضغط أخبار الحرب، فيما يفضل آخرون التوجه إلى الحدائق العامة هربا من تكاليف السفر الباهظة وتجنب الأزمات المرورية المعتادة في مثل هذه المناسبات.
في ساحة "قشقائي" القريبة من عتبة "شاه عبد العظيم الحسني" (جنوب) التي استقبلت مئات آلاف المصلين، يقول الحاج رضا (67 عاماً – متقاعد)، إن "الحرب والغلاء والهموم لن تستطيع سرقة الطقوس التي تسكن الروح.. هذه الشعائر الدينية ليست مجرد عادات، بل سند رباني عندما تميل بنا الدنيا".
وأضاف، في حديثه للجزيرة نت، أنه "منذ اليوم الأول للحرب، ومروراً برمضان الذي كان مثقلاً بتطورات الحرب، لم تدخل فرحة حقيقية إلى قلبي إلا اليوم… لأول مرة أشعر أن قلبي انشرح، عندما وقفت بين يدي الله في المصلى، وعرفت أننا ما زلنا قادرين على أن نفرح بطاعته مهما اشتدت المحن".
أما فاطمة وهي ربة منزل في العقد السادس من عمرها، تقول إنها سوف تستقبل معايدات ذويها وأقاربها بعد صلاة العيد، معبرة عن فرحتها بالمناسبة التي "لا تعادلها كنوز الدنيا" كما وصفتها، مؤكدة أنها دعت الأقارب جميعا على مائدة غداء يوم العيد لكي لا يبقى أحدهم في بيته حزينا.
وفي حديثها للجزيرة نت، أوضحت: "ذبحنا خروفاً بالمناسبة.. أود أن يجتمع حول المائدة أكبر عدد ممكن من الأهل والجيران، بعيدا عن التكلف، تماما كما كنا نفعل في زمن الرخاء، مشددة على أن "الحرب علمتنا أن الحياة أقصر من أن نؤجل فيها الفرح. إذا كانت مقاتلات العدو حرمتنا بهجة عيد الفطر الماضي، فسنصنع مائدة في القلوب، وإذا ضاقت جيوبنا فلن تضيق قلوبنا".
ومع حلول الساعة الثامنة صباحا، أدى آلاف المصلين صلاة عيد الأضحى في مساجد ومصليات محددة مسبقاً إلى جانب حرم جامعة طهران والعتبات المقدسة المنتشرة في ربوع طهران، وذلك في مشهد نادر لم تألفه ذاكرة الأعياد السابقة حيث ما زال السواد يلف الجدران وأعلام إيرانية عملاقة تتدلى من الأعمدة والشرفات لتبدو جزءاً من مشهدية حداد رغم حلول العيد.
وفي عتبة الشاه عبد العظيم الحسني، جنوبي طهران، كانت صور المرشد السابق معلقة بكثرة في المصلى الكبير حيث أقيمت هناك صلاة عيد الأضحى، وكأنها تذكّر الجميع بأن شيئا جوهريا قد تغير في البلا د.
وحين سألنا أحد خدمة العتبة، وهو رجل مسن يرتدي زياً أسود، عن سبب بقاء مظاهر الحزن والحداد رغم حلول العيد، أجاب بصوت خفيض "البلاد لم تخرج بعد من حالة الحداد على استشهاد المرشد السابق آية الله علي خامنئي، وجثمانه لم يوارَ الثرى بعد. كيف نزين الجدران ونحن ننتظر مثواه الأخير؟ العيد فرحة، لكن واجب العزاء أعظم في هذه الأيام"، على حد تعبيره.
أما الخطبة الثانية لصلاة العيد، فحملت بدورها أثقال المرحلة، إذ تحولت من الوعظ والإرشاد التقليدي إلى منصة لتعبئة الحاضرين وإطلاعهم على مستجدات الحرب وتفسير التوجهات الرسمية للبلاد، حتى استحوذت مستجدات المرحلة على الجزء الأكبر منها.
كما أفرد الخطيب مساحة واسعة لتفسير فحوى الرسالة التي وجهها المرشد الجديد مجتبى خامنئي إلى الحجاج يوم أمس، معتبراً إياها "خارطة طريق للصمود والتضحية"، وداعيا المصلين إلى الالتفاف حول القيادة الجديدة بنفس القوة التي التفوا بها حول المرشد الراحل، في خطاب مزج بين لغة العيد الدينية ولهيب المعركة المستعرة.
وبين صفوف المصلين، كان التفاعل يعكس انقساماً صامتاً إذ رفع كثيرون قبضاتهم مع الدعاء للمرشد الشهيد، وأجهش بعضهم بالبكاء عند ذكر اسمه، فيما انشغل آخرون بتأمل المشهد بوجوه يختلط فيها الإرهاق بالتساؤل، بينما بدا واضحاً أن الإيقاع الديني للمناسبة أُعيد تشكيله هذه المرة على وقع الطبول العسكرية وحسابات الثأر، لتتحول فرحة العيد إلى محطة أخرى في المسار التعبوي المتواصل منذ ثلاثة أشهر.
وعلى بعد أمتار قليلة من المصلى، كان المشهد في السوق الملاصق للعتبة المقدسة مختلفا تماما؛ إذ احتشدت أعداد كبيرة من الزوار والمصلّين في ممراته الضيقة التي شهدت حركة شرائية كثيفة، حيث تتصدر الحلويات التقليدية سلال الشراء، في مشهد منح العيد شيئا من فرحته التي اختفت بين سواد الجدران المجاورة.
وفي المقابل، بدت المحال التجارية في الشوارع البعيدة مغلقة بالكامل تقريبا، بيد أن عشرات العائلات بسطت موائد العيد على المسطحات الخضراء في الحدائق العامة، في محاولة لاستعادة بعض طقوس المناسبة بعيداً عن ضيق الشقق السكنية وكآبة الأخبار، لكن الأعداد تبدو أقل بشكل ملحوظ من السنوات الماضية، إذ بدت بعض زوايا الحدائق فارغة على غير العادة مع توقعات بتزايد الإقبال تدريجيا حتى ساعات الظهيرة.
وبعيدا عن زحام صلاة العيد والسوق الملاصق للمصلى وهدوء الحدائق صباح عيد الأضحى، التقينا الشاب علي (46 عاماً) وكان يجلس وحيداً، قال بصوت يتحشرج فيه التعب: "انظر حولك، ترى العيد؟ لكنني لا أراه. الأسعار تحرق الجيب قبل أن نصل إلى الفرح، والناس من حولي فقدوا أعز ما يملكون. الحرب لم تميز، أخذت أحبة من كل أسرة تقريبا، فكيف يفرح القلب وعلى المائدة مقعد فارغ؟".
ثم تابع حديثه للجزيرة نت، وهو يشير إلى هاتفه الذي يتابع من شاشته الأخبار "المشكلة أن شيئا لم يستقر بعد. نتحدث عن هدنة؟ عن اتفاق؟ لا أحد يعلم. ننام على وقع تقارير تشير إلى قرب التوصل إلى اتفاق، ونصحو على تطورات متناقضة، ولا نعرف إن كانت الهجمات ستستأنف غدا أم ستنتهي بمعجزة سياسية.. العيد في هذا الضباب ليس عيداً، إنه مجرد يوم عطلة ننتظر فيه مصيرنا.
وبينما كانت ترسم كلمات علي مشهدا لم تحسم فيه الحياة بعد معركتها مع الموت، يبقى العيد هذا العام في إيران لوحة مرسومة بفرشاة الواقع: بين خيبة الحرب والظروف الاقتصادية والأمنية، وتفاؤل بمناسبة دينية تصر شريحة كبيرة من المجتمع على أنها تتقن فن التعايش مع الألم، دون أن تتخلى عن حقها في الابتسام بوجه العاصفة، وفي كل زاوية، يردد الإيرانيون هذا اليوم عبارة واحدة "إن شاء الله العيد القادم أفضل".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة